التَّمسُّك بحق العَودَة ضمانة لِضَبطِ الجَوْدَة

التَّمسُّك بحق العَودَة ضمانة لِضَبطِ الجَوْدَة
التَّمسُّك بحق العَودَة ضمانة لِضَبطِ الجَوْدَة
بقلم:آصف قزموز
منذ أن أسدلت الستارة على إنجاز قيام دولة إسرائيل، لتُرفع عن مسرح بدء المعاناة الفلسطينية، والشعب الفلسطيني يدفع الأثمان تِلوَ الأثمان باهظةً دون وجه حق، بسبب قرارات أممية تعهدت بها إسرائيل ولم تنفذها ولا سيما قرار حق العودة رقم 194، في جميع المراحل على امتداد أكثر من نصف قرن دون تحقيق أي تقدم يذكر في مسألة العودة، علماً بأن إسرائيل كانت قد تعهدت منذ اللحظة الأولى لموافقة الأمم المتحدة على انضمامها كعضو في الهيئة الدولية، بتنفيذ هذا القرار المتعلق بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم رقم 194. وبموجب هذا القرار الدولي، للاجئين الفلسطينيين الحق في العودة وفي التعويض في آنٍ معاً، وليس كما تتداوله بعض الأوساط على أنه خيار ما بين العودة أو التعويض. ولعل ما يميز الحالة الفلسطينية بهذا الشأن عن سابقاتها ولاحقاتها من حالات اللاجئين أو المهجرين بسبب الحروب على سبيل المثال، هو أن المنظمة الدولية العتيدة أقرت صراحةً من خلال قراراتها، أن الشعب الفلسطيني له الحق في العودة إلى دياره كشعبٍ طُرد من أرضه، وليس كمجموعة من الناس الذين يخرجون من أرضهم بسب الحروب الأهلية أو غيرها، وبالتالي هناك اعتراف بنا كشعب وأرض وليس كحالة انسانية كما يصورها البعض، ما يجعل التمسك بهذه النقطة علامة حاسمة في مستقبل حق العودة وتنفيذه عاجلاً أم آجلاً أم غير ذلك.
وها نحن اليوم، ومع إطلالة كل مرحلة، نقف أمام معطيات ومواقف إسرائيلية متطرفة تقف حائلاً ليس دون إنفاذ هذا الحق الفلسطيني وحسب، وإنما دون تحقيق أي تقدم يذكر في التفاوض من أجل سلام متوازن وعادل يحافظ على حقوقنا المشروعة دون المساس بحقوق الغير ومصالحهم المشروعة، وها هو رئيس الشين بيت الاسرائيلي، يصرح وبالفم الملآن أن فشل المفاوضات لن يجلب المزيد من العنف، بالقول "حتى ولو فشلت مفاوضات السلام لا نتوقع قيام انتفاضة ثالثة"، معترفاً في الوقت ذاته، أن ما أسماه الهجمات الفلسطينية على إسرائيليين خلال العام المنصرم 2013 كانت من أعمال "أفراد وليس منظمات إرهابية" على حد قوله.
وبرغم كل الوقائع التي فرضتها اسرائيل عنوةً على الأرض الفلسطينية والحقوق الفلسطينية الأخرى، من منطلق سياسات حكوماتها المتطرفة في فهم الحفاظ على أمن إسرائيل وهواجسها الأمنية، القائمة على تخوفاتها من أي عملية سلام، إلاَّ أن صراعاً حاداً ما زال يطفو على السطح حول مساعي اسرائيل للخلاص من قرار حق عودة الفلسطينيين الى ديارهم وأرضهم كشعب طُرد من وطنه بالقوة، والعمل على إلغائه، ذلك لأن القرار كان أيضاً قد تضمن آلية خاصة لتنفيذه، اشتملت على حقهم في اختيار العودة، وتعويضهم عما لحق بهم من خسائر وأضرار، سواءً عادوا أم لم يعودوا، إضافة الى إنشاء مؤسسة دولية وهي الأونروا التي تعنى بإغاثة اللاجئين وتأمين احتياجاتهم الحياتية لحين عودتهم، وأكثر من ذلك، فقد نص القرار كذلك على إنشاء لجنة توفيق دولية، تكون مهمتها تسهيل وتأمين عودة هؤلاء الفلسطينيين وإعادة تأهيلهم اجتماعياً واقتصادياً.
ولعل ما يفضح سِر هذا الإصرار الاسرائيلي على إلغاء هذا الحق وعدم إنفاذ هذا القرار، سواء بالرفض أو المماطلة والتسويف أم عبر خلق الوقائع وتغيير الحقائق على الأرض للحيلولة دون التزامهم، هي هذه النواتج المتضمنة في هذا القرار والتي تمثل الأدلة القانونية والمادية لحقوق شعبنا في العودة لأرضه، لا بل إنه يشكل أيضاً المسوغ الوطني والقانوني لتمسك القيادة الفلسطينية بهذا الحق المشروع.
لكن خطير الأمر هذه الأيام ونحن نشهد ونسمع أصواتاً إسرائيلية من هنا وهناك، تطلق اصواتها في التلكك والتطرف بوجه الحقوق التاريخية لشعبنا بهدف تقويضها وإفراغها من مضمونها المكفول قانوناً بقرارات الشرعية الدولية، عبر فزاعاتٍ اعتراضية عمياء، لا ترى سوى ذاتها الضيقة، وهي تنادي بوضع اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية طوعاً أو كرهاً، على قدم المساواة مع حقوق شعبنا الذي أخرج من دياره إكراهاً بالقوة والخداع، وذلك في سياق تمويت وتعويم هذا الحق الدامغ، لشعبنا، ومساواة الضحية بالجلاد، لإرهاق كاهلنا الفلسطيني بثمن لقضية لا ذنب لنا فيها، سيما وأن تهجير اليهود من البلدان العربية، في الوقت الذي ألبس لباس الانتصار لشعبنا عبر تهجيرهم، والذي كان في حقيقة الأمر من حيث يدرون أم لا يدرون قد شكل عملياً أكبر خدمة أسديت مجاناً للحركة الصهيونية أواسط القرن الماضي في إطار عملية إقامة دولة إسرائيل آنذاك، والتي كانت بأمس الحاجة لتهجير المزيد من اليهود لإسرائيل وتأمين الديمغرافية اللازمة لقيامها.
في معمعان ذات الهجمة على حق العودة ومحاولات تقويضه، نشهد اليوم استعار حدة سياسات الهدم الاحتلالي للوجود الفلسطيني وتحديداً في مناطق الأغوار ومدينة القدس، المستهدفة في أي حل من قبل السياسات الاستيطانية المتطرفة التي لا ترغب في سلام مع الفلسطينيين من أصلُه، وهي في ذات الوقت تسير جميعها في نسق واحد متبادل على طريقة "خذني جيتك"، بدءاً من فرض الوقائع الاستيطانية وتوسعها اليومي، ومصادرة الأراضي وهدم البيوت ونهب الموارد والمقدرات بوضع اليد، وإطلاق فزاعة الاعتراف بيهودية الدولة في وجهنا كشرط تعجيزي للحل، ناهيك عن قوانين التمييز العنصري الداعمة لكل هذا، وجميعها تتوحد في وجهنا حكومة ومعارضة، منقضةً علينا سلطةً وشعباً وأرضاً ومعارضة، مجسدين مفارقة عجيبة، هي أن المعارضين على الجانب الفلسطيني يهجمون بذات التوقيت والضراوة وذات الاتجاه علينا، مع ذات الهجوم الاسرائيلي الذي طالما تجلى فيه التوحد الاسرائيلي حكومة ومعارضة، على نحو يجعل من معارضتهم سنداً داعماً لحكوماتهم المتعاقبة في معمعان الهجوم علينا، بينما معارضتنا في وجه حكوماتنا مثبط دائم في إطارٍ مريبٍ عائم.
نحن ندرك أن ثمة فارقا كبيرا ما بين امتلاك الحق والإقرار به شرعاً وبين الممكن الموضوعي المنطقي في أشكال وتجليات ومساحات وحدود القدرة على التطبيق على الأرض من على قاعدة الإلزام بالقرارات الدولية، لذا يجب أن ندرك الى جانب ذلك، أن كل أوراقنا وأوراقهم ستتفاوض على طاولة واحدة، ولا بد من التوافق بين الطرفين على الصيغ المرضية لشعبنا والضامنة لحقوقه، وعلى معادِلاتها بالمثل والقيمة التي ترضي أصحاب الحق أولاً وليس غيرهم، أي أن شعبنا هو من سيقرر القبول من عدمه وصاحب الكلمة الأخيرة في ذلك، سواء بعودة كاملة بالنص الحرفي للقرار مع كامل الإضافات في التعويض والآليات، أم بعودة مجزوءة بآليات متوائمة مع الظروف الممكنة وتعويضنا ببدائل مساوية في الكم والكيف ومرضية لشعبنا صاحب الحق، وذلك في ظل التعقيدات التي تجسدت على الأرض على امتداد السنوات الطويلة، وبالتالي هم الذين بحاجة للتفاوض معنا ومفاصلتنا على ذلك وإرضائنا وليس نحن، ولكن كل هذا لا يتم الفصال فيه إلاَّ بعد الإقرار أولاً بكامل الحق المشروع لشعبنا في القرار دون نقصان، والكلمة النهائية في القبول والعدم هي للشعب الفلسطيني.
باختصار، نحن نملك ثوابتنا الوطنية، والإسرائيليون يملكون أيضاً ثوابتهم الخاصة بهم، لكن الفارق أن ثوابتنا تستند لقرارات وشرعيات دولية رسمية موثقة، بينما ثوابتهم لاسند شرعي دولي لها وتنطلق من معتقدات خاصة بمتطرفيهم وقائمة على الإثم والعدوان ووضع اليد بالقوة. اللهم إلاَّ إذا أرادوا الالتزام بالقرار المذكور 194 الذي ينص على قيام دولة يهودية على مساحة 56% من فلسطين التاريخية وأخرى عربية على 44% المتبقية، وفي هذه الحالة ستختلف القسمة وخارطة الحل المطروح وشروطها ومساحاتها وحدودها وأبعادها.
لكنني أعود وأتساءل، لماذا ينجح الإسرائيليون دوماً في الاصطفاف والتوحد سياسياً مهما بلغت ذروة الخلاف وحدته معارضة وموالاة وحكومة ضد سلطتنا وقيادتنا ومشروعنا الوطني برمته، وفي الهجوم علينا هجمة رجل واحد، بينما معارضتنا في الغالب تستمر في هجومها أيضاً علينا مع الهاجمين وفي ذات الهجمة، دون مراعاة لفروق التوقيت وأحكامها في الهجوم حتى لا تفيد الخصم وذلك أضعف الإيمان وأبجدية البديهيات في مفاهيم وحدة وصراع الأضداد، ولو من باب مقولة" أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي ع الغريب"، التي تراعيها المعارضة والحكومة في إسرائيل حق الرعاية، وتستثمر بها تاريخياً لصالح شعبها أيما استثمار. فوا عجبي!! نعم، نعم، ضاق خُلْقي يا صَبي، من هالجو العَصَبي، فوا عجبي فوا عجبي ووا عجبي... والعصمة لن تكونَ إلاَّ لِنَبِي.
بصراحة، انتهى الدرس يا غَبِي.

[email protected]