"المصمك" قلعة معمارية تجسد فن العمارة السعودية

الرياض  - دنيا الوطن- طارق أحمد شوقي
من مستودع للذخيرة والأسلحة وسجن كبير، إلى متحف مميز يحكي قصة الشعب السعودي. حيث يعد المصمك حصنا مربع الشكل ذو بروج وجدر سميكة، يتوسط قلب مدينة الرياض قديماً، ويحتل مكانة بارزة في تاريخها وتاريخ المملكة العربية السعودية، لما يمثله من عمق تاريخي، حيث اقترن هذا الحصن بمسيرة توحيد المملكة العربية السعودية.

كان (المصمك) هو الهدف الأول الذي إتجه إليه الملك الراحل عبدالعزيز بوصفه الحصن الحصين الذي لا بد من اقتحامه والعبور منه للوصول إلى مدينة الرياض والسيطرة عليها، كخطوة أولى على طريق التوحيد وبناء الكيان الكبير.

أطلق المؤرخون أسماء عديدة على هذا المعلم التاريخي منها الحصن والقلعة والحصن الداخلي والمسمك والمصمك، ولكن الاسم الأخير هو الشائع الآن، وهناك اجتهادات كثيرة حول سبب هذه التسمية، لكن أكثرها رواجاً أن مصدره من السماكة وهي البناء المرتفع الحصين.

وترجع الأهمية التاريخية لحصن المصمك، إلى أنه المكان الذي كانت تدار فيه شؤون الرياض ، وقد بني (المصمك) في عام 1312 هـ الموافق 1895 في عهد محمد بن عبدالله بن رشيد ليكون مقراً لحمايته، حيث عين حاكماً من قبله عليه; واستمر هكذا حتى اقتحمه الملك عبدالعزيز، عندما فتح الرياض في الخامس من شوال لعام 1319 هـ الموافق 15 يناير/كانون الثاني 1902م.

وقد اختلف المؤرخون حول الشخص الذي بنى حصن المصمك، فذهب نفرٌ إلى أن (المصمك) بني في عهد الإمام عبدالله بن فيصل اَل سعود، حيث تولى الحكم على فترتين; الأولى بين 1282 هــ - 1288 هــ والثانية بين 1293 1305 هــ.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما جاء في (كتاب الدرر)، حيث يقول إن الإمام عبدالله بن فيصل بنى القصر في الرياض .

بينما يرى فريق اَخر من المؤرخين وهو الرأي الصحيح أن المصمك بني في عهد عبدالله بن رشيد، حيث بناه شخص يدعى ابن ضبعان قائد حامية الرياض في عهد ابن رشيد، وحجتهم في ذلك كتاب تاريخ نجد وملحقاته، حيث يقول. . (وكان في الرياض قلعتان الواحدة ضمن الأخرى شيدهما ابن الرشيد، وأقام فيهما تسعين من رجاله يرأسهم أمير اسمه عجلان، وسمى (المصمك) باسم الحصن الداخلي وسور الرياض الحصن الخارجي.

ذخيرة وأسلحة
استخدم (المصمك) فيما بعد كمستودع للذخيرة والأسلحة والمؤن والعتاد وذلك لمدة عامين، إلى أن تحول بعد ذلك إلى سجن حتى تم تحويله إلى معلم تاريخي وحضاري يمثل حقبة مهمة من مراحل تأسيس المملكة العربية السعودية. وليكون شاهداً حياً لكل الأجيال القادمة، على معركة الملك عبدالعزيز الحاسمة; فبسقوط (المصمك) ذلك الحصن العتيد سقطت الرياض وباقي المدن الأخرى.

ويمثل (المصمك) تجسيداً حياً لفن العمارة التراثي الأصيل للمنطقة، حيث تمثلت فيه كل الخصائص المتوفرة في الطراز المعماري السائد في نجد وفن استخدام الحيز المكاني وأساليب البناء، بل إن كل قطعة أو عنصر في (المصمك) يمكن اعتباره تراثاً معمارياً نموذجياً للعمارة المحلية، وتعبر هذه القطع والعناصر المحيطة بها، عن أقصى قدر من الملائمة والتوفيق مع متطلبات سكان المنطقة. وقد تعاقبت على (المصمك) مراحل عديدة تفاوت تأثيرها فيه منذ إنشائه وحتى اليوم، حيث جرى خلالها تطويره وترميمه ليأخذ شكله وحجمه الملائمين في موقعه القريب من قلب المدينة ملاصقاً لقصر الحكم والجامع الكبير وسوق الرياض .

التشكيل الفراغي يتكون (المصمك) من طابق أرضي رئيسي متكامل، وطابق علوي في الجزء المطل على الفناء الرئيسي، إضافة إلى بعض الغرف في الجزء الشمالي والشرقي لسطح الطابق الأرضي، والذي يتكون من المدخل الرئيسي الذي يشكل الاتصال الأفقي بين (المصمك) والطريق خارجه، وينتهي عند الجدار الغربي للمجلس السفلي، مكوناً بذلك جداراً حاجباً للرؤية، وكانت فيه أماكن للجلوس تعرف بــ (الدكات) وقد أزيلت في أثناء الترميم ويتصل هذا المدخل بدرج يؤدي إلى الطابق الأول، ويقود إلى المناطق الدفاعية، كما يوجد به الباب الرئيسي للمصمك الذي يعدّ أهم جزء من أجزائه.

ويقع المسجد على يسار المدخل الرئيسي، وهو عبارة عن غرفة محمولة على أعمدة، وذات شبابيك في الواجهة الشرقية تفتح على الفناء المجاور، وتم نحت المحراب إضافة إلى الفواغر وفتحات التهوية غير المباشرة في جدار القبلة، وقد عُدِّل باب المسجد من الشرق إلى الجنوب في أثناء الترميم.

ويجاور المسجد من الشرق فناء داخلي ذو أروقة من الجنوب تفتح عليه شبابيك المسجد حيث يستخدم للصلاة صيفاً، ويعدّ هذا الفناء الاتصال الحركي المباشر بين المدخل الرئيسي والوحدة السكنية المجاورة له من الشرق، ويتصل به ممر يؤدي إلى الطابق الأرضي للبرج الشمالي الغربي، ويعلو هذا الممر الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي لنفس البرج عبر سطح المسجد.

الديوانية تحيط بالمدخل أماكن استقبال وجلوس الضيوف، والتي تعرف بالديوانيات (جمع ديوانية)، وهي ذات تصميم وظيفي خاص تتميز به عن باقي الحجرات ويوجد في (المصمك) ديوانيتان الأولى أمام المدخل مباشرة، وهي ذات شكل مستطيل ومسقوفة على عمودين، وقد ترك فراغ للتهوية والإنارة في الجهة الغربية وتمت زخرفتها بعدد من الشرفات والفواغر، كما توجد تشكيلة كبيرة من الفتحات المثلثة والمستطيلة للتهوية والإنارة، تفتح من الجنوب على الفناء الرئيسي، ويتصل بها من الجهة الشرقية غرفة إعداد القهوة والتي تكون العنصر المساند للديوانية الأولى.

وفيما يخص الديوانية الأخرى فهي على يمين المدخل وهي مخصصة (للأخويا) ويتصل بها بيت الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي والمناطق الدفاعية، والمستخدم كمستودع للأخشاب المستعملة في إيقاد النار، وتفتح هذه الديوانية على الفناء الرئيسي للمصمك.

ويتصل الفناء الرئيسي بالمدخل بشكل غير مباشر، وهو فناء محاط من ثلاث جهات بأروقة ذات أعمدة نجدية بسيطة تبلغ ثلاثة عشر عموداً.

بينما أزيل الحائط الساتر فيما بين صف الأعمدة الشمالي في أثناء الترميم، وتحيط بالفناء غرف ذات أعمدة متصلة بعضها ببعض داخلياً، ويتصل بالفناء درجان في الجهة الشرقية، الأيسر منهما قديم، ذو عرض قصير، ويؤدي إلى الطابق الأول ويستمر صاعداً إلى الطابق العلوي والأسطح.

والأيمن منهما ذو عرض أكبر ويوصل إلى الأسطح الشرقية عن طريق غرفة تعلو الوحدة السكنية الأولى.

ويتصل بالفناء الرئيسي عبر ممر مسقوف بفناء الخدمة الأوسط، والذي هو محور الاتصال بين الفناء الداخلي الرئيسي والوحدات السكنية وفناء الخدمة الرئيسي (الحوش.

الطابق العلوي يتكون الطابق العلوي ل (المصمك) من غرف تطل على الفناء الرئيسي، إضافة إلى بعض الغرف في الجزء الشمالي والشرقي، والتي تعلو الوحدات السكنية.

يعلو الجزء الرئيسي لـ (المصمك) سطح مكشوف يطل على الفناء الرئيسي وكانت له دورة ذات ارتفاع منخفض ، وقد زيد ارتفاعها في أثناء الترميم، ويلتف حوله عدد من الغرف إضافة إلى الروشن العلوي والذي يتكون من غرفتين متصلتين معاً، الشرقية الجنوبية منهما يوجد بها وجار قديم، وتستعمل كمجلس صيفي لتخلل واجهاتها الشمالية والشرقية فتحات مثلثة ومستطيلة بتكوينات جمالية، واتصالها بالأسطح الشرقية لها.

أما الروشن وهو مزود بزخارف جصية حديثة في أثناء الترميم، وتتصل به غرفتان صغيرتان إحداهما تصل الداخل إلى الروشن (المجلس العلوي) والأخرى تؤدي إلى السطح الشرقي المجاور، وكان الروشن يتصل مباشرة بالطابق الأرضي عبر درج أغلق في أثناء الترميم.

الأبراج يشرف البرج المربع الأوسط على (المصمك) والمناطق المحيطة به ويستخدم للمراقبة الخارجية والداخلية، بينما تستخدم الأبراج الأربعة الأسطوانية الشكل في زوايا (المصمك) للحراسة والدفاع، وتتكون الأبراج بشكل عام من غرف يعلو بعضها بعضاً، وتتصل بسلالم خشبية بسيطة ويربط بينها سور مصمت ذو ارتفاع عالٍ، وهذه الأسوار أو الجدران الخارجية سميكة في قاعدتها ورفيعة عند قمتها، حيث يصل سمكها عند القاعدة إلى مترين تقريباً، بينما الجدران الداخلية ذات سماكة واحدة وأقل كثيراً من الخارجية.

ويتخلل الحوائط الخارجية فتحات بارزة تعرف ب (الطرم) جمع طرمة، وتوجد في جميع واجهات (المصمك)، وتتركز بشكل خاص فوق المدخل، إضافة إلى فتحات صغيرة مخصصة للرمي بالبنادق على هيئة أحزمة، سواء في الأبراج أو في بعض أجزاء السور الخارجي، وما عدا ذلك فالواجهات مصمتة، بعكس الجدران الداخلية حيث تتخللها تشكيلات من الفتحات المثلثة والمستطيلة، على هيئة مجموعات أو أحزمة أسفل السقف مباشرة، وذات أبعاد صغيرة، وهي مخصصة للإضاءة غير المباشرة وللتهوية، ويعد المجلس الصيفي الملحق بالروشن مثالاً جيداً لتلك التشكيلات.

العناصر الجمالية والزخرفية لقد أبدع معلمو المعمار قديماً في العناصر الجمالية والزخرفية الخارجية والداخلية، فنجد أنه في الزخارف الخارجية تم الاعتماد على توزيع الفتحات المثلثة والمستطيلة وعمل تكوينات منها في الواجهات الداخلية للغرف المطلة على الأسطح أو الأفنية الداخلية، وعمل زخرفي للواجهات الخارجية إضافة إلى عمل الشرفات في أعلى الجدران.

أما الزخارف الداخلية فقد استخدم "الجص" للبياض ولتكسية الشرفات الداخلية، ولعمل الزخارف الجمالية للفراغات الداخلية المهمة، وذلك باقتباس بعض الأشكال من الزخارف الخارجية وعكسها في الداخل بشكل مبسط على هيئة أحزمة أفقية علوية وسفلية ورأسية أحياناً، ويكثر استخدام النقش في المجالس ، خاصة " الكمار" الذي يعلو مكان إعداد القهوة. كما يتم زخرفة "السواكيف" الخشبية والأبواب بالألوان.

ومن الزخارف الأساسية المستخدمة في (المصمك) الأقواس المحمولة على الأعمدة التقليدية ذات التيجان البسيطة، والتي تستخدم حول الأفنية الداخلية.

ويعدّ النقش على الجص تطوراً لعملية البياض في (المصمك)، وكثر استخدام الزخرفة بالنقش في الأماكن المهمة كأماكن استقبال الضيوف والغرف الرئيسة، وكان مقتصراً في البداية على زخرفة ونقش الكمار، ثم تطور إلى عمل لوحات منقوشة بكامل واجهات تلك الغرف، وإن كانت مثل هذه الأعمال غير موجودة أصلاً في (المصمك وإنما استحدثت في أثناء الترميم.

وبدأ النقش على الخشب باستخدام الألوان المتوافرة للأبواب والسواكيف، وذلك امتداداً لعمليات النقش على الجص ، وفي (المصمك) العديد من الأبواب والسواكيف المنقوشة بالألوان المتعددة أو باللون الأسود فقط، والتي أضيف بعضها في أثناء الترميم.

ويتميز( المصمك) بنجاح التوزيع الفراغي، وما وصل إليه فن البناء في ذلك الوقت، حيث تمثلت فيه كل خصائص الطراز المعماري السائد في المنطقة، وأساليب البناء واستخدام الفراغ من حيث الميل إلى عمل الأروقة والأفنية والنوافذ الداخلية والشرفات، وإغلاق الجدران من الخارج، وعدم فتح الشبابيك فيها وتأمين الخصوصية التامة للجزء المخصص للعائلة عن مجالس الرجال مراعاة للقيم الإسلامية.

إن كل عنصر بـ (المصمك) يمثل نموذجاً للعمارة المحلية بدءاً من مساقطهُ الأفقية وتوزيع الفراغات فيها وواجهاته وأفنيته وأبوابه وفتحات الإنارة والتهوية فيه، وانتهاء بمواد وطرائق بنائه، والتي تعبر مجتمعة عن روعة العمارة حين تنبع من بيئتها الخالصة، منسجمة مع العناصر المحيطة بها كالمناخ ومواد البناء المحلية.