عميد المصوّرين محمد ترجمان يحتفظ بصور نادرة وذكريات جميلة

عميد المصوّرين محمد ترجمان يحتفظ بصور نادرة وذكريات جميلة
بيروت - دنيا الوطن-ثريا زعيتر
لم تثقل السنون التي زادت على الثمانين، همّة عميد المصورين محمد عبد الباسط ترجمان بعد... لا يزال يحبس أنفاسه بقوة كلما وقف خلف عدسته في "إستوديو رمسيس" في مدينة صور الجنوبية، ليلتقط صورة جديدة كاسراً رقماً قياسياً مليونياً... متوّجاً ذاكرة المدينة التي صورها بالأسود والأبيض قبل 5 عقود خلت، حين انقلبت حياته رأساً على عقب من بائع حليب إلى مصوّر.

وحكاية ترجمان، ذلك الشاب الصيداوي الذي قدِم إلى صور بحثاً عن فيزا تنقله إلى أفريقيا، فحوّله بحر المدينة إلى مصوّرها الأول، تعود إلى العام 1936، حين استغلّ العطلة الصيفية المدرسية لكي يغيّر عمله، وهو لم يبلغ بعد الـ 12 من عمره، من ناقل للحليب على دراجة هوائية حتى العام 1948، عام نكبة فلسطين، إلى مصور محترف.

قبل أيام قليلة، احتفل ترجمان بعيد ميلاده السادس والثمانين، فاستعاد معه ذكرياته الماضية حين اشترى أول مرة كاميرا 130 بسعر ليرتين وربع الليرة، فالتقط بها بعض الصور، قبل أن يقصد قدامى المصورين في صيدا ليتلقى نصائحهم. فيما يفتخر اليوم أنه يُحافظ على أنواع كثيرة من الكاميرات القديمة التي تعمل، والتي لا تقدّر بثمن، كإرث تاريخ وتراثي لا ينسى.

"لـواء صيدا والجنوب"، قصد مدينة صور والتقى عميد المصورين محمد عبد الباسط ترجمان داخل "استديو رمسيس"، الذي يُزيّن بصور نادرة قديمة بالأسود والأبيض، ويعبق بالتاريخ.

نكبة.. وبداية

ما زال المصور ترجمان يواظب على عمله في "استديو رمسيس" في مدينة صور، بهمّة ونشاط، يعاونه ابنه إبراهيم، حيث أمضى في المهنة أكثر من 70 سنة، يستعيد بدايتها بذاكرة حافظة مثل كاميراته، يروي بداية حكايته. "الصدفة لعبت دورها معي"، هكذا قال: "في العام 1936 كنت أبلغ من العمر 12 عاماً، وكنت أعمل في نقل "جرات" الحليب على دراجتي الهوائية، وانتقلت للعمل في مهنة الألبان والأجبان عند خالي أبو منذر القطب حتى نكبة فلسطين في العام 1948، حيث شهدت المنطقة العديد من النكسات، فحدثت النكبة الفلسطينية، وشهد البلد أزمة في تجارة الحليب الطازج، إذ باشرت وكالة "الأونروا" توزيع حليب البودرة (الناشف) على اللاجئين الفلسطينيين، فشكّل الأمر كارثة للكثير من تجار الحليب، فما كان مني إلا أن تركت العمل عند خالي، وكنت قبل حدوث النكبة أنزل بعد توزيع الحليب إلى منشرة والدي أساعده حتى الثانية بعد الظهر

 أنام قليلاً ثم أقضي معظم وقت العصر قرب البحر، ألتقط بعض الصور بكاميرا 130، تعطي 8 صور، كاميرا كان ثمنها ليرتين وربع الليرة، وكنت أصوّر فيلمين، ثم ألجأ إلى قدامى المصورين في صيدا لأتلقى نصائحهم. وقد حظيت بالكثير من التشجيع ما دفعني الأمر إلى ان أنمّي هوايتي فأشتريت كاميرا "لايكا" بـ 65 ليرة لبنانية، تلتقط 36 صورة".

وأضاف ترجمان: "خلال عملي في معمل الحليب - قرب ميناء صيدا، التقيت بمغترب قادم من أفريقيا، وأفصحت له عن رغبتي بالسفر إلى بلاد العاج (أفريقيا)، فرد عليّ بكل ترحيب، وقال لي: "بإمكاني أن أساعدك، فأحضر بعض الأوراق والوثائق الثبوتية الخاصة بالسفر، حتى أبعث لك بفيزا تمكّنك من السفر، وأبلغني عن عنوان يعطيني التأشيرة التي سيرسلها لي، فذهبت إلى صور أكثر من 5 مرات ولم تحضر الأوراق، فقررت أن أخذ معي في المشوار الأخير رفيقة دربي آلة التصوير، التقيت بشابين قرب البحر، وسألاني هل يُمكن أن تلتقط لنا بعض الصور؟! ففعلت وتواعدت معهما على اللقاء في اليوم التالي لإعطائهما الصور.

وبالفعل هذا ما حصل، وصوّرت 3 أفلام آخرين وحصلت على مبلغ 16 ليرة، وهكذا صرت أحضر صباحاً إلى صور لأصوّر وأعود في المساء إلى صيدا. أطبع الصور وأحضرها معي في اليوم التالي، في تلك الفترة التقطت أجمل الصور لمدينة صور، حيث عشقتها قبل أن يحيط بها الضوضاء وعمارات حديثة البناء، البعض كان يسخر مني حينما يراني أصوّر الميناء أو البحر أو الآثار".

قرار.. ومراسل

وبنظرة حنين إلى الماضي قال: "في أواخر العام 1949، قررت أن أقيم بشكل دائم في صور، فالمسافة الطويلة بين صيدا وصور، وانقطاع التيار الكهربائي كانا يعيقان عملي،  فسكنت في غرفة في حي الكاثوليك لتكون مركز عملي، في هذه الغرفة كنت أقوم بعملية التحميض وتظهير وطباعة الصور، فكانت الحياة أجمل بكل شيء، حتى الصورة كانت لها نكهة خاصة، وعشق خاص، وأنا أضع عليها "رتوش" بالفحم الأبيض والأسود، كنت سعيد جداً وأنا أحمل الكاميرا".

بابتسامة لا تفارق وجهه، تابع: "ذات يوم شاهدت ميكانيكياً يضيء مصباحاً من سيارته، فقرّرت أن أستفيد من هذه الطاقة، ونفذت فكرتي لأحل مشكلتي في التنقل والتعب، وكنت أول من استخدم طاقة البطارية في طباعة الصور في صور، أما بالنسبة إلى التصوير في الاستديو، فقد اعتمدت التصوير نهاراً على ضوء الشمس الداخل من واجهة زجاجية بين جدارين طليتهما باللون الأبيض لعكس النور".

وإلى جانب عمله، شارك ترجمان العروبيين الناصريين نضالهم، حيث كان أميناً للذخيرة، وقال: "لقد انتقلت سنة كاملة إلى متاريس الثوار والمقاتلين التي انتشرت في المدينة، ما أتاح لي التقاط صور لهم ولبنادقهم"... إلى أن أصبح مراسلاً صحفياً، حيث علق على ذلك "عدستي كانت تحفظ كل زاوية من معالم عروس الجنوب الطبيعية والعمرانية، التي تغيّر معظمها، وتحفظ أيضاً صيّاديها وبحرها، الذي ردم جزء كبير منه، وشيّد فوقه الكورنيش البحري والطريق الساحلية وبنايات لا حياة فيها، فأنا المصوّر الوحيد في ذلك الزمن، وأحياناً كان يشاركني من حين لآخر أنيس السوسي، ابن صيدا".

استديو.. وأمنية

وسرعان ما انتقل ترجمان إلى بستان الكاثوليك وفتح محله الحالي قبل وصول الشارع إليه، وأطلق عليه اسم "استديو رمسيس" نسبة إلى تمثال رمسيس، الذي كان في المحل، وعمل مصوراً مع مصلحة الآثار، فقال: "التقطت صوراً لكل ما يتم العثور عليه خلال عمليات التنقيب، وقد شاهدت إعادة بناء قوس النصر، وأتيح لي تصوير مدينة صور من على متن طائرة فرنسية، لكن لسوء حظي لم أتمكن إلا من التقاط صورة واحدة فقط، والسبب يعود إلى ضعف تقنية الكاميرا التي كنت أحملها".

وبفخر واعتزاز قال: "رغم التطوّر، ما زلت احتفظ بالتقنيات التي كنت استعملها منذ بدء عملي كمصور من مصابيح الحمراء وأدوات التظهير وأرشيف صور وأفلام، إلى جانب مجموعة كاميرات نادرة عمر أصغرها 100 عام منها "بندكس 500"، "رايس أكون" وهي ماكينة استديو 6*9 و10*15، كوداك 1910، كانون 1950، سيز أكون 1940 - وهي رفيقة الدرب، كاميرا كلاندر صنعت في ألمانيا، كلاندر 1936، كلاندر 1920، وأول ماكينة تصوير كانت في العام 1920".

وبغصّة وحسرة وألم في القلب أضاف: "خسرت جزءا كبيراً من الأرشيف الذي صنعته في المرحلة المهنية، فلم يبقَ منه إلا القليل، وذلك بسبب إتلافه خلال الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982. وعتبي على كل من استعانوا بصوري في إعمالهم وكتبهم ولم يذكروا أن هذه الصور تعود إليّ، علماً أن أكثر ما أحب تصويره هي الأعراس، إذ قمت بتصوير أول عرس في العام 1958 في منطقة يارين الجنوبية، وكان لي العديد من المشاركات في معارض تصويرية في ألمانيا".

وختم "أبو إبراهيم ترجمان": "حضرت إلى مدينة صور فقيراً، ويبدو أنني سأتركها كذلك, أما الغنى منها، فهو أنني علّمت ابني وبناتي الأربع أفضل تعليم، وما أثقل همّتي اليوم، إصابتي في العمود الفقري جراء العدوان الإسرائيلي في تموز 2006. وعلّمت الكثير من الطلاب، وحلمي أن أبني معهدا مهنيا، لأعلّم الطلاب أصول فن التصوير، لكن ضعف الحالة الاقتصادية حال دون القدرة على بناء المعهد".





التعليقات