عيد دخول المسيح الى الهيكل عيد ابرشية بيروت للروم الكاثوليك

عيد دخول المسيح الى الهيكل عيد ابرشية بيروت للروم الكاثوليك
رام الله - دنيا الوطن
بمناسبة عيد دخول المسيح الى الهيكل عيد ابرشية بيروت للروم الكاثوليك ترأس المتروبوليت كيرلس سليم بسترس القداس الالهي في مطرانية بيروت للروم الكاثوليك عاونه النائب العام الارشمندريت طوني نصر والنائب القضائي القاضي الاب القاضي اندره فرح والنائب الاسقفي الارشمندريت سليمان سمور بحضور كهنة الابرشية وجمع غفير من ابناء الابرشية وشخصيات سياسية وامنية وقضائية، وبعد الانجيل القى المطران بسترس عظة جاء فيها" :الآن تطلق عبدكَ أيّها السيّد على حسب قولك بسلام، فإنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصكَ".

أيّها الأحبّاء! نقرأ في سفر الخروج: "قال الربّ لموسى: قدِّسْ لي كلَّ بِكْرٍ... إنّه لي" (خروج 1:13). لذلك قضت الشريعة في العهد القديم بأنْ يُقدَّمَ الطفلُ البكرُ إلى الهيكل في اليوم الأربعبن لمولده، ويُقرِّبَ والداه فداءً عنه حملاً عمره سنة إذا كانت العيلة غنيّة، أو زوجي يمام أو فرخي حمام إذا كانت العيلة فقيرة (أحبار 8:12). "قدِّسْ لي كلَّ بِكْرٍ"، قال الربّ لموسى. يسوع هو قدّوس في ألوهيّته، إذ إنّه كلمة الله القدوس. ولكن لكونه إنسانًا خضع للشريعة، وافتُدي، كما يُفتدى الفقراء، بزوجي يمام أو فرخي حمام. ثمّ إنّه بتقدمة ذاته على الصليب، صار هو "حملَ الله" (يوحنا 36:1)، صار الفادي الذي يرفع خطايا العالم. فأُبطِلت الشريعة، وأزيلت تقدمة الحيوانات. وأصبحت قداسة الإنسان تتمّ باتّحاده بالمسيح القدوس، وأصبح الفداء يتحقَّق بتقدمة الإنسان ذاتَه مع المسيح المصلوب القائل: "من أراد أن يتبعني فليُنكِر نفسَه ويحملْ صليبَه ويتبعني". هذه هي المسيحيّة: مسيحٌ يقدّم ذاتَه فداءً عن العالَم، ومسيحيّون يقدّمون ذواتهم، بالاتّحاد مع المسيح الفادي، لخدمة العالم وتقديسه.

أين نحن المسيحيّين من هذا الفداء؟ يقول بولس الرسول: "أحرّضكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِمراحمِ اللهِ، أَنْ تُقَرّبُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً للهِ؛ تلك هي العبادةُ التي يقتضيها العقلُ منكم. وَلا تتشبَّهوا بهذا العالَم، بل تحوَّلوا إلى صورةٍ أخرى بتجديدِ عَقلِكم، ليتهيَّأَ لكم أن تميّزوا ما مشيئةُ الله، وما هو صالح، وما يُرضيه، وما هو كامل" (روم 1:12-2). "لا تتشبَّهوا بهذا العالَم"، يقول لنا بولس الرسول. ويوحنا الإنجيليّ في رسالته الأولى يقول أيضًا: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ ما فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَد، وَشَهْوَةَ الْعين، وصَلَفَ الغنى، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. وَالْعَالَمُ يَزول وَشَهْوَتُهُ أيضًا. أَمَّا من يَعملُ بمَشِيئَةِ اللهِ فإنّه يثْبُتُ إِلَى الأَبَد" (15:2-17).

إذا نظرنا حولنا في العالم اليوم، ماذا نرى؟ شَهْوَةَ الْجَسَد مع كلّ ما تتضمّنه من انحراف في الأخلاق، وَشَهْوَةَ الْعين مع كلّ ما تنطوي عليه من طمع في السلطة، وصلفَ الغنى مع كل ما يجرّه من سرقاتٍ ورشاوى. الوزارات والإدارات العامّة التي وُضِعت لتنمية الوطن ولخدمة مصالح الشعب وتلبية حاجاته، أصبحت عندنا مجالاً لتنمية ثروات بعض المسؤولين، ولخدمة مصالحهم الخاصّة وتلبية حاجاتهم التي لا حدود لها. ربّنا وفادينا يسوع المسيح افتدى العالَم بتقدمة ذاته على الصليب. قال يسوع: "أنا الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسَه عن الخراف. أمّا الأجير فلا يهمّه أمر الخراف... السارق لا يأتي إلاّ ليسرِقَ ويذبحَ ويُهلك. وأمّا أنا فإنّما أتيتُ لتكون للخراف الحياة، وتكون لهم وافرة" (يوحنا 10:10-13). نرجو أن يقتديَ المسؤولون عندنا بهذا المثال، فيتخلَّوا عن مصالحهم الأنانيّة الخاصّة، ويكونوا رعاةً صالحين لجميع أبناء الوطن دون تفرقة أو تمييز، ويتّفقوا بأسرع ما يمكن على تأليف حكومة جديدة، إعدادًا لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في المهلة التي يحدّدها الدستور.

نصلّي لأجل جميع اللبنانيّين لكي يكُفّوا عن التقاتل في ما بينهم، فيعودَ بعضُهم إلى بعض بمحبةٍ واحترامٍ لخصوصيّات كلّ دين وكلّ مذهب، وفي الحفاظ على حقوق كلّ طائفة، ولا ينظروا إلاّ إلى مصلحة لبنان وليس إلى مصالحِ دولٍ خارجيّة، سواء أكانت في الشرق أم في الغرب، في الشمال أم في الجنوب، ويعتمدوا لذلك سياسة النأي بالنفس، التي هي سياسة الاستقلال التي تحرّرهم من الاستعباد للآخرين. كما نصلّي ليعمّ السلام والمصالحة كلّ الدول العربيّة ولا سيّما سورية، حيث فاقت الجرائم كلّ ما يمكن أن يتصوّره العقل البشريّ، ليبقى فيها المسيحيّون يشهدون للإنجيل، إنجيل المحبة والسلام، مع كلّ ذوي الإرادة الصالحة من سائر الأديان والمذاهب. يسوع قدّم ذاته إلى الهيكل ليفتديَ العالم من الخطيئة ويخلّصَه من الفساد، ويجعلَ من كلّ إنسان هيكلاً مقدَّسًا لله. فلنقبلْ منه هذا الفداء ولنشاركه هذا الخلاص. وإذا تمّ لنا ذلك نستطيع أن نقول مع سمعان الشيخ: "الآن تطلق عبدكَ أيّها السيّد على حسب قولك بسلام، فإنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصكَ". وكلّ عيد وأنتم بخير.

وفي ختام القداس منح المطران بسترس وسام الابرشية المذهب للاستاذ جوزيف حارس تقديرا لخدماته في الابرشية.  (تصوير شربل بسطوري)