مقالي يوم ميلادي

مقالي يوم ميلادي
بقلم: د. صبري صيدم
يحجم الكثير منا مع تقدم العمر عن الإفصاح حول مشاعرهم التي تنتابهم في ذكرى ميلادهم خاصة مع مرور الأيام وانطواء عام بعد عام.

لكن هذا الأمر لا يأتي من باب الخجل ولكن من باب الشعور بأن ما يدور في فلك الحياة من أمور ومشاغل تجعل يوم ميلادك الحدث الأقل أهمية، إضافة إلى حبك للحياة وكراهيتك ليوم يؤذن فيما يؤذن بتقدم العمر واقترابك من كبر السن تهتز فيه ساقاك وترتعد يداك وتخبو ذاكرتك وتبدأ بإعداد العدة ليوم الرحيل.

الأهم في المعادلة أنك تراجع أعمالك وهمومك التي طوتها سنة مرت وتحضر نفسك للقاء أحداثٍ تنتظرك لا تملك معها إلا التخمين بطبيعتها وساعة وقوعها.

مديراً كنت أم زعيماً، عاملاً أم غفيراً، وزيراً أو أميراً فإنك من المؤكد تحب الحياة بشدة وتتمسك بها لكنك لن تلقى في يوم ميلادك إلا ذاكرة لما حل وترقباً لما سيأتي في عمر يعج بالأحداث والمغامرات والتطورات.

إذاً أربعة عقود من عمري وثلاث سنوات أخريات قد طوين اليوم ومع كتابة هذا المقال محطات عديدة أحسبها عجيبة التركيب والتكوين والتفاعل كما كل الناس الذين يعتقدون ذكرى ميلادهم حدثاً غير عادي على الأقل بالنسبة لهم.

لكن نظرة سريعة في مجريات الأحداث من ثورات شعبية بكل الفصول وأعاصير وفيضانات وانقلابات وتغيرات سياسية واجتماعية وفكرية واستراتيجية تجعلك الحدث العابر في زمن اليوم وأحداثه التي كانت تستوجب قرونا لتحدث وتتفاعل.

هذا كله لأن ثورة التقانة وسرعة انتقال الخبر غيرت مفاعيل ذلك الخبر وسرعة انتشاره. فنبأ زواج والدي استوجب يومين للوصول إلى الأهل المنتظرين داخل الوطن، لكن زمن وصول نبأ ميلاد ابني الأخير لم يأخذ سوى دقيقتين ليعلم به الأهل والأصدقاء.

إذاً سرعة التواصل نقلت العالم من عصر الرتابة والبطء إلى عصر التفاعل والاتصال اللحظي في عالم خلقته القرية الكونية التي نعيش اليوم والتي سميت بالإنترنت.

لهذا ومع نشر مقالي هذا الذي اكتبه يوم ميلادي سيكون العالم قد عرف عن عشرة أحداثٍ مهمة وشهد ولادة 6,320 مولودا جديدا وقد أُبلغ عن ثلاث هزات أرضية وبركان خامد يتجدد. ويكون قد صنع 2500 مليار تريليون بايت من المعلومات.

هزات أخرى تجرح الفؤاد وتدمع العين كوجع أهلنا وشعبنا في أركان الكون في مخيمات البؤس ومنها مخيم اليرموك، في غزة وفي القدس، في الاغوار وفي معاقل الاقتلاع والابتلاع اليومي.

لذا ما ميلاد شخصٍ ما أمام هذا الضنك إلا حدث عادي يحصل كل ثانيتين تقريباً. المهم أننا نمتلك فسحة الأمل لنضيء شمعة ونمسح دمعة أينما وكيفما استطعنا.

بالنسبة لي فإن بهجة أولادي بعيد ميلادي وتهاني المحبين الذين بالمناسبة لم أذكرهم بهذا اليوم بل ذّكرهم الوتس آب والفيسبوك والرسائل الإلكترونية والأجندات المحوسبة، إضافة إلى قصيدة كتبها ابني البكر ودندنة ابني الصغير بنغمات أغنية الميلاد وهو لا يمتلك حتى الآن ناصية الكلام وأغنية العيد التي شدتها ابنتي شكلت فرحة لن أنساها.. وما لا أنساه أيضاً هو مقالي هذا يوم ميلادي!

[email protected]