من سلطان الأطرش إلى فيصل القاسم
أحمد عمر
بلغ عدد اصدقاء نجم فضائية الجزيرة فيصل القاسم حوالي مليونين وخمسة وخميسة بعين الحسود. ليس لفيصل قاسم جيش "افتراضي" مثل بطلة "الانشاء الواضح" أحلام مستغانمي، فنسبة مهمة من أصدقاء الصفحة جواسيس ومتلصصون ومدبرو تفجيرات وراجمو تهديدات.
ينقل الكاتب السوري والناشط اللامع ماهر شرف الدين عن شريف شحادة دعابة قالها بعد انتهاء الحلقة الأخيرة حول الأقليات، وهي أنّ النظام السوري معه حق في اتهام فيصل القاسم بتخصيب اليورانيوم في "مزرعته المصادرة". التهمة قصوى، وكاريكاتورية طبعاً، لكن لم تكن مزحة، فقد صادر النظام البيت و معها زكائب اليورانيوم المحلى بالسكر، وهذا يعني أنّ سوريا فيها كفاءات اعلامية وعلمية وذرية مثل القاسم! ويأمل أمثالي أن تنتبه الأمم المتحدة إليها وتطالب بتسليمها مع الكيماوي "اللعين"، لأنها أسلحة ضارة بالبيئة وبصحة الأطفال، ثم أنّ الإسلام يحرم اليورانيوم المنضب على المسلمين، حسب فتوى إيرانية. البراميل حلال طبعاً! تهدد إحدى المنحبكجيات فيصل القاسم الذي حوّل الاتجاه المعاكس إلى برنامج سوري: "إرهاب فيصل القاسم لا يقل خطراً عن إرهاب العصابات التي دمرت سوريا.. أنا من هذا الشعب الذي تمارس عليه إرهابك وإجرامك يا تاجر الأوطان وسأطالب بمحاكمتك حتى آخر يوم في عمري".
ملاحظة أولى: تميل معظم الأقليات إلى تقديس كبرائها، نرى مثاله في قول ماهر شرف الدين: إنّ سلطان باشا الأطرش أهم شخصية عربية في القرن العشرين! الأكراد يعتقدون أنّ جكر خوين شاعر كبير، وعملاق، أما الزعماء الكرد فهم أكثر قداسة من البابا والدلاي لاما.. أظنّ أن السوريين يجهلون بعضهم البعض، فمسلسل ضيعة ضايعة التي حكى أبطاله بلهجة غريبة وبعيدة وظريفة، كان تغريباً لطيفاً، وفانتازيا كوميدية. ونزوحاً "فالسوريون يحبون الهجرة والسفر". الملاحظة الثانية أن موضوع الاقليات لم يجر اشباعه. صمت من ينتظر حلقات عن الاقليات الاخرى.
تتكبر النخبة المثقفة على متابعة برنامجه الاتجاه المعاكس الذي لا يماري أحد في أنه أوقد النار في جليد الدكتاتورية العربي، أظنّ أن برنامجه شاخ بعد الثورات العربية، لكنه من أطول البرامج عمراً حتى الآن، نذكر بأن برنامج "الشريعة والحياة" قضى نحبه. أضعفت فورة الديمقراطية والثورات الاتجاه المعاكس عندما تحولت فضائيات عربية إلى برامج حوارات سياسية ساخنة وصريحة على مدار الساعة أزرت بالمسلسلات والدراما، ولم تعد حكايات مهند أو علم دار أو سيف الله المفلول ابن الوهاج تغري بالمتابع ما دامت معركة اليرموك الثانية والقادسية الثالثة تجري على الهواء مباشرة. لكن من الصعب على فيصل قاسم أن يستقدم رئيساً عربياً إلى برنامجه حتى يبث فيه روحا جديدة، فقد توفي القذافي الذي كان يهوى فن الاستعراض وكان ضيفا على احدى الخلقات لكن من غير خصيم. ربما يخفق الذكاء في إنقاذ برنامج يشيخ، فما رفع الله شيئاً إلا وضعه!
نكسة الثورات في مصر وسوريا قد تضخ الضوء الى برنامجه، فقد انتهى الرأي الآخر في مصر إلى ما يشبه الإعلام البعثي. البرنامج في سنواته الأولى أغرى مثقفين كباراً وفلاسفة وشيوخاً في قبول المبارزة بسيوف الكلام والحِجاج وأغرت العامة بالتعرف على كتاب مجهولين. تشكو النخبة من علو نبرة الصراخ على نبرة المعرفة، أحيانا يحب الناس "الفرجة" و"الشو" ومشاهد العراك، فإظهار الحقيقة لا يكفي ما دام صوتاً في واد تلفزيوني، قد يلزمه رشة ماء غاضبة، أو لكمة بوكس! ربما نعذر المتبارزين الغاضبين اللذين يتشاخصان في تمثيل فريقيهما السياسيين، لنتذكر الحديث الشريف: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يمسك نفسه عند الغضب.
لا يكتفي القاسم ببرنامجه "النووي" المخصب! فهو يكتب مقالاً أسبوعياً في القدس العربي بروحية مقدمة برنامجه القائمة على الأسئلة التي تتضمن أجوبة وراء السطور، اختير واحداً من أهم مائة شخصية مؤثرة في العالم في 2007 ونال جائزة التميز في 2012.
أعتقد أنه متواضع. تأخر تواضعه في صفحته فبات يرفق اسم صاحب التعليق والبوست بعد أن كان يكتفي بوصف "منقول" عن آراء مذهلة. صفحته تكاد أن تكون مجلة آراء، فالمشرف عليها يختار الآراء الساطعة واللمح والنوادر والطائف ويبرقها للأصدقاء، لابد أنّ فيصل قاسم يحمل المظلة ليل نهار من زخّات مطر الإعجاب, لو كان الأسد يحكم العالم لقذف برميلا على صفحته، وأظن أن استعداء القاسم لم يكن أقل غباء من إلقاء البراميل على المدن الشامية.
زار القاسم وزارة الإعلام السوري، وشبّكه وزير الإعلام من ذراعه كما فعل مع الزيدي صاحب أشهر حذاء عربي بعد الطنبوري. احتفت به الوزارة وسمحت له بمحاضرة لا تسمح بها لغيره، فالنظام الاناكوندا كان قادراً على امتصاص النجوم وابتلاعهم. المحاضرة لم يحضر فيها أكثر من ألف شخص، وإن سخر فيها القاسم من الإعلام السوري إشارة ورمزاً، فالوداع سيكون حميمياً والصورة التذكارية مع الوزير ستسبغ الرضا على النظام بل و قد تمنح الغفران. كان فيصل صعباً على الهضم في معدة النظام، فهو حفيد جبل العرب والأطرش. لو تجاهل الثورة السورية، أو خانها لانتهى برنامجه وخسر نفسه أيضاً! تصوروا معي القاسم مكان لونا الشبل!
لو كان النظام محقاً في الإصلاح لنصّب فيصل قاسم وزيراً للإعلام، أو مديراً لتلفزيون، أو مديراً لبرنامج اتجاه معاكس على الفضائية السورية المعقمة إلا من المقاومين والممانعين. فيصل القاسم ليس منتقماً انما هو ثائر، فالموضوع السوري أهم موضوع عربي ودولي حتى الآن وهو يتحدى النظام في ابتعاث أفضل فرسانه المجدالين المناوئين المثاومين الممانعين. وهذا عين العدل.
بعد الحلقة، التي لم يكن فيها ماهر شرف الدين محتاجا لمؤزارة، رفع النظام العلم السوري فوق منزل سليل جبل العرب.. يبدو أنّ الطريق إلى الأقصى يمر بمنزل فيصل قاسم!
بلغ عدد اصدقاء نجم فضائية الجزيرة فيصل القاسم حوالي مليونين وخمسة وخميسة بعين الحسود. ليس لفيصل قاسم جيش "افتراضي" مثل بطلة "الانشاء الواضح" أحلام مستغانمي، فنسبة مهمة من أصدقاء الصفحة جواسيس ومتلصصون ومدبرو تفجيرات وراجمو تهديدات.
ينقل الكاتب السوري والناشط اللامع ماهر شرف الدين عن شريف شحادة دعابة قالها بعد انتهاء الحلقة الأخيرة حول الأقليات، وهي أنّ النظام السوري معه حق في اتهام فيصل القاسم بتخصيب اليورانيوم في "مزرعته المصادرة". التهمة قصوى، وكاريكاتورية طبعاً، لكن لم تكن مزحة، فقد صادر النظام البيت و معها زكائب اليورانيوم المحلى بالسكر، وهذا يعني أنّ سوريا فيها كفاءات اعلامية وعلمية وذرية مثل القاسم! ويأمل أمثالي أن تنتبه الأمم المتحدة إليها وتطالب بتسليمها مع الكيماوي "اللعين"، لأنها أسلحة ضارة بالبيئة وبصحة الأطفال، ثم أنّ الإسلام يحرم اليورانيوم المنضب على المسلمين، حسب فتوى إيرانية. البراميل حلال طبعاً! تهدد إحدى المنحبكجيات فيصل القاسم الذي حوّل الاتجاه المعاكس إلى برنامج سوري: "إرهاب فيصل القاسم لا يقل خطراً عن إرهاب العصابات التي دمرت سوريا.. أنا من هذا الشعب الذي تمارس عليه إرهابك وإجرامك يا تاجر الأوطان وسأطالب بمحاكمتك حتى آخر يوم في عمري".
ملاحظة أولى: تميل معظم الأقليات إلى تقديس كبرائها، نرى مثاله في قول ماهر شرف الدين: إنّ سلطان باشا الأطرش أهم شخصية عربية في القرن العشرين! الأكراد يعتقدون أنّ جكر خوين شاعر كبير، وعملاق، أما الزعماء الكرد فهم أكثر قداسة من البابا والدلاي لاما.. أظنّ أن السوريين يجهلون بعضهم البعض، فمسلسل ضيعة ضايعة التي حكى أبطاله بلهجة غريبة وبعيدة وظريفة، كان تغريباً لطيفاً، وفانتازيا كوميدية. ونزوحاً "فالسوريون يحبون الهجرة والسفر". الملاحظة الثانية أن موضوع الاقليات لم يجر اشباعه. صمت من ينتظر حلقات عن الاقليات الاخرى.
تتكبر النخبة المثقفة على متابعة برنامجه الاتجاه المعاكس الذي لا يماري أحد في أنه أوقد النار في جليد الدكتاتورية العربي، أظنّ أن برنامجه شاخ بعد الثورات العربية، لكنه من أطول البرامج عمراً حتى الآن، نذكر بأن برنامج "الشريعة والحياة" قضى نحبه. أضعفت فورة الديمقراطية والثورات الاتجاه المعاكس عندما تحولت فضائيات عربية إلى برامج حوارات سياسية ساخنة وصريحة على مدار الساعة أزرت بالمسلسلات والدراما، ولم تعد حكايات مهند أو علم دار أو سيف الله المفلول ابن الوهاج تغري بالمتابع ما دامت معركة اليرموك الثانية والقادسية الثالثة تجري على الهواء مباشرة. لكن من الصعب على فيصل قاسم أن يستقدم رئيساً عربياً إلى برنامجه حتى يبث فيه روحا جديدة، فقد توفي القذافي الذي كان يهوى فن الاستعراض وكان ضيفا على احدى الخلقات لكن من غير خصيم. ربما يخفق الذكاء في إنقاذ برنامج يشيخ، فما رفع الله شيئاً إلا وضعه!
نكسة الثورات في مصر وسوريا قد تضخ الضوء الى برنامجه، فقد انتهى الرأي الآخر في مصر إلى ما يشبه الإعلام البعثي. البرنامج في سنواته الأولى أغرى مثقفين كباراً وفلاسفة وشيوخاً في قبول المبارزة بسيوف الكلام والحِجاج وأغرت العامة بالتعرف على كتاب مجهولين. تشكو النخبة من علو نبرة الصراخ على نبرة المعرفة، أحيانا يحب الناس "الفرجة" و"الشو" ومشاهد العراك، فإظهار الحقيقة لا يكفي ما دام صوتاً في واد تلفزيوني، قد يلزمه رشة ماء غاضبة، أو لكمة بوكس! ربما نعذر المتبارزين الغاضبين اللذين يتشاخصان في تمثيل فريقيهما السياسيين، لنتذكر الحديث الشريف: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يمسك نفسه عند الغضب.
لا يكتفي القاسم ببرنامجه "النووي" المخصب! فهو يكتب مقالاً أسبوعياً في القدس العربي بروحية مقدمة برنامجه القائمة على الأسئلة التي تتضمن أجوبة وراء السطور، اختير واحداً من أهم مائة شخصية مؤثرة في العالم في 2007 ونال جائزة التميز في 2012.
أعتقد أنه متواضع. تأخر تواضعه في صفحته فبات يرفق اسم صاحب التعليق والبوست بعد أن كان يكتفي بوصف "منقول" عن آراء مذهلة. صفحته تكاد أن تكون مجلة آراء، فالمشرف عليها يختار الآراء الساطعة واللمح والنوادر والطائف ويبرقها للأصدقاء، لابد أنّ فيصل قاسم يحمل المظلة ليل نهار من زخّات مطر الإعجاب, لو كان الأسد يحكم العالم لقذف برميلا على صفحته، وأظن أن استعداء القاسم لم يكن أقل غباء من إلقاء البراميل على المدن الشامية.
زار القاسم وزارة الإعلام السوري، وشبّكه وزير الإعلام من ذراعه كما فعل مع الزيدي صاحب أشهر حذاء عربي بعد الطنبوري. احتفت به الوزارة وسمحت له بمحاضرة لا تسمح بها لغيره، فالنظام الاناكوندا كان قادراً على امتصاص النجوم وابتلاعهم. المحاضرة لم يحضر فيها أكثر من ألف شخص، وإن سخر فيها القاسم من الإعلام السوري إشارة ورمزاً، فالوداع سيكون حميمياً والصورة التذكارية مع الوزير ستسبغ الرضا على النظام بل و قد تمنح الغفران. كان فيصل صعباً على الهضم في معدة النظام، فهو حفيد جبل العرب والأطرش. لو تجاهل الثورة السورية، أو خانها لانتهى برنامجه وخسر نفسه أيضاً! تصوروا معي القاسم مكان لونا الشبل!
لو كان النظام محقاً في الإصلاح لنصّب فيصل قاسم وزيراً للإعلام، أو مديراً لتلفزيون، أو مديراً لبرنامج اتجاه معاكس على الفضائية السورية المعقمة إلا من المقاومين والممانعين. فيصل القاسم ليس منتقماً انما هو ثائر، فالموضوع السوري أهم موضوع عربي ودولي حتى الآن وهو يتحدى النظام في ابتعاث أفضل فرسانه المجدالين المناوئين المثاومين الممانعين. وهذا عين العدل.
بعد الحلقة، التي لم يكن فيها ماهر شرف الدين محتاجا لمؤزارة، رفع النظام العلم السوري فوق منزل سليل جبل العرب.. يبدو أنّ الطريق إلى الأقصى يمر بمنزل فيصل قاسم!
