اللواء الدكتور كامل ابو عيسى يتذكر مع دنيا الوطن : ابو عمار والضباط الاحرار وبيان العشرين

اللواء الدكتور كامل ابو عيسى يتذكر مع دنيا الوطن : ابو عمار والضباط الاحرار وبيان العشرين
رام الله - دنيا الوطن
يستمر اللواء كامل ابو عيسى بنشر مذكراته عبر دنيا الوطن .. 

بلغ المشروع الوطني الفلسطيني للسلطة الوطنية الفلسطينية الوليدة ذروة النجاح بالإعلان عن استكمال بناء وافتتاح مشروع مطار غزة الدولي شرق مدينة رفح وبالترافق مع الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع عدد كبير من أفراد طاقم البيت الأبيض ، فالمطار بحد ذاته كان نوعاً من التأكيد العملي على سيادة الدولة الفلسطينية الناشئة والمنتظره على الأرض كما كانت زيارة الرئيس الامريكي تجسيداً واقعياً للإعتراف بهذه السيادة وفي التقدير الخاص والعام فإن كابوس افتتاح المطار وزيارة بيل كلينتون إلى غزة واجتماعه مع الرئيس عرفات في المنتدى كان من الكوابيس الصعبه بالنسبة لقادة اسرائيل عموماً ولحكومة اليمين الإسرائيلي بشكل خاص ، وكان على الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية وسلطته الوليدة استثمار هذه اللحظة الفارقة من عمر التاريخ على الصعيد الإستراتيجي ، فالكيانية الفلسطينية أصبحت مرشحة وبقوة لكي تصبح جزءًا من المصالح الدولية المتفق عليها في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي فإن مجمل السياسات الفلسطينية أصبحت بحاجة إلى التغيير والتطوير المبدع لإستعاب هذه المستجدات والمتغيرات الدرامتيكية المتعلقة بالصراع العربي والفلسطيني مع اسرائيل وبعيداً عن سياسة الخلافات والشعارات والخطابات الرنانه ، وهذا وبالتاكيد يصعب تحقيقه في يوم وليلة إلا أن الخطوات الأولى كان يجب أن تبدأ بإعادة تأهيل العقل الفلسطيني بنوع جديد من ثقافة المصالح السياسية وكان يجب الإعتماد على جيش من الأكاديميين والمثقفين من ذوي الخبرة والمقدرة على نسج العلاقات وإستيعاب الجديد والمستجد في كل المتغيرات وبعيداً عن سياسات اللون الأبيض أو الأسود أو أن تكون مع او ضد هذه القضية او تلك فالمراوغة والواقعية بحد ذاتها فن جميل من فنون الحوار السياسي والدبلوماسي الناجح والفذ في حين أن الرفض والتمرد المستمر في وجه المقترحات والحلول لن يزيد الطرف الاضعف إلا ضعفاً والطرف المهزوم إلا مزيداً من التخبط والمعانأة والحسرة.
شعور الاخ أبو عمار بالعظمة على ضوء هذه التحولات المنجزه أفقده الكثير من المرونة الذاتية المعتمده على الجهد الجماعي في صناعة الوقائع وحتى بدأ يغمض عينيه في أحيان كثيرة عن التجاوزات المخله بأدب المشروع السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية وعلى سبيل المثال لا الحصر كان يجب احترام المؤسسة التعليمية والأكاديمية الفلسطينية وحمايتها من عبث العابثين ومحاولات المئات من الضباط والعساكر والكوادر المدنية من الحصول على الشهادات بغير وجه حق ، وهناك من تقدموا نيابة عن الآخرين لتقديم الإمتحانات وهناك من استأجر عدداً من الموظفين ليعدوا بإسمه الأبحاث المطلوبة وهناك من اختصر الطريق على هذا وذاك وحصل على الشهادة الجامعية أو الماجستير او الدكتوراه لقاء مبلغ من المال ومن ثم توالت وبإيعاذ منه التهاني عليه عبر الصحف وهناك من تجرأ على سرقة دراسة أمنية او مشروع سياسي وتقديمه لبعض الدول بإسمه وهم يعرفون بأن فلان الأمي الذي لم يتجاوز في تعليمه الشهادة الإعدادية أو الثانوية يعجز عن قراءة هذه المواد التي يحملها ويقدمها بإسمه ، وقد كان لجامعة كل العالم الامريكية وعبر مراكزها التي انتشرت في العديد من مناطق السلطة الوطنية دوراً بارزاً وهي التي كانت تبيع شهادة الليسانس او الدبلوم بمبلغ خمسمائة دولار والماجستير بألف دولار وشهادة الدكتوراه بألف وخمسمائة دولار ، وكان ذلك كله وبرمته يشكل نوعاً من الإستخفاف والتحقير لحالة الوعي التي يتميز بها العقل الجمعي الفلسطيني ، وبدأ الحديث في الشارع الفلسطيني عن ذلك وعن تجاوزات ابو شريعة في ديوان الموظفين المدنيين والحاج مطلق في التنظيم والإدارة، وحتى بدى وكأن الإنشاء الناجح للمطار وزيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لمدينة غزة ومناطق السلطة الوطنية هما نهاية المطاف وآخر الطريق في المشروع الوطني الفلسطيني ، ولهذا ولذلك ولكل ذلك أصبح الحديث عن الفساد ومظاهره على الصعيدين الإقتصادي والاجتماعي ليس أكثر من وجهة نظر لمن لم يسعفه الحظ في القفز على سلالم الترقيات العسكرية والمدنية كما وجد بعض قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية القدرة لديهم على تشغيل موظفيهم وجنودهم في مشاريعهم الخاصة ، وأصبح مفهوم الإدارة المنتجة في هذا الجهاز او ذاك علامة بارزة من علامات الكسب الغير المشروع والإستئثار بمقاليد السلطة والنفوذ ، وأمام هذا الإنهيار المتسارع في العامل الذاتي الفلسطيني بدأت اسرائيل في توسيع دوائر نفوذها وتعد اطواقها المحكمة لمحاصرة القيادة الوطنية الفلسطينية وبغرض وهدف اجبارها على تقديم التنازلات المجانية ومحاصرتها لكافة الأصوات والبؤر المحتجة والرافضة لمجمل حالة الإنهيار المتسارعة ، وعلى ضوء بعض المشاكل التي عصفت ببعض الأجهزة وفيما بينها جاء بيان الضباط الأحرار بمثابة الصدمة للأخ الرئيس أبو عمار فهو بيان يتحدث بالأرقام وبلغة ملمة وعارفة بخفايا الأمور عن حالة التردي والفساد التي تعصف بالهرم الوظيفي للسلطة الوطنية ، وقد سارع العديد من مراكز القطط السمزان في الأجهزة وداخل السلطة للبحث والتحري ولتهدئة الاخ الرئيس وحتى كادت ان تقدم عدداً من روؤس الأبرياء كدليل على قوتها ونجاحها ، ولم يرق الامر للأخ الرئيس أبو عمار والذي جير الامر لحسابه وعبر غضبه المفتعل في بعض الاحيان ليكشف عن ضعف وهوان هذه المجموعات المتنفذه على حسابه وحساب المشروع الوطني الفلسطيني برمته وإلى أن جاءت صدمة بيان العشرين وهي صدمة لانها تعاملت مع مظاهر الفساد والخراب في الواقع الفلسطيني من منطلق شمولي من جهة وذيلت البيان بالأسماء والتواقيع المعروفة بها من جهة أخرى وهي شخصيات وطنية وأكاديمية معروفة ولا غبار عليها ، وأذكر أنني وفي أحد الأماسي ذهبت إلى مقر قيادة الشرطة وكان اللواء غازي الجبالي يتحدث بمنطقية صائبة عن قصور بعض الضباط المكلفين للبحث عن مصدري وموزعي هذه البيانات وعن اسباب فشلهم في الوصول إلى أي خيط حقيقي يتعلق بالموضوع ، وقد طلب من البعض في الأجهزة اصدار تصريح أو بيان صحفي ينتقد بيان العشرين فاعتذروا عن القيام بهذه المهمه وكما اعتذر غيرهم وكأن الامر لا يعنيهم بل يعني الأخ الرئيس أبو عمار فقط ، فنظر نحوي وقال: أنت يا دكتور الوحيد المهيأ والقادر على إصدار موقف أو تصريح صحفي يفند ويرد على بعض المغالطات الواردة في بيان العشرين وهذا سيكون دليلاً قوياً على أنك لم تكن وراء إصدار بيانات الضباط الأحرار كما حاول البعض وقتها أن يشي بك ويوحي للأخ ابو عمار بانك تقف خلفها علماً بأنه تعامل مع هذه الوشايات في حينه بنوع من السخرية والاستهزاء والغضب.
قلت له حسناً سأقوم بإعداد تصريح صحفي وبيان للنشر غداً صباحاً في صحيفة الحياة الجديدة ولن ادافع فيه عن الفساد وبإعتباره سياسة رسمية إسرائيلية يجري تعميمها داخل السلطة الوطنية الفلسطينية وإنما عن الاخ الرئيس أبو عمار ولكون البيان كلمة حق جاء في وقت غير مناسب وهي لذلك تشبه الباطل وبإعتبار أن جميع الأخوة الموقعين عليه هم إناس شرفاء وساطلب من الأخ ابو عمار التسامح معهم ورفع يد الأجهزة الامنية عنهم والكف عن ملاحقتهم ، وقد كان ذلك وكان للبيان والتصريح الصحفي أثره البالغ في النفوس وفي تفكيك حالة الإحتقان السائدة وبعد ان دعمه الأخ ابو عمار بإصداره لتعليمات فورية لإطلاق سراح جميع المحتجزين الموقعين على البيان وفي اليوم التالي كان اللواء غازي الجبالي منفرج الأسارير لما حدث وقال وهو يغمز من قناة الأخرين ، البعض ألغى ندواته والبعض قال انه لا يجيد الكتابة في الصحف وحتى لا يتحملوا المسئولية إلا ان الدكتور كامل تحمل المسئولية وبشجاعة وقال كلمة الحق دون أن يكترث لأحد وبالتأكيد (( لأنه مفيش على راسو بطحه يتحسسها ولا حد بيقدر يزاود عليه )) ، وبالمناسبة فإنه وعلى الرغم من الحديث والشائعات عن انغماس اللواء غازي الجبالي في لعبة الكسب الغير مشروع وانتشار هذا الإسلوب كما يشاع في بعض إدارات الشرطة فإنه كان على الصعيد السياسي وطنياً مخلصاً وكان يٌلاحق على وطنيته وبسبب نجاحه في بناء مؤسسة شٌرطية واعدة وارتباطه الوثيق مع الأخ الرئيس ابو عمار واذكر له: أنه وبعد اندلاع نيران الانتفاضة الثانية موقفه القوي عندما اتصل به وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال موفاز وطلب منه أن ينشر الشرطة حول المستوطنات وفي منطقة نتساريم على وجه الخصوص لحماية المستوطنين وجنود الاحتلال الإسرائيلي من غضب الشبان والفتية المنتفضين فرفض قائلا: بأنني لا اتلقى تعليماتي منك وانما من الرئيس عرفات ، وجاء ليداوم في مكتبي وبإعتبار قربه من الشرطة وتحسباً من القصف الإسرائيلي وبعد عدة أيام على هذه الحادثة قام الطيران الحربي الإسرائيلي بقصف مقر قيادة الشرطة ومكتب اللواء غازي الجبالي والذي تحول في غمضة عين إلى ركام وعملياً فإن قصف المقرات الرئيسية للشرطة المدنية الفلسطينية وتدمير مطار غزة الدولي جنوب مدينة رفح كان البداية في مخطط إسرائيلي خبيث يهدف إلى تقويض المعالم الخاصة لمؤسسات الدولة الفلسطينية المقترحة ولتعميم حالة من الفوضى والفلتان في الشارع الفلسطيني.