الأسير المقدسي حسام شاهين يدخل عامه الحادي عشر وراء القضبان
جنين - دنيا الوطن
بشموخ وصمود وتحد، يدخل الأسير المقدسي حسام زهدي شاهين (42 عاما) والذي يعتبر من أبرز قادة حركة "فتح" عامه الحادي عشر خلف القضبان، مصمما على مواصلة المشوار مع أخوانه الأسرى نحو تحقيق الأهداف والثوابت الوطنية، مؤكداً أنه رغم أن الحياة داخل السجن قاسية بفعل مخططات وسياسات الاحتلال لقهر إرادتهم الوطنية والانسانية، فان الاسرى ملتفون حول القيادة والرئيس، ورفض مساومتهم بالثوابت الوطنية أياً كان شكل هذه المساومة، مؤكداً أن الأهداف الكبرى وبعيدة المدى يجب أن تكون وأن تبقى محددة الشكل وواضحة المضمون، محذراً جماهيرنا الفلسطينية من مغبة الإنجرار خلف شعارات ضارة ومسيئة لحجم التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا على مذبح الحرية والاستقلال، مؤكداً أنه لايجوز المقارنة بين أعمارنا الزمنية المحدودة وبين ثوابتنا الوطنية المقترنة بعمر الاجيال المتعاقبة.
حسام الذي يعتبر من مؤسسي وقادة الشبيبة في الوطن، وشغل عدة مناصب قيادة وتنظيمية مهمة في حركة فتح منها عضو سكرتاريا الوطن وسكرتير العلاقات الدولية لمنظمة الشبيبة الفتحاوية ورئيس منظمة الشبيبة في القدس، واعتقل في 28/1/2004، ويقضي حكماً بالسجن لمدة 27 عاما، أكد أن أسرى الداخل هم جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية، مشدداً أن ذروة الانجاز في الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي لم ولن تكتمل بغير الافراج عن الدفعة الرابعة التي تمثل عمداء الحركة الأسيرة و"الضلع الثالث" الذي يكتمل المثلث الفلسطيني بغير وجوده، مؤكداً ثقة الأسرى بأن القيادة الفلسطينية ستتمكن من احباط كافة المحاولات الاسرائيلية للتنصل من استكمال صفقة التبادل والافراج عن أسرى الداخل الفلسطيني.
وأكد الأسير المقدسي حسام، تأثر الأسرى بالمأساه الانسانية التي يتعرض لها أبناء شعبنا الفلسطيني وأشقاؤنا السورين في مخيم اليرموك، مؤكداً أن موت الناس جوعاً جراء الحصار المفروض عليهم سيبقى وصمة عار على جبين كل من تسبب بهذه الكارثة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، موضحاً أن من يختطف السكان الأبرياء رهينة لصالح أجندته السياسية وفئويته الحزبية يجب تعريته ومحاربته..وفيما يلي نص المقابلة التي أجراها مراسل "القدس" في جنين مع الأسير حسام في سجن "جلبوع".
الإفراج عن الأسرى
س: شهد العام المنصرم الإفراج عن ثلاث دفعات من الأسرى القدامى من أصل أربع، صف لنا انعكاس ذلك على الساحة الاعتقالية؟
ج: في البداية، اسمح لي أن أتوجه باسمي واسم كافة اخوتي ورفاقي الأسرى بالتهنئة لكافة الأخوة والأصدقاء المحررين، أولئك الابطال الذين عشنا وإياهم العديد من المراحل النضالية الصعبة وتعلمنا من تجربتهم الكثير. كما وأثمن عالياً الدور الكبير والجهد المتواصل الذي بذلته ولا زالت القيادة الفلسطينية في سبيل تحريرهم وفي مقدمتها الأخ الرئيس أبومازن، مما يؤكد مجدداً بأن الإرادة السياسية الفلسطينية قادرة على تحقيق الأهداف اذا ما كثفت جهودها وركزتها باتجاه أهداف محددة. خاصة وأننا نعلم جميعاً حجم الظلم الذي لحق بهؤلاء الأسرى الذين تجاوزتهم كافة الإفراجات السابقة. ومع أننا استقبلنا بفرح عارم هذا الإنجاز التاريخي الذي انتشل هؤلاء الأبطال وأعادهم إلى بيوتهم، وتمكن من كسر كافة المعايير والتحفظات الاحتلالية المقيتة، إلا أن ذروة الانجاز لم ولن تكتمل بغير الإفراج عن الدفعة الرابعة التي تمثل عمداء الحركة الأسيرة و"الضلع الثالث" الذي يكتمل المثلث الفلسطيني بغير وجوده، فأسرى الداخل هم جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية، وكلنا ثقة بأن القيادة الفلسطينية ستتمكن من احباط كافة المحاولات الاسرائيلية للتنصل من استكمال صفقة التبادل والافراج عن أسرى الداخل الفلسطيني، ونحن واثقون بالتصريحات الأخيرة للرئيس الفلسطيني "أبومازن" التي تعهد فيها بتحرير هؤلاء الأخوة وأنه يمتلك الرد المناسب القادر على إلزام اسرائيل في حال تراجعت أو تلكأت في تنفيذ التزاماتها.
إن رؤية هذه الكوكبة من الأسرى تستنشق عبير الحرية بين الأهل والأحبة فوق ثرى وطننا التاريخي تبعث الأمل في كل الجسم الوطني الفلسطيني، وتعزز من روابط الثقة بين القيادة والجماهير، وفي هذا السياق لابد من التأكيد على ضرورة استمرار العمل الجاد من أجل الإفراج عن كافة الأسرى المرضى وعلى رأسهم اولئك الأخوة القابعون فيما بات يعرف "بمستشفى سجن الرملة"، فكل شيء في السجن من عزل وتعذيب وتنغيص وتنقلات...الخ من وسائل التنكيل الأخرى مقدور عليها ويمكن احتمالها باستثناء المرض، فأن تكون أسير ومريض في ظل الاهمال الطبي المتعمد الذي يعاني منه الأسرى يعني الموت البطيء لهؤلاء الأخوة، ومن هنا اسمح لي أن أتوجه بتحية اجلال واكبار لكافة الأخوة المرضى ومن بينهم (رياض العمور، ناهض الاقرع، خالد الشاويش، منصور موقدة، معتصم رداد، سامر عويسات، أمير أسعد، محمود أبوصالح، كمال أبو وعر، مراد أبو معيليق، صلاح الطيطي، عثمان خليل، معتز عبيدو) والجميع دونما استثناء، فالمعنويات التي يمتلكونها بالرغم من أمراضهم نبع لا ينضب.
نحن قاتلنا من أجل حرية وطننا وشعبنا من نير الاحتلال وغطرسته، ونعلم جيداً بأن مشكلتنا لايمكن أن تنتهي إلا بزوال الاحتلال، فما دام الاحتلال مستمر ستتواصل الثورة وسيستمر الاعتقال، وهذا يعني أن من واجبات القيادة الفلسطينية والتنظيمية مواصلة العمل من أجل تحرير الأسرى بكافة الأشكال والوسائل الممكنة. ومن هنا فإننا نرفض مساومتنا بالثوابت الوطنية أياً كان شكل هذه المساومة، فنحن والشهداء والجرحى ضحينا من أجل هذه الحقوق، ولايمكن عكس الأولويات بأي حال من الأحوال، لأن الأهداف الكبرى وبعيدة المدى يجب أن تكون وأن تبقى محددة الشكل وواضحة المضمون، وبالاستناد إلى هذه الحقيقة أُحذر جماهيرنا الفلسطينية وأهالينا من مغبة الإنجرار خلف شعارات ضارة ومسيئة لحجم التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا على مذبح الحرية والاستقلال، فلا يجوز المقارنة بين أعمارنا الزمنية المحدودة وبين ثوابتنا الوطنية المقترنة بعمر الأجيال المتعاقبة، ومن غير المنطقي أن نستمع لأقوال مثل "القدس حجارة وباقية في مكانها، أما الأسرى فأعمارهم محدودة وتنتهي، لذلك يجب أن تكون الأولوية لحريتهم!! وفي النهاية أعود وأؤكد بأن هذا الإنجاز التاريخي لن يكون جديراً بهذه التسمية ما لم يفرج عن أسرى الداخل الفلسطيني.
الأسرى واليرموك
س: ما هو الشيء الذي يشغل بال الحركة الأسيرة في هذه الأيام؟
ج: أنت تعلم بأننا في الحركة الوطنية الأسيرة جزء أصيل من النسيج الوطني الفلسطيني، وكل ما يدور في الخارج من أحداث ينعكس علينا بشكل مباشر ويؤثر فينا أكثر مما نؤثر فيه، لذلك تجدنا نتابع عن كثب المأساه الإنسانية التي يتعرض لها أبناء شعبنا الفلسطيني واشقائنا السوريين في مخيم اليرموك، فموت الناس جوعاً جراء الحصار المفروض عليهم بقدر ما يؤلمنا سيبقى وصمة عار على جبين كل من تسبب بهذه الكارثة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن يختطف السكان الأبرياء رهينة لصالح أجندته السياسية وفئويته الحزبية يجب تعريته ومحاربته، وقد بات من الواضح بأن الأزمة لن تحل بمجرد إدخال المواد الإغاثية، وعلى الأرجح أنها ستتفاقم ما لم يتم إخراج هذه الجماعات المسلحة من داخل المخيم وتحييده عن دائرة الصراع، واذا لم ينجح الحوار بتحقيق هذه الغاية، يصبح المطلوب من القيادة الفلسطينية وبالتنسيق مع الجهات المعنية اتخاذ القرار الحاسم لوضع حد لهذه المأساه المتواصلة وإعادة المهجرين إلى بيوتهم، وذلك من خلال الإيعاز لوحدات جيش التحرير الفلسطينية المتواجدة على الأراضي السورية بالتحرك لحماية المخيم وسكانه والقضاء على هذه الجماعات الارهابية والمتطرفة التي تحتجز أبناء شعبنا هناك بما يتناقض مع الأخلاق الوطنية والدينية، ومن ثم تولي مسؤولية حماية المخيم على الأساس الذي أعلنته القيادة الفلسطينية والتزمت به، بأننا كفلسطينيين لسنا طرف في النزاع الداخلي السوري وسنحترم كل ما يقرره الشعب السوري في نهاية المطاف، في الوقت الذي ندعوا فيه كافة الجهات المتقاتلة إلى التوصل لحل سياسي يحمي سوريا الحبيبة أرضاً وشعباً وهوية، فالحرب الأهلية لايوجد فيها منتصر وإنما مهزوم واحد وكبير ألا وهو الوطن.
وانطلاقاً من واجبنا الوطني والديني والانساني أعلن اننضمامنا لحملة الاغاثة بالسماح لوزارة شؤون الأسرى باقتطاع جزء من رواتبنا لصالح أهلنا في مخيم اليرموك، هذه الحملة التي انطلقت من سجن رامون والتحق بها سجن جلبوع تحت شعار "انعتاق مخيم اليرموك من الحصار والتجويع جزء لايتجزأ من حريتنا، فهذه هي الإمكانية الوحيدة التي نستطيع المساهمة بها في هذه الظروف المصيرية والصعبة، ويا ليتنا نقدر على القيام بواجبنا بشكل أفضل من هذا الشكل!!!
ترتيبات الساحة الاعتقالية
س: سبق وعلمنا أنه سيتم ترتيب الساحة الاعتقالية على الصعيدين التنظيمي والاعتقالي، أين وصلت هذه الترتيبات؟!
ج: بصراحة لم نتقدم خطوة واحدة بهذا الاتجاه، إلى جانب أن حركتنا ولأسباب غير مفهومة تركتنا نواجه مصيرنا التنظيمي لوحدنا بعيداً عن تحمل مسؤولياتها التنظيمية اتجاهنا، لدرجة أنها لم تلتزم بتنفيذ قرارات المؤتمر العام السادس المتعلقة بأسرى الحركة، ولازالت تماطل بتعيين اعضاء المجلس الثوري داخل السجون، الأمر الذي كان من شأنه أن يخلق نواه تنظيمية قادرة على تقريبنا من وضع تنظيمي صحي وسليم بعيد عن الجهويات التي تخنق روح الابداع، ولتمكنا من توحيد الحركة في إطار قيادة تنظيمية مركزية مثلنا في ذلك مثل بقية التنظيمات والفصائل الأخرى التي سبقتنا في هذا المجال، ومع ذلك لازلنا نأمل بأن ينصفنا المؤتمر العام السابع بشكل أفضل، بحيث يفسح المجال أمام الأسرى الذين تنطبق عليهم شروط عضوية المؤتمر بترشيح أنفسهم للمواقع القيادية، واذا كان لابد من التعيين يمكن إفراز عشرة أخوه بالانتخاب، وتحتفظ اللجنة المركزية بحقها في تعيين العشرة الآخرين. وبغير ذلك أعتقد أننا سنظل ندور في ذات الحلقة المفرغة، لأننا ما لم نتقدم على الصعيد الحركي لن نستطيع أن نتقدم على الصعيد الاعتقالي العام (الوطني)، فمع الأسف لدينا ابداعات كثيرة على المستوى الفردي ولكننا نفتقر للعمل الجماعي، كما أن العلاقات الداخلية مشحونة بالعدائية والتوتر والصدام لأنها لا تعترف إلا بالولاء والتبعية، وهذا مسار تربوي يحتاج تصويبه إلى أن تتحمل القيادة مسؤولياتها من خلال اخضاع كافة المعلومات التي بحوزتها للتحليل العلمي، والتوصل إلى نتائج سليمة تقوم بتطبيقها بما في ذلك محاسبة المتجاوزين، وهذا هو الضمان الحقيقي للنهوض بحركتنا وحمايتها من كل الآفات التي تتهددها.
المصالحة الوطنية
س: كنت دائماً متشائماً بشأن انجاز المصالحة الوطنية، فهل أنت اليوم أكثر تفاؤلاً؟
ج: ان مسألة مصيرية مثل المصالحة غير خاضعة لمشاعر التشاؤم أو التفاؤل، فإن كنت لا أرى امكانية احراز تقدم بهذا الخصوص فهذه الرؤية غير قائمة على المشاعر، ولكنها قراءة واقعية ومنطقية للعقلية التي ارتكبت جريمة الانقلاب الدموي، فمخطئ من يعتقد بأن من سيطر على الحكم بالقوه المسلحة، وقتل في سبيل ذلك سيعود عن جريمته تحت يافطة المصالحة، فحماس تنظيم يدجج نفسه بالسلاح من أخمص قدميه حتى الأسنان لأنها تحتاج لمزيد من القوة حتى تحافظ على أمنها من العداءات التي خلقتها خلال هذه السنوات. كما أن البنية الفكرية التي تقوم عليها حركة حماس والأخوان المسلمون بشكل عام هي فكرة التوازي مع الآخر وليس التكامل معه، والوطن الذي يعني الجغرافيا بالنسبة للتيارات الوطنية، يعني العقيدة بالنسبة لهم، وهذا يمثل تناقضاً جوهرياً في المفاهيم التي تبنى عليها استراتيجيات وسياسات عامة، فمثلاً خلال سنوات الانتفاضة الأولى ومع بداية نشأتها رفضت حركة حماس المشاركة في القيادة الوطنية الموحدة، ونأت بنفسها تجاه تشكيل جسم موازٍ لها. وخلال سنوات الانتفاضة عندما أقرت القيادة الموحدة يوم واحد للإضراب الشامل في الشهر بهدف تخفيف العبء على حياة الناس، رفضت حماس ذلك وأصرت في لجنة التنسيق على فرض يوم آخر تحت ذريعة "لنا يوم، ولكم يوم"، وبالفعل هذا ما حدث. ولا ننسى أنها لازالت ترفض الإندماج في صفوف م.ت.ف وتحاول أن تطرح نفسها بديلاً لها، بل وسعت لذلك أكثر من مرة غير أنها فشلت، وكما هو معروف بأن جماعة الأخوان وعلى لسان مؤسسها "حسن البنا" طالبت منذ تأسيسها بحل كافة التنظيمات الوطنية والقومية باعتبار أن الوطن ليس بحاجة إليها ما دامت جماعة المسلمين قد قامت، أي أنها ترفض التعددية السياسية من حيث المبدأ وان اضطرت إلى التعامل معها بحكم الأمر الواقع في بعض الأحيان، وعندما ثبت للملأ بأن ثورة "25 يناير" التي كان مركزها "ميدان التحرير" لم يكن الفعل المؤثر فيها للأخوان وإنما ركبوا موجتها، سعوا مباشرة بعد ثورة "30 يونيو" التصحيحية إلى خلق شيء موازٍ، فكان "ميدان رابعة"، وعندما قبلوا أن يسقط قرابة 2 مليون نظام مبارك رفضوا أن يسقط نظامهم احتجاج 30 مليون.
بلغة أخرى أقول لك بأن هذه الجماعة بنيتها الفكرية قلبت كل المفاهيم التي تمثل القواسم المشتركة لمجتمع التعددية جزء أصيل من تركيبته ومن طبيعته، ففي حين نؤمن كقوى وطنية وثورية بأن "نحن الشعب" هو السقف الأعلى لنا والتنظيمات السياسية تمثل أعمدة أساسية تحت هذا السقف، تجدهم يعززون بين أفرادهم مقولة "نحن الجماعة" والشعب عليه أن يخضع لقوانينا باعتبارها تمثل الدين وتعبر عنه، وهذه المعادلة تفرض علينا بالقوة التعاطي مع منطق نحن "الجماعة" وهم (بقية الشعب)، وفي هذه الحالة تسود منهجية الاستقطاب والتجاذب والتناحر، الشيء الذي يستبدل اسلوب التداول السلمي للسلطة باسلوب التقاتل الدموي عليها، ومتى أصبح للشعب الواحد سقفين تمثيليين تستحيل المصالحة ويعصب انجازها، ونحن في حركة فتح نعرف جيداً أهمية الوحدة الوطنية وضحينا كثيراً ولازلنا جاهزين للتضحية في سبيل حمايتها، فالشعب الذي يفتقر لوحدته يفقد خاصية الصمود والنصر، وحتى تعود الوحدة الوطنية لا مجرد المصالحة تمثل السقف الأعلى للشعب الفلسطيني يجب على حماس أن تغير وتبدل من جوهرها الفكري والتربوي لا من حيث شكلها الخارجي الفضفاض فقط، وحتى ذلك الحين ستبقى المصالحة الوطنية طموح جميل لدى أصحاب النوايا الحسنة.
المفاوضات والأسرى
س: ماهو تأثير المفاوضات الجارية حالياً على واقع الأسرى؟
ج: بالرغم من أن الأسير يتعلق بأصغر بارقة أمل وهذا ما يفسر قدرة الأسرى الفائقة على الصمود، إلا أننا ننظر لمجريات العملية السياسية بحذر شديد، فمعرفتنا العميقة بطبيعة العدو وبانحاز الوسيط الامريكي لصالحه، يجعلنا متأكدين بأن هذه الجولة من المفاوضات التي تفضي إلى ما لم تفضي اليه سابقاتها، فاتفاق الاطار الذي يسعى اليه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لا يعدو كونه حل وسط مبني على حل وسط أصلاً مبني على حل وسط....الخ. وكل حل وسط أياً كان شكله هو على حساب الشعب الفلسطيني بالمطلق. وهنا يجب على الإعلام الفلسطيني وعلى مؤسسات دولة فلسطين أن تعيد صياغة خطابها الاعلامي مرة أخرى على قاعدة أن مجرد قبولنا بقرارات الشرعية الدولية يعتبر تنازلاً تاريخياً صعباً وقاسياً على شعبنا، وهو أشبه بأن يتنازل المرء عن ساقيه وساعديه لمصلحة اللص الذي اعتدى عليه وسرق بيته وهشم جسمه، والأمر الذي يجب التركيز عليه ليس شرعية الدولة الفلسطينية التي حظيت بالاعتراف الأممي رسمياً وشعبياً، وانما شرعية هذا الكيان المحتل الذي ينتهك كل الأعراف والمواثيق والقوانين الانسانية والدولية. ومن الواضح أن الخطة التي يعتمد عليها "كيري" تهدف إلى التحايل على الزمن بواسطة الجمع بين متناقضين لا يلتقيان، فبالمعنى المادي وليس المعنوي ترمي إلى إطالة عمر السلطة كسلطة مقابل إطالة عمر الاحتلال كاحتلال، وهذا سيجبرنا كفلسطينيين في نهاية المطاف إلى العودة لاعتماد سياسة الخيارات الكفاحية المفتوحة، واعنى بالمفتوحة هنا بأن الصراع صراع وجود لا صراع حدود!!
11 عاما خلف القضبان
س: كيف تصف لنا مشاعرك وأنت تدخل عامك الحادي عشر من خلف القضبان؟
ج: في البداية أشكركم على هذا الاهتمام، حيث أن جريدة القدس هي المنبر الاعلامي المكتوب الوحيد الذي يواكب مسيرتنا النضالية والكفاحية داخل السجون، ويتابع قضايانا الانسانية والاعتقالية بمسؤولية وطنية توثق التجربة الاعتقالية بكل ما فيها من آلام وآمال!!
أما بالنسبة لسؤالك، فأستطيع القول بأن الحياة داخل السجن قاسية وصعبة ومليئة بمئات التفاصيل الصغيرة التي يصعب شرحها، فالسجن مكان مخصص لقهر إرادتنا الوطنية والانسانية على حد سواء، وانطلاقاً من مبادئنا الوطنية السامية القائمة على الاستعداد الدائم للتضحية في سبيل هذا الوطن الغالي، تجد مشاعري مثل مشاعر بقية أخوتي الأسرى، محصنة بالايمان بعدالة قضيتنا والأهداف التي ناضلنا من أجلها، وقادرة على مقاومة اليأس والاحباط، ولديها القابلية على امتصاص الوجع الذي تخلفه سنوات السجن كندوب على جدار أعمارنا، فأنا والحمد لله بطبيعتي مبتسم ومتفائل، وأؤمن دائماً بأن الاقتراب من النصر يحتاج إلى مزيد من التضحيات، وطبيعة هذا الاحتلال الشرسة والوحشية لايهزمها غير الصمود والاستمرار في الكفاح.
س: كلمة أخيرة تود إضافتها؟
ج: أتوجه من خلال منبركم الإعلامي الموقر بأحر التهاني لكافة أخوتنا في الطوائف المسيحية بمناسبة حلول عيد الميلاد المجيد، وإلى كافة أبناء شعبنا بمناسبة السنة الميلادية الجديدة وكلي أمل أن تكون سنة يمن وخير وبركة علينا جميعاً ونقترب خلالها أكثر من تحقيق أحلامنا وطموحاتنا الوطنية والإنسانية، وأيضاً أتوجه بالتهنئة لكافة أبناء وقيادات حركة فتح بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين لإنطلاقة حركتنا الرائدة، فكل التحية لأخوتنا في اللجنة المركزية وعلى رأسهم الأخ القائد أبومازن والأخ القائد مروان البرغوثي، ولكل الأخوة والأخوات في المجلس الثوري وكافة لجان الأقاليم والمناطق في كافة أماكن تواجد الحركة، وللقدس الحبيبة والمكلومة أقدم روحي باقة على أسوار مدينتها، ولك مني كل الشكر على ما تقوم به من عمل جليل في متابعة قضايا الأسرى، وحتى نلتقي أحراراً فوق ثرى القدس المحررة العهد هو العهد والقسم هو القسم.
بشموخ وصمود وتحد، يدخل الأسير المقدسي حسام زهدي شاهين (42 عاما) والذي يعتبر من أبرز قادة حركة "فتح" عامه الحادي عشر خلف القضبان، مصمما على مواصلة المشوار مع أخوانه الأسرى نحو تحقيق الأهداف والثوابت الوطنية، مؤكداً أنه رغم أن الحياة داخل السجن قاسية بفعل مخططات وسياسات الاحتلال لقهر إرادتهم الوطنية والانسانية، فان الاسرى ملتفون حول القيادة والرئيس، ورفض مساومتهم بالثوابت الوطنية أياً كان شكل هذه المساومة، مؤكداً أن الأهداف الكبرى وبعيدة المدى يجب أن تكون وأن تبقى محددة الشكل وواضحة المضمون، محذراً جماهيرنا الفلسطينية من مغبة الإنجرار خلف شعارات ضارة ومسيئة لحجم التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا على مذبح الحرية والاستقلال، مؤكداً أنه لايجوز المقارنة بين أعمارنا الزمنية المحدودة وبين ثوابتنا الوطنية المقترنة بعمر الاجيال المتعاقبة.
حسام الذي يعتبر من مؤسسي وقادة الشبيبة في الوطن، وشغل عدة مناصب قيادة وتنظيمية مهمة في حركة فتح منها عضو سكرتاريا الوطن وسكرتير العلاقات الدولية لمنظمة الشبيبة الفتحاوية ورئيس منظمة الشبيبة في القدس، واعتقل في 28/1/2004، ويقضي حكماً بالسجن لمدة 27 عاما، أكد أن أسرى الداخل هم جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية، مشدداً أن ذروة الانجاز في الاتفاق الفلسطيني الاسرائيلي لم ولن تكتمل بغير الافراج عن الدفعة الرابعة التي تمثل عمداء الحركة الأسيرة و"الضلع الثالث" الذي يكتمل المثلث الفلسطيني بغير وجوده، مؤكداً ثقة الأسرى بأن القيادة الفلسطينية ستتمكن من احباط كافة المحاولات الاسرائيلية للتنصل من استكمال صفقة التبادل والافراج عن أسرى الداخل الفلسطيني.
وأكد الأسير المقدسي حسام، تأثر الأسرى بالمأساه الانسانية التي يتعرض لها أبناء شعبنا الفلسطيني وأشقاؤنا السورين في مخيم اليرموك، مؤكداً أن موت الناس جوعاً جراء الحصار المفروض عليهم سيبقى وصمة عار على جبين كل من تسبب بهذه الكارثة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، موضحاً أن من يختطف السكان الأبرياء رهينة لصالح أجندته السياسية وفئويته الحزبية يجب تعريته ومحاربته..وفيما يلي نص المقابلة التي أجراها مراسل "القدس" في جنين مع الأسير حسام في سجن "جلبوع".
الإفراج عن الأسرى
س: شهد العام المنصرم الإفراج عن ثلاث دفعات من الأسرى القدامى من أصل أربع، صف لنا انعكاس ذلك على الساحة الاعتقالية؟
ج: في البداية، اسمح لي أن أتوجه باسمي واسم كافة اخوتي ورفاقي الأسرى بالتهنئة لكافة الأخوة والأصدقاء المحررين، أولئك الابطال الذين عشنا وإياهم العديد من المراحل النضالية الصعبة وتعلمنا من تجربتهم الكثير. كما وأثمن عالياً الدور الكبير والجهد المتواصل الذي بذلته ولا زالت القيادة الفلسطينية في سبيل تحريرهم وفي مقدمتها الأخ الرئيس أبومازن، مما يؤكد مجدداً بأن الإرادة السياسية الفلسطينية قادرة على تحقيق الأهداف اذا ما كثفت جهودها وركزتها باتجاه أهداف محددة. خاصة وأننا نعلم جميعاً حجم الظلم الذي لحق بهؤلاء الأسرى الذين تجاوزتهم كافة الإفراجات السابقة. ومع أننا استقبلنا بفرح عارم هذا الإنجاز التاريخي الذي انتشل هؤلاء الأبطال وأعادهم إلى بيوتهم، وتمكن من كسر كافة المعايير والتحفظات الاحتلالية المقيتة، إلا أن ذروة الانجاز لم ولن تكتمل بغير الإفراج عن الدفعة الرابعة التي تمثل عمداء الحركة الأسيرة و"الضلع الثالث" الذي يكتمل المثلث الفلسطيني بغير وجوده، فأسرى الداخل هم جوهر الهوية الوطنية الفلسطينية، وكلنا ثقة بأن القيادة الفلسطينية ستتمكن من احباط كافة المحاولات الاسرائيلية للتنصل من استكمال صفقة التبادل والافراج عن أسرى الداخل الفلسطيني، ونحن واثقون بالتصريحات الأخيرة للرئيس الفلسطيني "أبومازن" التي تعهد فيها بتحرير هؤلاء الأخوة وأنه يمتلك الرد المناسب القادر على إلزام اسرائيل في حال تراجعت أو تلكأت في تنفيذ التزاماتها.
إن رؤية هذه الكوكبة من الأسرى تستنشق عبير الحرية بين الأهل والأحبة فوق ثرى وطننا التاريخي تبعث الأمل في كل الجسم الوطني الفلسطيني، وتعزز من روابط الثقة بين القيادة والجماهير، وفي هذا السياق لابد من التأكيد على ضرورة استمرار العمل الجاد من أجل الإفراج عن كافة الأسرى المرضى وعلى رأسهم اولئك الأخوة القابعون فيما بات يعرف "بمستشفى سجن الرملة"، فكل شيء في السجن من عزل وتعذيب وتنغيص وتنقلات...الخ من وسائل التنكيل الأخرى مقدور عليها ويمكن احتمالها باستثناء المرض، فأن تكون أسير ومريض في ظل الاهمال الطبي المتعمد الذي يعاني منه الأسرى يعني الموت البطيء لهؤلاء الأخوة، ومن هنا اسمح لي أن أتوجه بتحية اجلال واكبار لكافة الأخوة المرضى ومن بينهم (رياض العمور، ناهض الاقرع، خالد الشاويش، منصور موقدة، معتصم رداد، سامر عويسات، أمير أسعد، محمود أبوصالح، كمال أبو وعر، مراد أبو معيليق، صلاح الطيطي، عثمان خليل، معتز عبيدو) والجميع دونما استثناء، فالمعنويات التي يمتلكونها بالرغم من أمراضهم نبع لا ينضب.
نحن قاتلنا من أجل حرية وطننا وشعبنا من نير الاحتلال وغطرسته، ونعلم جيداً بأن مشكلتنا لايمكن أن تنتهي إلا بزوال الاحتلال، فما دام الاحتلال مستمر ستتواصل الثورة وسيستمر الاعتقال، وهذا يعني أن من واجبات القيادة الفلسطينية والتنظيمية مواصلة العمل من أجل تحرير الأسرى بكافة الأشكال والوسائل الممكنة. ومن هنا فإننا نرفض مساومتنا بالثوابت الوطنية أياً كان شكل هذه المساومة، فنحن والشهداء والجرحى ضحينا من أجل هذه الحقوق، ولايمكن عكس الأولويات بأي حال من الأحوال، لأن الأهداف الكبرى وبعيدة المدى يجب أن تكون وأن تبقى محددة الشكل وواضحة المضمون، وبالاستناد إلى هذه الحقيقة أُحذر جماهيرنا الفلسطينية وأهالينا من مغبة الإنجرار خلف شعارات ضارة ومسيئة لحجم التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا على مذبح الحرية والاستقلال، فلا يجوز المقارنة بين أعمارنا الزمنية المحدودة وبين ثوابتنا الوطنية المقترنة بعمر الأجيال المتعاقبة، ومن غير المنطقي أن نستمع لأقوال مثل "القدس حجارة وباقية في مكانها، أما الأسرى فأعمارهم محدودة وتنتهي، لذلك يجب أن تكون الأولوية لحريتهم!! وفي النهاية أعود وأؤكد بأن هذا الإنجاز التاريخي لن يكون جديراً بهذه التسمية ما لم يفرج عن أسرى الداخل الفلسطيني.
الأسرى واليرموك
س: ما هو الشيء الذي يشغل بال الحركة الأسيرة في هذه الأيام؟
ج: أنت تعلم بأننا في الحركة الوطنية الأسيرة جزء أصيل من النسيج الوطني الفلسطيني، وكل ما يدور في الخارج من أحداث ينعكس علينا بشكل مباشر ويؤثر فينا أكثر مما نؤثر فيه، لذلك تجدنا نتابع عن كثب المأساه الإنسانية التي يتعرض لها أبناء شعبنا الفلسطيني واشقائنا السوريين في مخيم اليرموك، فموت الناس جوعاً جراء الحصار المفروض عليهم بقدر ما يؤلمنا سيبقى وصمة عار على جبين كل من تسبب بهذه الكارثة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن يختطف السكان الأبرياء رهينة لصالح أجندته السياسية وفئويته الحزبية يجب تعريته ومحاربته، وقد بات من الواضح بأن الأزمة لن تحل بمجرد إدخال المواد الإغاثية، وعلى الأرجح أنها ستتفاقم ما لم يتم إخراج هذه الجماعات المسلحة من داخل المخيم وتحييده عن دائرة الصراع، واذا لم ينجح الحوار بتحقيق هذه الغاية، يصبح المطلوب من القيادة الفلسطينية وبالتنسيق مع الجهات المعنية اتخاذ القرار الحاسم لوضع حد لهذه المأساه المتواصلة وإعادة المهجرين إلى بيوتهم، وذلك من خلال الإيعاز لوحدات جيش التحرير الفلسطينية المتواجدة على الأراضي السورية بالتحرك لحماية المخيم وسكانه والقضاء على هذه الجماعات الارهابية والمتطرفة التي تحتجز أبناء شعبنا هناك بما يتناقض مع الأخلاق الوطنية والدينية، ومن ثم تولي مسؤولية حماية المخيم على الأساس الذي أعلنته القيادة الفلسطينية والتزمت به، بأننا كفلسطينيين لسنا طرف في النزاع الداخلي السوري وسنحترم كل ما يقرره الشعب السوري في نهاية المطاف، في الوقت الذي ندعوا فيه كافة الجهات المتقاتلة إلى التوصل لحل سياسي يحمي سوريا الحبيبة أرضاً وشعباً وهوية، فالحرب الأهلية لايوجد فيها منتصر وإنما مهزوم واحد وكبير ألا وهو الوطن.
وانطلاقاً من واجبنا الوطني والديني والانساني أعلن اننضمامنا لحملة الاغاثة بالسماح لوزارة شؤون الأسرى باقتطاع جزء من رواتبنا لصالح أهلنا في مخيم اليرموك، هذه الحملة التي انطلقت من سجن رامون والتحق بها سجن جلبوع تحت شعار "انعتاق مخيم اليرموك من الحصار والتجويع جزء لايتجزأ من حريتنا، فهذه هي الإمكانية الوحيدة التي نستطيع المساهمة بها في هذه الظروف المصيرية والصعبة، ويا ليتنا نقدر على القيام بواجبنا بشكل أفضل من هذا الشكل!!!
ترتيبات الساحة الاعتقالية
س: سبق وعلمنا أنه سيتم ترتيب الساحة الاعتقالية على الصعيدين التنظيمي والاعتقالي، أين وصلت هذه الترتيبات؟!
ج: بصراحة لم نتقدم خطوة واحدة بهذا الاتجاه، إلى جانب أن حركتنا ولأسباب غير مفهومة تركتنا نواجه مصيرنا التنظيمي لوحدنا بعيداً عن تحمل مسؤولياتها التنظيمية اتجاهنا، لدرجة أنها لم تلتزم بتنفيذ قرارات المؤتمر العام السادس المتعلقة بأسرى الحركة، ولازالت تماطل بتعيين اعضاء المجلس الثوري داخل السجون، الأمر الذي كان من شأنه أن يخلق نواه تنظيمية قادرة على تقريبنا من وضع تنظيمي صحي وسليم بعيد عن الجهويات التي تخنق روح الابداع، ولتمكنا من توحيد الحركة في إطار قيادة تنظيمية مركزية مثلنا في ذلك مثل بقية التنظيمات والفصائل الأخرى التي سبقتنا في هذا المجال، ومع ذلك لازلنا نأمل بأن ينصفنا المؤتمر العام السابع بشكل أفضل، بحيث يفسح المجال أمام الأسرى الذين تنطبق عليهم شروط عضوية المؤتمر بترشيح أنفسهم للمواقع القيادية، واذا كان لابد من التعيين يمكن إفراز عشرة أخوه بالانتخاب، وتحتفظ اللجنة المركزية بحقها في تعيين العشرة الآخرين. وبغير ذلك أعتقد أننا سنظل ندور في ذات الحلقة المفرغة، لأننا ما لم نتقدم على الصعيد الحركي لن نستطيع أن نتقدم على الصعيد الاعتقالي العام (الوطني)، فمع الأسف لدينا ابداعات كثيرة على المستوى الفردي ولكننا نفتقر للعمل الجماعي، كما أن العلاقات الداخلية مشحونة بالعدائية والتوتر والصدام لأنها لا تعترف إلا بالولاء والتبعية، وهذا مسار تربوي يحتاج تصويبه إلى أن تتحمل القيادة مسؤولياتها من خلال اخضاع كافة المعلومات التي بحوزتها للتحليل العلمي، والتوصل إلى نتائج سليمة تقوم بتطبيقها بما في ذلك محاسبة المتجاوزين، وهذا هو الضمان الحقيقي للنهوض بحركتنا وحمايتها من كل الآفات التي تتهددها.
المصالحة الوطنية
س: كنت دائماً متشائماً بشأن انجاز المصالحة الوطنية، فهل أنت اليوم أكثر تفاؤلاً؟
ج: ان مسألة مصيرية مثل المصالحة غير خاضعة لمشاعر التشاؤم أو التفاؤل، فإن كنت لا أرى امكانية احراز تقدم بهذا الخصوص فهذه الرؤية غير قائمة على المشاعر، ولكنها قراءة واقعية ومنطقية للعقلية التي ارتكبت جريمة الانقلاب الدموي، فمخطئ من يعتقد بأن من سيطر على الحكم بالقوه المسلحة، وقتل في سبيل ذلك سيعود عن جريمته تحت يافطة المصالحة، فحماس تنظيم يدجج نفسه بالسلاح من أخمص قدميه حتى الأسنان لأنها تحتاج لمزيد من القوة حتى تحافظ على أمنها من العداءات التي خلقتها خلال هذه السنوات. كما أن البنية الفكرية التي تقوم عليها حركة حماس والأخوان المسلمون بشكل عام هي فكرة التوازي مع الآخر وليس التكامل معه، والوطن الذي يعني الجغرافيا بالنسبة للتيارات الوطنية، يعني العقيدة بالنسبة لهم، وهذا يمثل تناقضاً جوهرياً في المفاهيم التي تبنى عليها استراتيجيات وسياسات عامة، فمثلاً خلال سنوات الانتفاضة الأولى ومع بداية نشأتها رفضت حركة حماس المشاركة في القيادة الوطنية الموحدة، ونأت بنفسها تجاه تشكيل جسم موازٍ لها. وخلال سنوات الانتفاضة عندما أقرت القيادة الموحدة يوم واحد للإضراب الشامل في الشهر بهدف تخفيف العبء على حياة الناس، رفضت حماس ذلك وأصرت في لجنة التنسيق على فرض يوم آخر تحت ذريعة "لنا يوم، ولكم يوم"، وبالفعل هذا ما حدث. ولا ننسى أنها لازالت ترفض الإندماج في صفوف م.ت.ف وتحاول أن تطرح نفسها بديلاً لها، بل وسعت لذلك أكثر من مرة غير أنها فشلت، وكما هو معروف بأن جماعة الأخوان وعلى لسان مؤسسها "حسن البنا" طالبت منذ تأسيسها بحل كافة التنظيمات الوطنية والقومية باعتبار أن الوطن ليس بحاجة إليها ما دامت جماعة المسلمين قد قامت، أي أنها ترفض التعددية السياسية من حيث المبدأ وان اضطرت إلى التعامل معها بحكم الأمر الواقع في بعض الأحيان، وعندما ثبت للملأ بأن ثورة "25 يناير" التي كان مركزها "ميدان التحرير" لم يكن الفعل المؤثر فيها للأخوان وإنما ركبوا موجتها، سعوا مباشرة بعد ثورة "30 يونيو" التصحيحية إلى خلق شيء موازٍ، فكان "ميدان رابعة"، وعندما قبلوا أن يسقط قرابة 2 مليون نظام مبارك رفضوا أن يسقط نظامهم احتجاج 30 مليون.
بلغة أخرى أقول لك بأن هذه الجماعة بنيتها الفكرية قلبت كل المفاهيم التي تمثل القواسم المشتركة لمجتمع التعددية جزء أصيل من تركيبته ومن طبيعته، ففي حين نؤمن كقوى وطنية وثورية بأن "نحن الشعب" هو السقف الأعلى لنا والتنظيمات السياسية تمثل أعمدة أساسية تحت هذا السقف، تجدهم يعززون بين أفرادهم مقولة "نحن الجماعة" والشعب عليه أن يخضع لقوانينا باعتبارها تمثل الدين وتعبر عنه، وهذه المعادلة تفرض علينا بالقوة التعاطي مع منطق نحن "الجماعة" وهم (بقية الشعب)، وفي هذه الحالة تسود منهجية الاستقطاب والتجاذب والتناحر، الشيء الذي يستبدل اسلوب التداول السلمي للسلطة باسلوب التقاتل الدموي عليها، ومتى أصبح للشعب الواحد سقفين تمثيليين تستحيل المصالحة ويعصب انجازها، ونحن في حركة فتح نعرف جيداً أهمية الوحدة الوطنية وضحينا كثيراً ولازلنا جاهزين للتضحية في سبيل حمايتها، فالشعب الذي يفتقر لوحدته يفقد خاصية الصمود والنصر، وحتى تعود الوحدة الوطنية لا مجرد المصالحة تمثل السقف الأعلى للشعب الفلسطيني يجب على حماس أن تغير وتبدل من جوهرها الفكري والتربوي لا من حيث شكلها الخارجي الفضفاض فقط، وحتى ذلك الحين ستبقى المصالحة الوطنية طموح جميل لدى أصحاب النوايا الحسنة.
المفاوضات والأسرى
س: ماهو تأثير المفاوضات الجارية حالياً على واقع الأسرى؟
ج: بالرغم من أن الأسير يتعلق بأصغر بارقة أمل وهذا ما يفسر قدرة الأسرى الفائقة على الصمود، إلا أننا ننظر لمجريات العملية السياسية بحذر شديد، فمعرفتنا العميقة بطبيعة العدو وبانحاز الوسيط الامريكي لصالحه، يجعلنا متأكدين بأن هذه الجولة من المفاوضات التي تفضي إلى ما لم تفضي اليه سابقاتها، فاتفاق الاطار الذي يسعى اليه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لا يعدو كونه حل وسط مبني على حل وسط أصلاً مبني على حل وسط....الخ. وكل حل وسط أياً كان شكله هو على حساب الشعب الفلسطيني بالمطلق. وهنا يجب على الإعلام الفلسطيني وعلى مؤسسات دولة فلسطين أن تعيد صياغة خطابها الاعلامي مرة أخرى على قاعدة أن مجرد قبولنا بقرارات الشرعية الدولية يعتبر تنازلاً تاريخياً صعباً وقاسياً على شعبنا، وهو أشبه بأن يتنازل المرء عن ساقيه وساعديه لمصلحة اللص الذي اعتدى عليه وسرق بيته وهشم جسمه، والأمر الذي يجب التركيز عليه ليس شرعية الدولة الفلسطينية التي حظيت بالاعتراف الأممي رسمياً وشعبياً، وانما شرعية هذا الكيان المحتل الذي ينتهك كل الأعراف والمواثيق والقوانين الانسانية والدولية. ومن الواضح أن الخطة التي يعتمد عليها "كيري" تهدف إلى التحايل على الزمن بواسطة الجمع بين متناقضين لا يلتقيان، فبالمعنى المادي وليس المعنوي ترمي إلى إطالة عمر السلطة كسلطة مقابل إطالة عمر الاحتلال كاحتلال، وهذا سيجبرنا كفلسطينيين في نهاية المطاف إلى العودة لاعتماد سياسة الخيارات الكفاحية المفتوحة، واعنى بالمفتوحة هنا بأن الصراع صراع وجود لا صراع حدود!!
11 عاما خلف القضبان
س: كيف تصف لنا مشاعرك وأنت تدخل عامك الحادي عشر من خلف القضبان؟
ج: في البداية أشكركم على هذا الاهتمام، حيث أن جريدة القدس هي المنبر الاعلامي المكتوب الوحيد الذي يواكب مسيرتنا النضالية والكفاحية داخل السجون، ويتابع قضايانا الانسانية والاعتقالية بمسؤولية وطنية توثق التجربة الاعتقالية بكل ما فيها من آلام وآمال!!
أما بالنسبة لسؤالك، فأستطيع القول بأن الحياة داخل السجن قاسية وصعبة ومليئة بمئات التفاصيل الصغيرة التي يصعب شرحها، فالسجن مكان مخصص لقهر إرادتنا الوطنية والانسانية على حد سواء، وانطلاقاً من مبادئنا الوطنية السامية القائمة على الاستعداد الدائم للتضحية في سبيل هذا الوطن الغالي، تجد مشاعري مثل مشاعر بقية أخوتي الأسرى، محصنة بالايمان بعدالة قضيتنا والأهداف التي ناضلنا من أجلها، وقادرة على مقاومة اليأس والاحباط، ولديها القابلية على امتصاص الوجع الذي تخلفه سنوات السجن كندوب على جدار أعمارنا، فأنا والحمد لله بطبيعتي مبتسم ومتفائل، وأؤمن دائماً بأن الاقتراب من النصر يحتاج إلى مزيد من التضحيات، وطبيعة هذا الاحتلال الشرسة والوحشية لايهزمها غير الصمود والاستمرار في الكفاح.
س: كلمة أخيرة تود إضافتها؟
ج: أتوجه من خلال منبركم الإعلامي الموقر بأحر التهاني لكافة أخوتنا في الطوائف المسيحية بمناسبة حلول عيد الميلاد المجيد، وإلى كافة أبناء شعبنا بمناسبة السنة الميلادية الجديدة وكلي أمل أن تكون سنة يمن وخير وبركة علينا جميعاً ونقترب خلالها أكثر من تحقيق أحلامنا وطموحاتنا الوطنية والإنسانية، وأيضاً أتوجه بالتهنئة لكافة أبناء وقيادات حركة فتح بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين لإنطلاقة حركتنا الرائدة، فكل التحية لأخوتنا في اللجنة المركزية وعلى رأسهم الأخ القائد أبومازن والأخ القائد مروان البرغوثي، ولكل الأخوة والأخوات في المجلس الثوري وكافة لجان الأقاليم والمناطق في كافة أماكن تواجد الحركة، وللقدس الحبيبة والمكلومة أقدم روحي باقة على أسوار مدينتها، ولك مني كل الشكر على ما تقوم به من عمل جليل في متابعة قضايا الأسرى، وحتى نلتقي أحراراً فوق ثرى القدس المحررة العهد هو العهد والقسم هو القسم.
