جدلية العلاقة بين السلام والديمقراطية

جدلية العلاقة بين السلام والديمقراطية
بقلم:آصف قزموز
ما أشبه اليوم بالبارحَة، بأوطانٍ تحولت لقطعانٍ سارحَة، وطعم الظُّلمِ ولاحتلالِ في قبورٍ فائحَة، أو حال سيدةٍ ثَّكلى مكلومةً مهمومَةً طارِحَة، وصَياعَةِ الزمنِ الرديءِ بأوطانٍ تضيعُ بِتَغييبِ العُقولِ الراَّجِحَة، حالنا مع البعضِ وبَعْضُ البَعضِ منا عالصالحيِّة يا صالِحَة.
لقد شكل التحرر الوطني قديماً وحديثاَ القاعدة والوعاء الضامن لولادة الديمقراطية، ولم تكن الديمقراطية ترفاً تسعى له الشعوب من دون وعي ولا شروط ولا محددات أومقولات تنضح بها وتؤشر لوجودها. ففي القرن الماضي كان للديمقراطية أصحابها وبُناتها ومنتزعوها بالقوة، واليوم أيضاً ما زال لها أصحابها وبُناتها ومنتزعوها، لكنها على ما يبدو، تحولت أيضاً الى لافتة ومظلة إن لم نقل سلاحاً، بيد بعض القوى والنظم تستخدمه في خدمة أهدافها ومصالحها الخاصة والضيقة. ولا يمكن لمطلق إنسان عاقلٍ سَوِي أن يعترض على الديمقراطية، إلاَّ أولئك الذين كبّلتهم أطماعهم الذاتية الفردية، أومصالحهم الاستعمارية والاستيطانية الهادفة لاستعباد الشعوب بالقوة، لبناء صروحهم اللامشروعة واللاإنسانية في كثير من الأحيان والممارسات. فإسرائيل حصلت مبكراً على لقب دولة ديمقراطية في أوساط الكثير من الدول الغربية، لكن هل من المعقول أن يستقيم هذا الوصف على دولة ما زالت تحتل شعباً آخر وتستعمره وتنهب موارده وخيراته وحقوقه وتراثه جهاراً نهاراً وعلى رؤوس الأشهاد! عن أي ديمقراطية يمكن أن تتحدث وأنت ترى الدنيا تقوم ولا تقعد على رأس رئيس الاتحاد الأوروبي الزائر لإسرائيل، فقط لمجرد تساؤله عن معلومة مفضوحة للقاصي والداني حول عدم العدالة والظلم في استهلاك المياه الفلسطينية لصالح المستوطنين والإسرائيليين، وعن أي ديمقراطية يمكن أن تتحدث في ظل استمرار آخر الاحتلالات على سطح الكوكب في فلسطين، وأية ديمقراطية هذه التي تهدم مقومات شعبٍ أعزل لتقيم صروحاً استيطانية لا شرعية في بلادنا، ومحكمة العدل العليا تُشَرْعِن سطو المستوطنين على مئات وآلاف الدونمات من أراضي المواطنين الفلسطينيين ، وأية ديمقراطية هذه وأنت تشاهد جنود الاحتلال يطلقون النار على أرجل اثنين من الرياضيين الفلسطينيين المتميزين لتعطيل قدراتهم وإمكانياتهم وكأنما حربٌ دامية ضد الرياضة الفلسطينية، ناهيك عن تغريم جندي أو مستوطن يقتل مواطناً فلسطينياً أعزلاً بدمٍ بارد، مبلغ شيكل ونصف الشيكل لا تساوي ثمن الطلقة أمام المحاكم الإسرائيلية. والكثير الكثير من الممارسات التي تسقط صفة الديمقراطية عنها.
فبالأمس القريب قامت الدنيا ولم تقعدهْ، ووقف العالم على رجلٍ واحدَهْ، عندما شاهدوا جنوداً إسرائيليين، يقومون بتكسير عظام أيدي فتية فلسطينيين خلسة وبعيداً عن أعين الكاميرات، فعلى ما يبدو أن الجنود الإسرائيليين، قد استهتروا الى حد أنهم نسوا أن لاعب الكرة في الماضي كان يخدع الحكم فيلمس الكرة بيده دون أن يراه الحكَم واليوم لم يعد هذا الأمر متاحاً لأنه قد أصبح هناك عشرات الكاميرات التي ترصد حركة كل اللاعبين، فما كان ينطلي بالأمس على الناس لم يعد ينطلي اليوم على أحد، لأن العالم بات يرى بعيون اليوم لا بعيون الأمس العمياءْ، ومن دون زغولة أو عشاءْ، أبى من أبى وشاء من شاءْ.
صحيح أن إسرائيل تمتلك نظم وقوانين ديمقراطية متقدمة، لكنها في الحقيقة تملك على الجانب الآخر كل مفسدات هذه الصورة من تمييز وتعدي على حقوق الغير، ما يعيد الى الأذهان تلك المقولة في الأدب الكلاسيكي" إن شعباً يستعبد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حراًّ".
نعم يا سادتي إن من يضع نفسه ويميزها فوق القوانين الدولية والإنسانية، لا يمكن أن يبني مجتمعاً ديمقراطياً لائقاً مع قيم وأخلاق ومقولات الديمقراطية الحقة. كيف لا ونحن مثلاً نشهد عمليات هدم البيوت الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من حقهم في البناء مع تمكين المستوطنين من كل أسباب القتل وتخريب المحاصيل والتسلط والاستيلاء على حياة وحقوق الشعب الفلسطيني.
ولو نظرنا لسيناريو السلام المنشود بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لوجدنا غياباً كاملاً وخسوفاً شاملاً للديمقراطية الإسرائيلية المرَوَّجَة، وذلك من خلال المماطلة والتسويف ووضع العصي في دواليب المفاوضات التي أضنت شعبنا وجعلت لسان حالنا مقولة " كل ما نقول بدنا انْشِد فَرشِه بِنْبيع اللْحافْ"، ناهيك عن استمرار توزيع الأدوار الإسرائيلية المفسدة للهدوء والأجواء التفاوضية، بهدف منع التوصل الى حل متوازن خالي من التسلط الذي دأبوا عليه منذ عشرات السنين، وفي كل هذا ما يعني عدم استعداد الجبهة الإسرائيلية بوجه عام للسلام العادل والمتوازن، الحافظ للحقوق المشروعة.
ومثلما يتطلب السلام جاهزية الشعبين، فإن الديمقراطية هي الأخرى بحاجة لجاهزية الشعب والظروف الموضوعية والذاتية اللازمة لولادتها وضمان تطورها الإيجابي لصالح الشعوب، وليس لصالح فئات تَتَّجر بها لأجندات ضيقة.
فالديمقراطيات المعاصرة المحمولة اليوم على أكتاف ما يسمى بالربيع العربي، وبنائها في أجواء غير ناضجة وغير مهيأة، هو درب من دروب العبَث، وأشبَه بولادة مبكرة في بيئة نقيضة للبيئة اللازمة للمولود. ولعمري إن ما شهده القرن الماضي من ثورات على نظم متخلفة وديكتاتورية مستبدة، قد جاءت حينها من على قاعدة البديل الأفضل والأكثر تحرراً وديمقراطية، فانتهت بشعوبها الى تراجيديا مأساوية من الديكتاتورية والبطش وانتهاك حقوق الإنسان وخدمة الأجندات الغريبة بعيداً عن مصلحة الوطن والمواطن،لا بل  ووصولاً للتوريث الفردي والعائلي في النظام الجمهوري، ما جعل النظم الملكية القديمة والبائدة أكثر رقياً وديمقراطيةً من بعضها الكثير، عبر عبر ما نشهده اليوم من تجليات القتل والدمار وذبح الشعوب تحت شعار وبمنطق " يا حاكمكم يا ذابحكُم". ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن شعوبنا العربية بات لسان حالها مع الثورات المتعددة الجنسيات والألوان والأجندات مقولة " اتجوزنا تا نِنِسْتِرْ ساق الله عَ أيام الفضيحَة"، يعني لازم تِلْحَسُوا وتذوقوا بِثمامكُم وِلْساناتْكُم ما الرِّيحَة بْتِسْطَح وْفايْحَهْ، وِلِبلاد سايحَة نايْحَهْ، وْبَطَّلنا نعرِفْ مين اللي جاي ومين اللي رايْحَهْ!.
عن أي ديمقراطية يمكن أن نتحدث أو نبني على ركام الدول والمجتمعات التي تفتت وتشتت أو تشَظَّت تحت ناظرينا والعالم الصامت، كَدول ما زالت تقتتل منهكةً تحت نير ونيران الأجندات الغريبة المتصارعة والغَربيِّهْ، التي تجزيء المجتمعات والشعوب العربيهْ، على أسس فئوية وطائفية ومذهبية، فمنهم من انقضى ومضى بِلا دِيِّهْ، ومنهم من ينتظر عالْمَفْرَمِه وِالطَّبْلِيِّهْ، مهدَّداً أرضاً وشعباَ وهويِّهْ، زغرتي يا انشراحْ وْغَطيني يا صَفيِّهْ ؟!! وهل يمكن لشعوبٍ تتوزع مابين كل هذه الممزقات، أن تمنح الديمقراطية وحريات الإنسان حقها المشروع، وتبني مجتمعاتٍ متحضرة على أنقاض أشلاء ذاتها المدمرة والمرهونة لحسابات الآخرينْ، أصحاب المصالح المتربصة بنا وبمنطقتنا على مر السنينْ، وقلبُ العروبةِ ما زالَ علينا ضَنينْ؟!!

 كيف لا ونحن نرى ما جرى ويجري تحديداً في سوريا وليبيا والعراقْ، وغزة هاشم المحفوفة بكل صنوف الفقرِ والقَهرِ والأنفاقِ والنفاقْ، ضاق حالْنا وضاق خُلُقنا واللهِ ضاقْ، يا إخوَة ويا شيوخ يا حِجَّاجْ يا مَلالي ويا رفاقْ، ارحمونا من كل هذا الأسَنْ وحالة القِيقِ وْالقاقْ ؟!
كل هذا وغيره يضع لزاماً علينا وعلى إسرائيل وغيرها، أن ننظر لمشروع السلام، من على قاعدة مسؤولياتنا في الاستعداد والتهيئة لخلق الظروف والمناخات اللازمة للنجاح من قبل إسرائيل أولاً كونها تتحكم في جل مسببات النجاح و الفشَل، والتهيؤ والتهيئة من جانبنا لحل سياسي قادم لا محالة في إطار حل الدولتين غير القابل للضحد أو التهرُّب، ولا سيما من خلال ما يقوم به الجانب الفلسطيني والرئيس أبو مازن شخصياً، من حرص وحس بالمسؤولية العالية على استمرار التواصل والحوار مع المجتمع الإسرائيلي بكل مكوناته، بدلاً من سياسة إدارة الظهر التي يزاود بها بعضنا الفلسطيني والعربي مع أن بعضهم يذهب أبعد منا في علاقاته مع إسرائيل أحياناً كثيرة. ولعمري إن في لقاء الرئيس محمود عباس مؤخراً مع الطلبة الجامعيين الإسرائيليين، رسالة مسؤولة وقوية، وسنةً حميدة يجب أن نحرص على انتهاجها ونستوعبها ونقرأ مؤشراتها ودلالاتها في نطاق وضوء جُل الآنف من قولنا.
فلا سلام من دون تهيئة بيئة وظروف واقعية جادة وحاضنة تتكامل على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، ولا ديمقراطية حقيقية كذلك من دون التزام متين وتقيد بمستلزمات وكلفة ولادتها ونموها وتطورها القابل للحياة، في إطار حاضنة التعايش العادل والمتوازن بشقيها ومكونيها الرئيسيين الاسرائيلي والفلسطيني.
ولعل في تفاعل وتفعيل الدور الأوروبي النشط والمتكاتف مع الدور الأميركي والدولي عموماً، الملموس هذه الأيام أكثر من أي وقتٍ مضى، ما ينبئ بفتح أفقٍ جديد للوصول الى حل سياسي، بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية المشفوعة بقرارات الشرعية الدولية وبالتراضي والتوافق عليها روحاً ونصاًّ، ما يجعل الحل السياسي هذا الذي يحفظ كافة المصالح والتوازنات الممكنة لجميع الأطراف، نواةً وأرضيةً صلبة وضامنة لهذا الحل.
لا يمكن أن نتخيل مطلق دولة تتصف بالديمقراطية، من دون أن تتوفر لديها مقومات وسياق التطور الطبيعي المجتمعي، الذي من شأنه أن يؤسس وينتج هذه الديمقراطية. فمن لا تتوفر لديه مقومات ومتطلبات وجينات الحياة الديمقراطية، لا يمكن أن يكون قادراً على حمل وتحمل جينات ومقومات السلام، ولأجل ذلك نستطيع القول بأن دولة إسرائيل مطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بردم الفجوات ونبذ السلوكيات والممارسات النافية للديمقراطية وحرية الإنسان والمتعارضة تماماً معها، ذلك لأن إسرائيل ما لم تثبت ديمقراطيتها الحقيقية بالقول والممارسة، فلن تكون لديها الجدارة واللياقة لبناء سلام لائق ومتوازن مع الشعب الفلسطيني، وتبقى المفاوضات مجرد طبخة بحص أو قصة إبريق الزيت.

 نعم إن استمرار فشل المفاوضات في الوصول للسلام المنشود، يضع ديمقراطية إسرائيل المزعومة في الميزان، ومصداقية المجتمع الدولي المدرك للحقيقة الكاملة والكامنة في هذا الشأن، أمام اختبارٍ صعبٍ وغير مسبوق.
نعم يا سادتي،إن وعي الديمقراطية ومعاني السلام، اللذان هما جناحي الاستقرار في المنطقة، وقيمهما ومقولاتهما المجتمعية والإنسانية العاقلة بكل مكوناتها، ونضوج الظروف والشروط الطبيعية الحاضنة لهما أولاً وقبل كل شيء، مع ثابت أن لا ديمقراطية حقيقية على أنقاض ودمار الشعوب، أهم ألف مرة من امتلاكنا لهما دون نضجٍ واستعدادٍ ووعيٍ مسبق كاملٍ بجُلِّهما، يحملهما وإن وهناً على وهنٍ وذلك أضعف الإيمان.

التعليقات