عن الإعلام والقضاء،، رسالة مفتوحة

عن الإعلام والقضاء،، رسالة مفتوحة
القاضي أحمد الأشقر 

تشهد الحالة الفلسطينية حراكا متوهجا في العلاقة بين الإعلام والقضاء، توهجا يحمل في طياته نارا وليس نورا كما ينبغي له أن يكون، في هذا يمكن القول أنّ الحريات الإعلامية ليست مطلقة، ثمة قيود فرضها المشرع على حرية الرأي والتعبير كي لا تتحول الحرية الصحفية من وسيلة بناء إلى معول هدم، ذلك أنّ محاولة وضع القضاء الفلسطيني في دائرة التشويه الإعلامي، وسواء عبر قصد أو جهل الآخرين بكل ما حمل هذا التشويه من ضرر فادح بمنظومة العدل والسلم الأهلي، سيؤدي بالنتيجة إلى زعزعة ثقة المواطن بالقضاء، وأخشى أن تدفع الحريات الصحفية الثمن لأنها لن تجد ذات يوم قاض يؤمن بأنّ التحقيق الصحفي منزه عن العبث واللغو والإسفاف والتجني لأنّ القاضي ذاته أحسّ بمدى خطورة الإعلام حينما يفقد قدرته عل التعاطي الإيجابي مع رسالته السامية التي لا تقل أهمية عن الرسالة القضائية.

استقر الاجتهاد القضائي على أنّ التحقيق الصحفي واجب تقتضيه المصلحة العامة، وهذا يدفعنا للقول بأنّ من قواعد وأساسيات أية مهنة لا سيما تلك التي تستهدف تحقيق المصلحة العامة تستوجب أن يتمتع صاحبها بقدر كاف من المعلومات ذات الصلة. 

في الإعلام الفلسطيني وعلى وجه العموم لا يوجد صحفيون متخصصون في الإعلام القضائي، بعض المعلومات عن نص مادة قانونية هنا أو هناك لا تكفي لنكتب مقالا في الشأن القضائي، صحيح أنّ الشأن القضائي هو شأن عام ومن حق الجميع تناوله، لكن ذلك يجب أن يكون منضبطا إلى مهارة وأدوات صحفية قادرة على النقد البناء لخصوصية التعرض للقضاء، يجب أن نعترف بأنّ ثمة تقارير صحفية تتسم بالنقد البنّاء، والقضاء الفلسطيني من خلال مركزه الإعلامي يوفر لأي صحفي الحق في الحصول على المعلومات، وهو ذاته القضاء الذي خصص قضاة للنظر في قضايا الحريات الصحفية في سابقة لم تشهدها الكثير من الأنظمة القضائية والعربية والدولية، وبالمقابل، ثمة تقارير تستهدف في جوهرها حصد رصيد إعلامي وسبق صحفي على حساب الحقيقة والموضوعية والتجرد، رفقا بالعباد والبلاد، ولنكن صادقين مع انفسنا قبل أن نكون نقع في شرك من يستهدفون النيل من مشروعنا الوطني والحضاري والإنساني من حيث لا ندري.

قاعدة أساسية يجب أن يدركها المشتغلون بالمؤسسات الإعلامية، وهي أنّ العمل القضائي لا يستهدف ترضية الجمهور، في حكم واحد فقط قد يرضى شخص واحد ويغضب عشرة أشخاص، تناول الشأن القضائي على وسائل الإعلام ضمن مفهوم "قياس رضى الجمهور" فيه إسفاف وعدم دراية بقواعد العمل القضائي، القضاة لا يقدمون خدمة لوجستية كباقي موظفي الدولة، هم يفصلون في منازعات يرضى بها مواطن ويغضب آخرون، القانون يحكم القضاة قبل أن يحكم الجمهور، والكثير من المواطنين ممن أساءوا للقضاء على الإعلام قد يكونون محقين، وقد يكون الكثير منهم محكومين بجنايات أو جنح أو متهربين من ديون أو يعتقدون أنهم أصحاب حق على عكس الحقيقة، من الطبيعي أن يحلم هؤلاء بأن يصحون ذات يوم والمحاكم مهدومة على رأس أصحابها.

رسالتي إلى كل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، عليكم أن تحموا القضاء بتكريس ضمانات حياده وتعزيزه، وهنا لا أقصد هنا أن تجاملوه على حساب هموم المواطن، بل أقصد أن تنتقدوه بحكمة المحب المتبصر، لا بعين الكاره المنفّر، القضاء ضمانة البلد، وصمام أمانها، والقضاة ليسوا وحدهم من يصنعون العدالة، بل أنتم والمحامون وكافة المؤسسات الوطنية شركاء في الرؤيا والبناء، قضاؤنا لا زال قويا متماسكا وإن شابه عيب هنا أو هناك، وبقليل من الجهد والإرادة الصادقة نستطيع أن نجعل من هذا القضاء نموذجا يحتذى.
رسالتي إلى زملائي القضاة في هذا الوقت العصيب، لنتحلى بصبر جميل، ولنصلح ما بينا وبين أخوتنا، ولنذر ما بقي من الخلاف، ثمة وطن نبنيه وحلم يكبر، لا نخشى في الله لومة لائم، وليكن كل منا على ثغرة من ثغور القضاء، لا يؤتين من قبله ولا من بين يديه ولا من خلفه، والله المستعان على ما يصفون.

التعليقات