إدارة الأبحاث والمعلومات في مؤسسة القدس الدوليّة تصدر بيانا حول الانتهاكات التي تعرضت لها المدينة المقدسة

القدس - دنيا الوطن
يرصد هذا التقرير تطوّر الأحداث في مدينة القدس على المستويين الميداني والسياسي ويُقدّم قراءةً منهجيّة لهذه الأحداث تضعها في سياق الصراع بين مشروعٍ تهويدي شامل يطال مختلف جوانب الحياة في المدينة، تُنفذه وترعاه دولة الاحتلال والجمعيّات المرتبطة بها، وبين محاولات مقاومة هذا المشروع من قبل المقدسيّين المعتمدين على قدراتهم الذاتيّة وقليلٍ من الدعم الخارجي.

ويتتبع التقرير التطوّر الميداني لمشروع تهويد المدينة ومحاولات مقاومته من خلال مسارين أساسيّين هما:

التهويد الديني والثقافي: يشتمل هذا المسار على محاولات تغيير هويّة القدس ولا سيما المسجد الأقصى والبلدة القديمة من خلال الحفريّات الهادفة إلى بناء مدينة تاريخيّة يهوديّة أسفل المسجد الأقصى ومحيطه، ومن خلال بناء الكنس والمتاحف، فضلاً عن محاولة نزع الحصريّة الإسلاميّة للمسجد الأقصى وتحويله من معلمٍ إسلامي إلى موقعٍ ديني مشترك مفتوحٍ أمام أتباع الديانات كلها، وكذلك الاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة. يُضاف إلى ذلك محاولة تغيير الطابع السكاني العربي للمنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة إلى طابعٍ يهودي، وتهجير سكان هذه المنطقة العرب إلى الأطراف. كما يشتمل هذا المسار على محاولة تسويق القدس سياحيًا كـ"عاصمةٍ يهوديّة" وذلك من خلال المهرجانات والاحتفالات وتشجيع السياحة من خلال اختلاق الآثار وبناء المتاحف اليهوديّة في سائر أرجاء المدينة.

التهويد الديموغرافي: يشتمل هذا المسار على مجالين أساسيين. الأوّل هو محاولات زيادة عدد المستوطنين اليهود في المدينة من خلال بناء المستوطنات وتوسعتها وتقديم تسهيلات لمختلف الفئات اليهودية للسكن في القدس، ونقل مؤسسات الدولة المركزيّة إلى المدينة، وتشجيع بناء المصانع ومراكز الشركات عالية التقنية في مركز المدينة لجذب اليد العاملة. أمّا المجال الثاني فهو محاولة تهجير السكّان المقدسيّين من خلال سحب بطاقات الإقامة ومصادرة الأراضي والعقارات وفرض ظروف معيشية واقتصاديّة صعبة عليهم، فضلاً عن آثار الجدار العازل.  

أمّا التطوّر السياسي لمشروع التهويد فيتتبعه التقرير من خلال متابعة المواقف السياسيّة لأبرز الجهات الفاعلة في القدس والمؤثرة فيها لا سيما دولة الاحتلال والسلطة الفلسطينيّة وفصائل المقاومة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومن بعدهم الدول العربيّة وبعض الدول الإسلاميّة. ويرصد التقرير مواقف هذه الأطراف من أبرز الأحداث الدائرة في القدس كما يرصد أي تطوّرٍ في الموقف السياسي العام لهذه الأطراف تجاه المدينة.

الملخص التنفيذي

اختتم عام 2013 في الأشهر الثلاثة الأخيرة منه على مشهد يمكن من خلاله تلخيص حال القدس والمسجد الأقصى، وتعاطي السلطة الفلسطينية مع قضية القدس كما تجلى في المفاوضات، وما قابل ذلك من تثبيت الاحتلال للسياسة التي طالما انتهجها في اتخاذ المفاوضات ستارًا لتنفيذ المزيد من سياساته الاحتلالية وتثبيت الحقائق على الأرض. كما شهد الفصل الأخير من هذا العام استحقاق الانتخابات البلدية في القدس المحتلة وما كرّسته من مقاطعة مقدسية للانتخابات ومجلس بلدي يفاخر أعضاؤه بالسعي إلى تهويد القدس. وحافظ الموقف العربي على ثبات في وتيرة استنكار الممارسات الإسرائيلية في القدس مع التعهد بدعمها من جهة، فيما ارتفعت وتيرة التطبيع من جهة أخرى من خلال اللقاءات المشتركة والمشروعات المتبادلة.

أبرز طلائع مشهد التهويد الديني والثقافي ما يتعرّض له المسجد الأقصى من عملية تهويد ممنهج، والحديث هنا ليس عن الاقتحامات التي ينفّذها متطرفون وحاخامات وسياسيون بل عن المساعي الدّؤوبة التي تهدف إلى تكريس هذه الاقتحامات وتشريعها بحيث تكسب صبغة "الحق اليهودي في حرية الصلاة في جبل المعبد". فقد تقدّم نواب حزب "البيت اليهودي" في 1/11/2013 بقانون يطرح تنظيم ساعات لصلاة اليهود في المسجد الأقصى، في وقت يجرى فيه التباحث في تشريعات تبقى في سياق الطّرح المقبول لتأكيد "حق اليهود في الصلاة في جبل المعبد"، ومن ذلك إعلان "جبل المعبد" موقعًا يهوديًا مقدسًا، ما يعني بالتالي عدم إمكانية منع اليهود من دخوله استنادًا إلى أسس دينيّة وأخلاقيّة. وفي سياق متصل بمشروع التقسيم الزمني، قالت ميري ريغف، رئيسة لجنة الداخلية، إنّ ترتيبات محدّدة تُتّخذ من أجل المسلمين في شهر رمضان وينبغي أن يتحقّق الأمر ذاته لليهود في أعيادهم. كما عقدت لجنة الداخلية جلسة في 24/12 حول أعمال الصيانة التي تقوم بها دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، وادعى أعضاء كنيست خلال الجلسة أن دائرة الأوقاف تقوم بأعمال تؤدي إلى تدمير الآثار في الموقع لتختتم الجلسة على المطالبة بوقف أعمال الصيانة التي تقوم بها دائرة الأوقاف الإسلامية.

المسجد الأقصى كان أيضًا حاضرًا في الاجتماع السنوي لحزب الليكود الذي انعقد في 18/12/2013. فقد ناقش المجتمعون قضية صلاة اليهود في "جبل المعبد" حيث خلصوا إلى مسودة قرار تؤكد "حرية صلاة اليهود في كل الأماكن المقدسة"، وعلى رأسها "جبل المعبد".

إلا أنه في مواجهة هذا التصاعد السياسي والحملات التي تسعى إلى تسهيل وصول اليهود إلى المسجد الأقصى، برز موقف للحاخامية الرئيسة في دولة الاحتلال أعاد تأكيد المعارضة لهذه الزيارة لأسباب دينية. وقد قال الحاخامان المنتخبان في 24/7/2013، إنهما يكرّران الحظر الصادر أول مرة عن الحاخام أبراهام إسحق كوك الذي أسّس الحاخاميّة الرئيسة عام 1921. والإعلان هذا كان سبقه بيان أصدره حاخام السفارديم الرئيس السابق شلومو عمارفي 6/3/2013 ووقعه حاخام الأشكناز وعدد من الحاخامات، للتذكير بأن "دخول اليهود إلى جبل المعبد يتعارض مع تعاليم الشريعة اليهودية". وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن الدعوات التي تطلقها "منظمات المعبد" والمساعي التي تتخذ على المستوى السياسي تتفوّق على الحظر الديني ويتقبلها المتطرفون اليهود على نطاق أوسع، وهو الأمر الذي يمكن ملاحظته من وتيرة الاقتحامات التي لا تهدأ.

في التهويد الديموغرافي استمرت عمليات البناء الاستطاني والمصادقة على مزيد من الوحدات الاستيطانية لمصلحة اليهود في مقابل هدم منازل المقدسيين وتسليمهم أوامر هدم منازل بنوها لتؤويهم وعائلاتهم ليشردهم الاحتلال منها بذريعة البناء دون ترخيص. ففي 9/10 صادقت اللجنة المحلية للتخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال، بغالبية الأصوات، على بناء 58 وحدة سكنية في مستوطنة "بسغات زئيف" شرق القدس المحتلة. وفي 3/11، أعلنت وزارة الإسكان وسلطة إدارة الأراضي في دولة الاحتلال نيتها بدء تسويق أراضٍ لبناء 1700 وحدة استيطانية، 700 وحدة منها في "رامات شلومو" و"جيلو" بالقدس المحتلّة. وفي مقابل ذلك، وزعت بلدية الاحتلال في القدس في 31/10/2013 إخطارات هدم تطال 200 مبنى سكنيًا في حيّي رأس خميس ورأس شحادة القريبين من مخيم شعفاط شرق القدس المحتلة. والمفارقة أن الحيّين السّاقطين من حسابات بلدية الاحتلال لناحية الخدمات المتوجبة لهم كونهما يقعان ضمن حدود صلاحياتها، لم يعدهما إلى هذه الحسابات إلا حرص البلدية على إبقاء المقدسيين في دوامة اللااستقراروالمعاناة الناجمة عن تهديدات الهدم والأعباء المالية الناتجة عن دفع الغرامات المترتّبة على مخالفات البناء التي لم تسببها إلا تقشف سلطات الاحتلال في منح التراخيص اللازمة.

"الحدائق الوطنية" من سمات التهويد الأخرى التي تسعى إلى تعزيز مظاهر الوجود اليهودي في الأحياء المقدسية وتسوّق سلطات الاحتلال هذه الحدائق تحت شعار التنمية والتطوير مدّعية استفادة المقدسيين منها في حين أنها تقام على أراضيهم المصادرة، وأملاكهم المسلوبة، ومنازلهم المهدّمة لهذه الغاية. وقد صادقت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء على مخطط إقامة "الحديقة الوطنية" على السفح الشرقي لجبل المشارف وذلك بعد أن توافق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع وزير الداخلية جدعون ساعر على المضي بها عشية إطلاق الدفعة الثانية من الأسرى على هامش المفاوضات بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل". ادعاءات الاحتلال بأن الحديقة هدفها التنمية والتطوير كذّبته موظفة في سلطة الآثار رُصدت تقول بأن الهدف من الحديقة سياسي وليس بيئيًا. ومن شأن هذا المخطط  الحد من التطور العمراني في قريتي العيسوية والطور اللتين يحيط بهما جدار الفصل العازل والجامعة العبرية والمستوطنات اليهودية بما يجعل إمكانية تطويرها مستحيلة.

أما في الموقف السياسي، فقد أقفلت بورصة المفاوضات لهذا العام على كشف المزيد من تهالك الموقف الفلسطيني الذي يحاول الظهور بموقف الطرف المحترم لتعهدّاته في وقت لا يقيم الطرف الإسرائيلي أي وزن للحقوق الفلسطينية ويتمادى في خلق الحقائق على الأرض فيما الدول العربية والإسلامية تستمر في إصدار بيانات الاستنكار والتنديد وتتمسك بالمفاوضات، رغم ما ثبت من عقمها، ، وتبدي انفتاحًا على التطبيع مع الاحتلال من خلال المشروعات واللقاءات وحتى استحضار المشاركة الإسرائيلية في القمم الأمنية.

إذًا، شهد الفصل الأخير من عام 2013 تكرارًا لسيناريو الفصل الذي سبقه لجهة إعلان الاحتلال عن مشاريع استيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة بالتزامن مع إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين. وحيال هذا الواقع الذي بدا أقرب إلى التكرار مع إطلاق سراح الدفعة الثالثة من الأسرى في أوائل عام 2014 فإن السلطة الفلسطينية لم تتخلَّ عن الإدانة وأضافت إلى ذلك التهديد باللجوء إلى الوسائل القانونية والسعي إلى الانضمام إلى منظمات دولية منها محكمة الجنايات الدولية. وعلى الرغم من التصريحات الإسرائيلية التي كشفت عن أن "إسرائيل" لا ترى أمامها شريكًا للسلام، فإن رئيس السلطة الفلسطينية لم يغادر موقع الاستجداء والسعي إلى تحقيق سلام يبدو أنه إذا تحقق فلن يقوم إلى على التفريط بالحقوق الفلسطينينة. فقد صرّح عباس لدى مشاركته في تشييع نلسون مانديلا في 10/12/2013 بأنه يعارض مقاطعة "إسرائيل" التي لنا معها علاقات واعتراف متبادل. كما أنه قال في مقابلة تلفزيونية في 10/10/2013 إن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في الضفة الغربية لم تثن السلطة عن "الوفاء بتعهداتها في ما يتعلق بالتنسيق الأمني" مع الاحتلال، وهو الأمر الذي يفسّر في بعض تفاصيله أحد أسباب استمرار "إسرائيل" في اعتداءاتها على الفلسطينيين.

بموازاة ذلك وفي أجواء كل ما تتعرض له القدس من حملة تهويدية والمسجد الأقصى من مساعٍ إلى تشريع الوجود اليهودي فيه، فإن المواقف العربية عكست مزيدًا من الارتماء في أحضان التطبيع ضمن مشروعات تسوّق على أنها ذات عوائد اقتصادية على الفلسطينيين وسائر العرب المطبّلين للعلاقات مع الاحتلال. فقد كشف الإعلام عن توجّه إلى إقامة منطقة صناعية بين الأردن و"إسرائيل" تقدّم على أنها سوق لليد العاملة الأردنية،وواقع الأمر أن المشروع هذا سيؤمن لدولة الاحتلال يدًا عاملة بكلفة متدنية، بالإضافة إلى تسويق منتجاتها في الأسواق العربية والإسلامية على أنها "صناعة أردنية".

وفي الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة في 21/12 بناء على طلب من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباسأبدى المجتمعون تبنّيهم لخيار المفاوضاتوطالبوا المجتمع الدولي بالضغط على "إسرائيل" لوقف الاستيطان ومنح عملية السلام فرصة وصولاً إلى تحقيق التسوية النهائية للقضية الفلسطينية. ولعلّ مراقبة سير المفاوضات والطروحات الإسرائيلية تشي بالكثير عن موقف "إسرائيل" حيال ما يسمى العملية السلمية، ولا سيما بالنظر إلى تمسك نتنياهو بالمطالبة بالاعتراف بيهودية الدولة العبرية مع ما يعنيه ذلك من تداعيات ليس شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلا واحدًا منها.

على المقلب الأوروبي، أظهرت دول الاتحاد الأوروبي تمسّكًا بموقفها الرافض للاستيطان كما تجلّى في المبادئ التوجيهية التي أعلن عنها في 29/7/2013. وفي هذا السياقأعلنت شركة "فيتنس"، كبرى شركات المياه في هولندا، عن قطع علاقاتها مع شركة "ميكوروت" الإسرائيلية، بسبب الأنشطة التي تقوم بها الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تشكل انتهاكًا للقانون الدولي. كذلكأصدرت الحكومة البريطانية مجموعة من التوجيهات تحذّر فيها مواطنيها من أي تعاملات تجارية مع أيّ من الأفراد أو الكيانات في المستوطنات الإسرائيلية كما نشب خلاف دبلوماسي بين الحكومة الإسرائيلية ورومانيا على خلفية رفض هذه الأخيرة السماح للعمال الرومانيين العمل في مستوطنات الضفة الغربية. ولكن في مقابل ذلك، أظهرت أرقام مكتب الإحصاء المركزي في دولة الاحتلال أنّ دول الاتحاد الأوروبي هي أكبر سوق للصادرات الإسرائيلية خلال عام 2013 بنسبة صادرات بلغت 21.5%، والموقف الأوروبي لن يطال التعاملات مع الدولة القائمة على الأراضي المحتلة عام 1948 بل سيحصر بالمستوطنات المقامة على الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" عام 1967.

وكشف الإعلام عن موقف متطرف لرئيس الجمهورية التشيكية أعلن فيه خلال زيارة إلى دولة الاحتلال عن رغبته بنقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس، وهو موقف كان قد عرضه على رئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت الذي رفضهبسبب "عدم توافر مبنى لهذا الغرض". أما نتنياهو فقد تلقّف الطرح وعرض منزله الشخصي لاستقبال السفارة كما ذكرت "معاريف" العبرية في 9/10/2013. وتعتبر التشيك من أهم أصدقاء "إسرائيل" في القارة الأوروبية وهي واحدة من 9 دول صوتت ضدّ رفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب غير عضو في الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في تشرين ثانٍ/نوفمبر 2012.

أما في القدس فقد جرت الانتخابات البلدية في 22/10/2013 في ظل تمسك المقدسيّين بالمقاطعة وقد أفرزت الانتخابات إعادة انتخاب نير بركات لولاية ثانية لا يبدو أنها ستختلف عن سني ولايته الأولى الخمس التي زادت خلالها معاناة المقدسيين. أما المجلس البلدي فبرز من أعضائه المتطرّف أرييه كينغ الذي أطلق حملته الانتخابية بشعار "تهويد القدس" وصرّح عقب انتخابه بأنّ أولى أولوياته التصدي للإزعاج الصادر من مآذن القدس.

هذا ما انقضى عليه المشهد المقدسي عام 2013، وبين محاولات السيطرة على الأقصى وتهويد القدس ترتسم معالم المرحلة المقبلةالتي لا يبدو أنها ستختلف عن المرحلة السابقة بل ربما ستكون أخطر على مستوى تشريع تقسيم الأقصى وتسريع بناء الوحدات الاستيطانية لفرض أمر واقع يستحيل تغييره كنتيجة مفترضة لمسار المفاوضات التي لا تقل خطورة بنتائجها السياسية على القدس من التهويد الميداني الذي يقوم به الاحتلال

أوّلاً: الموقف الميداني في القدس:

§  تطوّر مشروع التهويد الديني والثقافي:

·الأقصى على أجندة الاحتلال: "الكنيست" يحاول بلورة التقسيم الزمني للمسجد، والحاخامية الرئيسة تعيد تأكيد حظر دخول اليهود إلى "جبل المعبد" لأسباب دينية

§ تطوّر مشروع التهويد الديموغرافي:

·المقدسيّون بين سندان الاستيطان ومطرقة الهدم: المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة، وتوزيع أوامر هدم في رأس شحادة ورأس خميس وغيرهما

· إقرار مشروع "الحديقة الوطنية" على أراضي الطور والعيسوية: ذرائع "خضراء" لسياسات الاحتلال السوداء

ثانيًا: الموقف السياسي في القدس:

·مسار التفاوض يثمر مزيدًا من المشاريع الاستيطانية في القدس، و"إسرائيل" تتمسّك بيهوديّة الدولة

· دول الاتحاد الأوروبي تتمسّك بالمبادئ التوجيهية حول الاستيطان، والرئيس التشيكي يطرح نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة

·هل تضيع القدس بين بيانات الشّجب العربية والانفتاح على التطبيع والتمسك بالمفاوضات؟

· الانتخابات المحليّة في القدس المحتلّة: تمسّك المقدسيّين بالمقاطعة، ونهج بلدي تهويدي يُقرَأ من عنوانه     

أوّلاً: الموقف الميداني في القدس:

أ. تطوّر مشروع التهويد الديني والثقافي

الأقصى على أجندة الاحتلال: "الكنيست" يحاول بلورة التقسيم الزمني للمسجد، والحاخامية الرئيسة تعيد تأكيد حظر دخول اليهود إلى "جبل المعبد" لأسباب دينية

يشهد برلمان الاحتلال مساعي حثيثة لتكريس التقسيم الزمني للأقصى بين المسلمين واليهود وضمان حرية صلاة اليهود في المسجد أما الحاخامية الرئيسة فأعادت تأكيد حظر منع اليهود من الدخول إلى "جبل المعبد" لأسباب تتعلق بالشريعة اليهوديّة حصرًا ولا علاقة لها بالسياسة

لم تخفت الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى خلال الفترة التي يغطّيها التقرير إلا أنّ ما ميّز هذه الفترة هو الإعلان الصادر عن الحاخامين الرئيسين في دولة الاحتلال والذي أكّد التمسك بموقف الحاخامية الرئيسة التقليدي القائم على تحريم دخول اليهود إلى المسجد الأقصى لأسباب دينية.لكن المستوى السياسي لا يبدو معنيًّا بهذا الإعلان بل إنه يشهد نشاطًا متقدّمًا لتكريس الاقتحامات وتشريعها بالتّوازي مع دعوات "منظمات المعبد" إلى اقتحام المسجد واستجابة المتطرّفين لها. في 1/11/2013، تقدّم نواب حزب "البيت اليهودي" بقانون يطرح تنظيم ساعات لصلاة اليهود في المسجد الأقصى، وتحتاج الاقتراحات المقدّمة بخصوص المسجد الأقصى إلى موافقة كل من وزيرة العدل تسيبي ليفني ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. وذكر موقع "أنباء إسرائيل الوطنية" أن كلاً من حزب "البيت اليهودي" ورئيسة لجنة الداخلية يبحثون في تشريعات تبقى في سياق الطّرح المقبول لتأكيد "حق اليهود في الصلاة في جبل المعبد"، ومن ذلك إعلان "جبل المعبد" موقعًا يهوديًا مقدسًا ما يعني بالتالي عدم إمكانية منع اليهود من دخوله استنادًا إلى أسس دينيّة وأخلاقيّة. وفي 4/11/2013، عقدت لجنة الداخلية في "الكنيست" جلسة لمناقشة الصعوبات التي تواجه اليهود الراغبين في الوصول إلى الأقصى، وقد قالنائب وزير الشؤون الدينية في حكومة الاحتلال، إيلي بن داهان، إنه يسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع الحاخامية الرئيسة، التي تعارض "زيارة اليهود إلى جبل المعبد"، حول إجراءات مقبولة بخصوص الزيارة. إلا أن طروحات بن داهان لاقت اعتراضًا من النواب العرب في "الكنيست"، بالإضافة إلى انتقاد نواب حزب "شاس" لوزير الشؤون الدينية وحزب"البيت اليهودي" على خلفية إثارة هذا الموضوع نظرًا إلى أن كبار الحاخامين قد رفضوه.

أما "نجمة" المطالبة بـ "الحقوق اليهودية" في المسجد الأقصى منذ انتخابات "الكنيست" في كانون ثانٍ/يناير 2013، رئيسة لجنة الداخلية في "الكنيست" ميري ريغف فقد أصدرت في 25/11/2013 تعليمات إلىقائد منطقة المسجد الأقصى في الشرطة آفيبيتونبالتأكد من تمكن اليهود من الوصول إلى المسجد الأقصى دون أن تمنعهم الشرطة أو المتظاهرون العرب. وقالت ريغف إن إلقاء العرب الحجارة على اليهود ليس سببًا كافيًا لمنعهم من الدخول إلى المسجد. كما اعتبرت أنّ ترتيبات محدّدة تتخذ من أجل المسلمين في شهر رمضان وينبغي أن يتحقق الأمر ذاته لليهود في أعيادهم، وهو ما يؤكد أن الإجراءات التي تتخذها الشرطة في المناسبات الإسلامية، من قبيل منع الاقتحامات، إنما الهدف منها خلق سابقة يستند إليها لاحقًا للمطالبة بالأمر ذاته لليهود في إطار مشروع التقسيم الزمني الذي يعمل الاحتلال على بلورته. وفي الجلسة ذاتها قال النائب زفولون كلفا من حزب "البيت اليهودي" إنه من غير المعقول أنه لا يمكن لليهود الدخول إلى أقدس مكان لديهم.

وعلى المستوى الرسمي أيضًا، عقدت لجنة  الداخلية في "الكنيست" جلسة برئاسة ريغف في 24/12 حول أعمال الصيانة التي تقوم بها دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، وادعى بعض أعضاء "الكنيست" خلال الجلسة أن دائرة الأوقاف تقوم بأعمال تؤدي إلى تدمير الآثار في الموقع. وفي ختام الجلسة، طالبت اللجنة بتدخل رئيس الحكومة واللجنة الوزارية الخاصة لوقف أعمال الصيانة التي تقوم بها دائرة الأوقاف الإسلامية، وأعلنت أنها ستقوم قريبًا بجولة تفقدية ميدانية للمسجد الأقصى.

وسبق ذلك المؤتمر السنوي لحزب الليكود الذي انعقد في 18/12/2013، حيث ناقش المجتمعون قضية "صلاة اليهود في جبل المعبد" مؤكدين دعم المؤتمر لـ "حرية صلاة اليهود في كل الأماكن المقدسة"، وعلى رأسها "جبل المعبد".

وعلى مستوى الحملات الداعية إلى اقتحام الأقصى، كشف موقع "أنباء إسرائيل الوطنية" في 17/10/2013 عن حملة جديدة بعنوان "الحرية اليهودية على جبل المعبد" التي رُشّح المتطرّف يهودا جليك لإدارتها. ويتضمن برنامج "زيارة جبل المعبد" تأمين المواصلات وزيارة إلى "مطاهر المعبد" وإلى "جبل المعبد" ومن ثم جولة في "معهد المعبد" القريب من المسجد الأقصى. ويهدف منظمو الحملة من خلال هذه المبادرة إلى تأمين تواجد دائم لليهود في المسجد الأقصى كجزء معتاد من المشهد، بالإضافة إلى "تأمين احترام حقوق اليهود الدينية الأساسية في جبل المعبد بشكل رسمي". وتأتي هذه المباردة في ظلّ"الضغوط لإنهاء التمييز ضد اليهود على جبل المعبد".

وفي مواجهة هذه الدعوات المتزايدة إلى اليهود "لزيارة جبل المعبد" وإغفال الكثير من اليهود لقرار الحاخامية الرئيسة حول "زيارة اليهود إلى جبل المعبد"، وقّع الحاخامان الرئيسان،دايفيد لاو (أشكناز) وإسحق يوسف (سفارديم)، إعلانًا يؤكد معارضة الحاخامية لهذه الزيارة وقال الحاخامان المنتخبان في 24/7/2013، إنهما يكرّران الحظر الصادر أول مرة عن الحاخام أبراهام إسحق كوك الذي أسّس الحاخاميّة الرئيسة عام 1921.وكان حاخام السفارديم الرئيس السابق شلومو عمارأصدر بيانًا في 6/3/2013 للتذكير بأن "دخول اليهود إلى جبل المعبد يتعارض مع تعاليم الشريعة اليهودية". وقد وقّع على البيان حاخام الأشكناز الرئيس وقتها يونا متسجر وعدد من الحاخامات في دولة الاحتلال. إلا أنه وعلى الرغم من هذه التأكيدات الصادرة عن الحاخامية الرئيسة، فإن اقتحامات اليهود للمسجد الأقصى لا تبدو متأثّرة بهذه الفتاوى بقدر استجابتها للدعوات التي تطلقها المنظّمات الدينية اليمينية الراعية لهذا التوجّه.

وفي إطار الانتهاكات التي يتعرض لها المسجد الأقصى، كشفت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث في 9/12/2013 عن حفريّات جديدة ومعمّقة أسفل المسجد الأقصى في الأوقات الأخيرة، وبالتحديد أسفل باب السلسلة، الواقع في الجهة الغربية من المسجد الأقصى، شمال حائط البراق، تصل إلى عمق نحو ثمانية أمتار.كما كشفت المؤسسة عن استحداث كنيس للنساء ضمن مسار النفق الغربي ليضاف إلى الكنس التي افتتحها الاحتلال في السنوات الأخيرة على امتداد النفق الغربي. كما كشفت المؤسسة عن ثلاث كاميرات مراقبة نصبها الاحتلال في 9/10/2013 على سطح المبنى الموجود في الجهة الشمالية من قبة الصخرة الذي يسيطر عليه الاحتلال ويستعمله كمخفر للشرطة لتضاف إلى الكاميرات المثبتة سابقًا على أبواب المسجد من الخارج.

تعكس الخطوات المتّخذة على المقلب الإسرائيلي حيال الأقصى جدية في مشروع التهويد الذي يستهدف المسجد، وتتقلّب هذه الخطوات بوتيرة متسارعة وبتناغم بين المستوى السياسي و"منظّمات المعبد". كما أن المتطرّفين اليهود يبدون تجاوبًا مع الدعوات إلى اقتحام المسجد فلا تستكين الاقتحامات سواء في الأعياد والمناسبات اليهودية أو خارجها. وفي مقابل ذلك، لا يبدو الطرف العربي والإسلامي معنيًّا باتخاذ موقف قوي وجازمفكأنما بات المشهد مألوفًا. ومع انقضاء عام 2013 فإن السؤال المطروح هو هل سيبرز موقف يعطّل المشاريع الاحتلالية في الأقصى أم أن "إسرائيل" ستتمكّن من التوسّع في فرض رأيها ورؤيتها على المسجد؟

ب. تطوّر مشروع التهويد الديموغرافي:

المقدسيّون بين سندان الاستيطان ومطرقة الهدم: المصادقة على مشاريع استيطانية جديدة، وتوزيع أوامر هدم في رأس شحادة ورأس خميس وغيرهما

يشكل بناء الوحدات الاستيطانية من جهة وهدم منازل المقدسيين من جهة أخرى أحد أوجه التهويد الديموغرافي في القدس المحتلّة. وفي فترة الرصد أعلنت سلطات الاحتلال عن مشاريع استيطانية في "بسغات زئيف" و"رامات شلومو" وسواها كما وزعت أوامر هدم في حيّي رأس خميس ورأس شحادة وغيرهما

في 9/10/2013 صادقت اللجنة المحلية للتخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال، بغالبية الأصوات،على بناء 58 وحدة سكنية في مستوطنة "بسغات زئيف" شمالالقدس المحتلة. وقالت بلدية الاحتلال في بيان لها إن البناء [الاستيطاني] في القدس، كما في سائر مدن العالم، هو أمر ضروري لاستيعاب النمو السكاني وتمكين الطلاب والشباب من شراء المنازل. وقد كشف المحامي قيس ناصر أن المدرسة الاستيطانية في "بيت أوروط" قدمت إلى اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء التابعة لوزارة الداخلية مخططًا هيكليًالبناء 4 عمارات تشتمل على 32 وحدة استيطانية على أرض مساحتها 3 دونمات وتقع في حي الطور شمال أسوار البلدة القديمة في المنطقة الواقعة غرب مستشفى المطلع أو "أوغستا فيكتوريا".

ولم ينقضِ شهر تشرين أول/أكتوبر قبل أن يعلن نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعرعن مخططات استيطانية للمضي بها في شرق القدس المحتلة وذلك بالتزامن مع إطلاق الدفعة الثانية من الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في سجون الاحتلال منذ ما قبل أوسلو، وذلك في 29/10/2013. وقد تضمنت هذه المخططات تثبيت مخطط لبناء 1500 وحدة في مستوطنة "رامات شلومو"، الأمر الذي يعني إمكانية البدء بإصدار تراخيص بناء وتسويق أراض للمقاولين. وكان الإعلان عن المضي بهذا المخطّط خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى "إسرائيل" عام 2010 قد أدّى إلى أزمة سياسية بين الولايات المتّحدة و"إسرائيل"، وتاليًاإلى تعليقه. كما تضمنت المخططات الموافقة على السماح بإضافة غرفة مساحتها 50 م2 في الوحدات المبنيّة في "رامات شلومو".

وفي 3/11/2013أعلنت وزارة الإسكان مصادقتها على تسويق أراضٍ لبناء 1700 وحدة استيطانية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، منها 700 وحدة في القدس المحتلة بواقع 387 وحدة في مستوطنة "رامات شلومو" شمال القدس و311 وحدة في "جيلو" جنوبها.كما أعلن وزير الإسكان أوري أريئيل عن مخطط لبناء 20,000 وحدة استيطانية في الضفة الغربيةمن ضمنها 1200 وحدة في مستوطنة "معاليه أدوميم" شرق القدس المحتلة، إلا أن موجة الانتقاد التي أثارها هذا الإعلان دفعت نتنياهو إلى إعلان تجميد هذا المخطط في 12/11/2013. لكن لم يكد يمر أسبوعان على هذا الإعلان وتجميده حتىصادق مجلس التخطيط التابع للإدارة المدنية التي يديرها جيش الاحتلال، على حوالي 800 وحدة استيطانية في الضفة الغربية منها 30 وحدة في مستوطنة "شيلو" شمال القدس المحتلة.

وفي 20/12/2013، أوردت أسبوعية "كول هعير" خبرًا مفاده أن مكتب العلاقات العامة الإسرائيلية "لرنركوم" بدأ مؤخرًا تسويق مشروعين استيطانيين في الشطر الشرقي من القدس المحتلة أحدهما في رأس العمود قرب مستوطنة "معاليه زيتيم"، والآخر في جبل المشارف. وقالت الأسبوعية إن المشروع الأول الذي يطلق عليه اسم "معلوت ديفيد" يتضمن 17 وحدة سكنية وقد بيع منها 10 وحدات فيما يحضر المشرفون على المشروع للمرحلة الثانية منه حيث ستضاف 20 وحدة أخرى في مبنيين قديمين استخدمتهما الشرطة الإسرائيلية كمقر لها أكثر من 40 عامًا. أما المشروع الآخر فيتضمن بناء 4 مبانٍ فاخرة بالقرب من المدرسة الدينية "بيت أوروط"، وهو المشروع المشار إليه أعلاه.

وكشفت حركة "السلام الآن" الإسرائيليّة المناهضة للاستيطان أن نسبة الاستيطان زادت حوالي 70% في الضفة الغربية والقدس في النصف الأول من عام 2013 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، وهو ما يكشف عن تمسك سلطات الاحتلال بخلق المزيد من الحقائق على الأرض بما يجعلها قادرة على فرض شروطها فيما يتعلّق بالمستوطنات وإخلائها أو إبقائها في إطار أي اتفاق، إن أُبرم.

وبالتوازي مع حملة الاستيطان، وزعت بلدية الاحتلال في القدس في 31/10/2013إخطارات هدم تطال 200 مبنى سكني في حيّيرأس خميس ورأس شحادة القريبين من مخيم شعفاط شرقي القدس. ويقع الحيّان خارج جدار الفصل العازل ولكن ضمن نطاق الحدود البلدية، وقد صنّفت سلطات الاحتلال الحيّين على أنهما أراضٍ خضراء وذلك عند بناء مستوطنة "بسغات زئيف". وفي الوقت الذي يصعب على المقدسيين استصدار رخص بناء في شرق القدس بشكل عام فإن استصدارها في حي رأس خميس ورأس شحادة أمر مستحيل نظرًا لامتناع بلدية الاحتلال عن وضع أي مخططات تطويرية لهذه المناطق منذ عام 1967.

وعلى الرغم من وقوع الحيّين ضمن الحدود البلدية، إلا أن بلدية الاحتلال أسقطتهما من خدماتها فالطرقات غير معبّدة فيما تتمنع البلدية عن جمع النفايات ما يدفع الأهالي إلى إحراقها عند تكوّمها. والواضح أنّ البلديّة تذكرت الحيّين عقب الانتخابات التي جدّدت ولاية نير بركات، مع مجلس بلدي متطرف، خمس سنوات أخرى.ويشير أهالي رأس خميس إلى أن نير بركات شجع البناء في هذه المنطقة عبر غضّ النظر عن مخالفات البناء في المناطق الواقعة خلف الجدار، رغم أنها تقع ضمن حدود صلاحياته، وذلك كي يدفعهم إلى مغادرة أرضهم إلى الضفة الغربية. كما أن التفات البلدية إلى أحياء مقدسية لطالما أهملتها من أي مخططات أو خدمات يمكن تفسيره بمحاولات الحصول على عائدات ستعود على البلدية لدى استيفاء غرامات البناء والتي يمكن أن تصل إلى 15 ألف شيكل لكل شقة.

وفي سياق الهدم أيضًا، سلم عمال بلدية الاحتلال في 23/12/2013 أوامر هدم لمبنيين يعودان لعائلة صيام في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، خلال مدة أقصاها 30 يومًا، وسيؤدي الهدم إلى تشريد 11 فردًا. ووفقًا لعائلة صيام فإن أمر الهدم نهائي لا يسمح لهم بالطعن فيه. وقبل ذلك، في 10/11/2013 هدم سامر محمود حسن زعترة مسكنه الكائن في حي القرمي في البلدة القديمة بعد أن أجبرته بلدية الاحتلال على هدمه بحجة البناء دون ترخيص. كما هدم عادل محمد حسين عميرة ثلاث شقق سكنية قيد الإنشاء في حي دير العمود بصور باهر جنوب القدس في 30/11/2013، وذلك تنفيذًا لقرار بلدية الاحتلال التي أجبرته على هدمهم بحجة عدم الترخيص.

وفي 28/11/2013، هدمت جرافات الاحتلال منزل المواطن سلامة أبو طربوش الذي يؤوي 14 فردًا. ويعود المنزللبطركية دير اللاتين وهو مقام على أرض البطركية قبل احتلال شرق القدس عام 1967. وقد نفذت الجرافات الهدم بموجب أمر لم تبلغ به العائلة سابقًا، فيما استند الأمر إلى أن البناء غير مرخص.

وفي 29/12/2013، اقتحمت طواقم مشتركة تابعة لبلدية الاحتلال في القدس والشرطة الإسرائيلية بلدة سلوان، جنوب البلدة القديمة في مدينة القدس، ووزعت إخطارات بأوامر هدم لمسجد ومنشآت، بحجة البناء دون ترخيص. وتمهل أوامر الهدم أصحاب المنشآت مدة 30 يومًا للاعتراض أمام الجهات المختصة، وإلا سينفّذ الهدم، استنادًا إلى "قانون 212" الذي يخوّل النيابة العامة استصدار أمر هدم ضد مبنى أُنشئ دون ترخيص حتى لو كان منفّذ البناء مجهول الهوية.

هذه الثنائيّة المتناغمة بين هدم منازل المقدسيّين وإنشاء وحدات استيطانية هي إحدى وسائل الاحتلال لتعزيز الوجود اليهودي في القدس المحتلّة لضمان أغلبية يهودية. ولا يبدو أن عام 2014 سيشهد تغيّرًا في هذه السّياسة حيث يبقى تثبيت الميزان الديموغرافي في القدس بترجيح الكفة اليهودية من أولى الأولويات التي يتطلّبهااستكمال مسلسل تهويد المدينة. ولذلك لا يكفي لمواجهة الاستيطان والهدم وسائر السياسات الاحتلالية شجب هذه الممارسات واستنكارها أو التهديد بالانسحاب من المفاوضات واللجوء إلى الوسائل القانونية والدبلوماسية لصدّها حيث إن التمادي الإسرائيلي وعدم المبالاة يعكس اطمئنان الاحتلال إلى أن المواقف القادمة لن تتجاوز سقف المواقف السابقة ما يتيح المجال أمام المزيد من الاعتداء على الحقوق الفلسطينية.

أثار مشروع "الحديقة الوطنية" على أراضي الطور والعيسوية حملة واسعة من الاعتراضات دفعت

وزير البيئة في حكومة الاحتلال إلى تجميده إلا أن نتنياهو ووزير داخليته توافقا على المضي بالمشروع بالتزامن مع إطلاق الدفعة الثانية من الأسرى الفلسطينيين ومن شأن المشروع الحد من التطور العمراني في قريتي العيسوية والطور اللتين يحيط بهما جدار الفصل العازل والجامعة العبرية والمستوطنات اليهودية

إقرار مشروع "الحديقة الوطنية" على أراضي الطور والعيسوية: مبرّرات "خضراء" لتمرير سياسات الاحتلال السوداء في 15/11/2013، صادقت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء على مخطط إقامة "الحديقة الوطنية" على السفح الشرقي لجبل المشارف وذلك بعد أن توافق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع وزير الداخلية جدعون ساعر على السير في مشاريع استيطانية من بينها مشروع الحديقة، وذلك بالتزامن مع إطلاق الدفعة الثانية من الأسرى في 29/10/2013. وكان وزير البيئة في حكومة الاحتلال عاميربيريتس قد أعلن في 3/10/2013 عن تجميد المخطط كما أنه أرسل كتابًا إلى لجنة التخطيط في 14/11/2013 يعلمها بتأجيل مناقشة موضوع الحديقة نظرًا إلى أن المخطط لا يتوافق مع المعايير التي وضعها حيث إنه يمنع تطوير الأحياء العربية.

يعود مخطط إقامة "الحديقة الوطنية" على جبل المشارف إلى عام 2005 مع مخطط اقترح إقامة الحديقة على مساحة 738 دونمًا من جنوب العيسوية إلى شمال الطور في شرق القدس المحتلة. وفي حزيران/يونيو 2009، أنجزت بلدية الاحتلال في القدس، مع ما تعرف بسلطة تطوير القدس وسلطة الطبيعة والآثار في دولة الاحتلال، مخطط "الحديقة الوطنية" المقدّم إلى لجنة التخطيط. وقد استقرت النسخة الأخيرة من المخطط على عدم استعمال الأراضي التابعة للجامعة العبرية، المبنية في مستوطنة "التلة الفرنسية" القائمة أساسًا على أرض فلسطينية مصادرة، ما يعني مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية.

وكانت بلدية الاحتلال في القدس، ومعها سلطة الطبيعة والحدائق، قد بدأت في كانون ثانٍ/يناير 2012 تنفيذ المخطط بعد أن صادقت عليه لجنة التخطيط والبناء في كانون أول/ديسمبر 2011. وقد ادعى المشرفون على التنفيذ أن الأعمال القائمة، ومن ضمنها نقل أتربة وإغلاق طريق ترابية، ما هي إلا ترتيب وتنظيم للمكان بناء على طلب من البلدية. ووفقًا لتقرير نشرته "هآرتس" في 13/11/2012، فقد أطلقت سلطة الآثار على أعمال هدم الأبنية الممهدة لإقامة الحديقة اسم "لن يعرفوا ولن يفهموا 2012". وقد ذكر التقرير أن لجنة التخطيط والبناء وافقت عام 2011 على المخطط الذي جُمّد بسبب التماس قدم إلى المحكمة لتقرير ما إذا كان ضروريًا تعريب الاسم هذا. 

وللحديث عن "الحدائق الوطنية" في القدس حكاية مع مخططات التهويد التي تتبعها دولة الاحتلال في القدس حيث تعمد إلى إعلان الأراضي على أنها أراضي حدائق مع ما يعنيه ذلك من الحد من التطور العمراني في القدس المحتلة. وعلى ذلك يكون الهدف من "الحدائق الوطنية" التضييق على المقدسيّين ومنع تطوير أحيائهم في وقت يُخدم فيه المستوطنون وتعزز البنى التحتيّة للمستوطنات. ووفقًا لجمعيات يسارية إسرائيلية فإن الهدف من مخطط "الحديقة الوطنية" على جبل المشارف هو الحدّ من التطور العمراني في قريتي العيسوية والطور اللتين يحيط بهما جدار الفصل العازل والجامعة العبرية والمستوطنات اليهودية بما يجعل إمكانية تطويرهما مستحيلة. وقد رصد تسجيل صوتي لموظفة في سلطة الآثار سجّله أحد الزائرين الذين قصدوا كشكًا لسلطة الآثار مخصصًا لتقديم المعلومات حول الحديقة تقول فيه بأن الهدف من الحديقة سياسي وليس بيئيًا، كما كتب نير حسون في "هآرتس" في 30/9/2013. وعلاوة على التضييق على الفلسطينيين ومنع التطور العمراني في هذين الحيّين، فإن "الحديقة الوطنية" تشكّل البوابة الشرقية للقدس المحتلّة حيث ستؤمّن تواصلاً جغرافيًا بين القدس من جهة ومستوطنة "معاليه أدوميم" من جهة أخرى.

إنّ عجز سلطات الاحتلال عن الحد من النمو السكاني بين المقدسيين دفعها إلى توسّل أساليب مختلفة للتضييق عليهم والحد من التطور العمراني في الأحياء التي يسكنونها. ولذلك كانت "الحدائق الوطنية" إحدى هذه الأساليب التي تستخدم كذرائع "خضراء" تمكّن الاحتلال من منع المقدسيّين من البناء ومصادرة أراضيهم بحجة المحافظة على البيئة. واللافت أنّ السياسة هذه لا تشمل غرب القدس وهي تتّبع في سائر الأراضي المحتلّة لأهداف بيئية فعليّة. و"الحديقة الوطنية" على سفوح جبل المشارف ليست الأولى أو الوحيدة وربما لن تكون الأخيرة ضمن منظومة الاستهداف المستمر للقدس والمقدسيّين خصوصًا إذا علمنا أن هذه الحدائق تدخل ضمن صلاحية سلطة الحدائق التي تهتم بها في المنحى البيئي حصرًا ما يعني أن بلدية الاحتلال لن تكون معنيّة بوضع أي مخططات تطويرية لها. 

ثانيًا: الموقف السياسي في القدس:

مسار التفاوض يثمر مزيدًا من المشاريع الاستيطانية في القدس، و"إسرائيل" تتمسّك بيهودية الدولة

تتمسك "إسرائيل" بمسار التفاوض الذي يخدم مصالحها ويشكل غطاء لتمرير المزيد من سياساتها التهويدية في القدس والضفة وإذ أعلن نتنياهو أن البناء الاستيطاني لن يتوقف فإنه اعتبر أن ما يعيق تحقيق السلام هو إصرار الفلسطينيين على عدم الاعتراف بيهودية الدولة العبرية

بعد مضيّ عدة أشهر على استئناف المفاوضات، لا يزال المشهد محكومًا بالمماطلة على الجانب الإسرائيلي وبالتهديد على المقلب الفلسطيني، وبمحاولات حثيثة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري لتحقيق أي اتفاق بين الطرفين يسجَّل انتصارًا لإدارة أوباما بعد إخفاقاتها المتكررة في المنطقة.

 وفي حين يقدم رئيس السلطة الفلسطينية تنازلات يصورها على أنها يد فلسطينية ممدودة للسلام، فإن نتنياهو يقدم شروطًا لا يمكن أن تترجم إلا تنصّلاً من حلّ الصراع وتمسكًا بإدارته. ففي المؤتمر السنوي لحزب الليكود المنعقد في 18/12/2013 قال نتنياهو إن ما يمنع السلام ليس الاستيطان، بل رفض الفلسطينيين المستمر للاعتراف بيهودية الدولة العبرية، مع ما يعنيه هذا الشرط من شطب لحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين. ولا يبدو أن المفاضات قد وضعت قطار القدس على سكة الحل، أو حتى بوادره، بل إن "إسرائيل" ثبّتت خلال فترة الرصد تمسّكها بسياسة التهويد وخلق الحقائق على الأرض.

 فقد أطلق سراح الدفعتين الثانية والثالثة من الأسرى خلال فترة الرّصد، وتمكّنت دولة الاحتلال بالتزامن مع إطلاق الدفعة الثانية في 29/10/2013 من إعلان مشاريع استيطانية تمامًا كما فعلت لدى إطلاق الدفعة الأولى التي تمّت في 13/8/2013. ففي الوقت الذي كانت الدفعة الثانية من الأسرى تصل إلى رام الله في 30/10/2013 كان رئيس الحكومة، ومعه وزير الداخلية جدعون ساعر، يوافقان على المضي قدمًا في مشاريع استيطانية في شرق القدس.

وتضمّنت المشاريع المصادق عليها "الحديقة الوطنية" على سفوح جبل المشارف، والعمل على مشروع مركز "كيدم" في سلوان، وتثبيت مخطط بناء 1500 وحدة سكنية في مستوطنة "رامات شلومو"، بالإضافة إلى إحياء العمل بثلاثة مخططات بناء أخرى فيها تسمح بتوسعة المساكن المبنيّة بإضافة غرفة مساحتها 50 م2.

وقد سارع مسؤولون في السلطة الفلسطينية إلى إدانة المشاريع الاستيطانية بعد الإعلان عنها، إلا أن مسؤولين إسرائيليين أكدوا أن الأميركيين والفلسطينيين كانوا يعلمون بنية الحكومة الإسرائيلية الإعلان عن الخطط الاستيطانية وبموعد إعلانها، وإن كانوا يجهلون تفاصيلها. كما ذكر تقرير للقناة الثانية الإسرائيلية أن نتنياهو كان قد أبلغ كيري بأنه في كل مرة يفرج عن مجموعة من الأسرى سيعلن عن خطط استيطانيّة ليجعل الأمر أخفّ وطأة على بعض شركائه في التّحالف الحكومي.

السيناريو ذاته كاد يتكرّر مع إطلاق الدّفعة الثالثة في 31/12/2013 حيث سبق موعد الإفراج عن الأسرى كشف مسؤولين إسرائيليين عن نية نتنياهو الإعلان عن 1400 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس. إلا أنّ نتنياهو قرّر تأجيل هذه الخطوة إلى ما بعد زيارة كيري إلى المنطقة في أوائل كانون ثان/يناير 2014، وفقًا لما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز".

 ولم يغيّر ذلك من شيء في الموقف الفلسطيني حيث إن السلطة اختارت "التهديد" والتحذير من أن الإقدام على هذه الخطوة سيدفعها إلى تقديم طلب العضوية إلى 63 منظمة دولية، منها محكمة الجنايات الدولية، وذلك بعد أن تعهّدت قبل البدء بالمفاوضات بعدم الخروج منها أو اللجوء إلى المنظمات الدولية لإدانة "إسرائيل" أو نيل الاعتراف بالحقوق الفلسطينية من طرف واحد. ومن المعلوم أن التقاضي أمام محكمة الجنايات لا يكون إلا عن الارتكابات التي تقع بعد التوقيع على نظام روما الأساسي.

تنازلات السلطة الفلسطينية في عملية المفاوضات لم تشفع لعباس لدى الاحتلال ولم يجعلاه "شريكًا في السلام" بنظر نتنياهو. وعلى الرغم من ذلك، استمرّت محاولات عباس تقديم نفسه على أنه الفلسطيني "المعتدل" والمصر على "حسن الجوار" مع الاحتلال. ففي مقابلة تلفزيونية في 10/10/2013، قال عباس إن السلطة لم تتوقف عن "الوفاء بتعهّداتها في ما يتعلق بالتنسيق الأمني" مع "إسرائيل" على الرغم من انتهاكاتها المستمرة في الضفة الغربية. كما قال خلال مشاركته في تشييع نيلسون مانديلا في 10/12/2013 إنه يؤيد مقاطعة المستوطنات حصرًا ولكنه يعارض مقاطعة "إسرائيل" التي "لنا معها علاقات واعتراف متبادل"، وهو موقف قد يبدو مفهومًا عندما يصدر عن دول الاتحاد الأوروبي مثلاً، ولكن في أيّ سياق يمكن وضعه إذا ما صدر عن فلسطيني احتُلَّ بيته، وقريته، وأرضه؟

وإذ تراوح المفاوضات مكانها دون أي تقدّم أو أفق للحل أظهر إحصاء للمركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي أن حوالي 56% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وشرق القدس المحتلة وقطاع غزة يعتقدون أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود وألا فائدة من استمرارها. الإحصاء الذي أجري بين 27/11 و10/12 ونشر في 16/12/2013 أظهر أن 53% من المستطلعة آراؤهم يرون أن الحكومة الإسرائيلية غير مهتمة بنجاح المفاوضات.

وعلى الرغم من عدم تفاؤل الشعب الفلسطيني بالتوصل إلى اتفاق مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة وبنسبة كبيرة من إنجاز اتفاق يفرّط بالقدس والثوابت الفلسطينية وذلك بالنظر إلى الظروف الإقليمية والدولية التي يرى أطراف التفاوض أنها سانحة لإنجاز الاتفاق.

هل تضيع القدس بين بيانات الشجب العربية والانفتاح على التطبيع والتمسك بالمفاوضات؟

عبر وزراء الخارجية العرب في الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية في 21/12/2013 عن دعمهم مسار التّفاوض الذي لم يؤدِّ إلا إلى ضياع المزيد من الحقوق الفلسطينية وبموازاة ذلك ظهر تقارب رسمي عربي-إسرائيلي لا مسمّى له سوى التطبيع مع الاحتلال، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى جدية المواقف العربية الشاجبة لممارسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة

عقدت الدورة الأربعون لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في كوناكري، عاصمة غينيا، بين 9 و11/12/2013، حيث كان موضوع القدس ضمن أولويات المؤتمر. وقد اعتمد مجلس وزراء الخارجية قرارًا أقر بموجبه خطة عمل قانونية وسياسية مؤلفة من ثلاثعشرة نقطة اقترحتها منظمة التعاون الإسلامي من أجل حمل "إسرائيل" على وقف اعتداءاتها وإجراءاتها غير القانونية.

وتنص الخطة على إنشاء لجنة وزارية في إطار المنظمة لتزاول عملها على وجه السرعة لإيصال رسالة من المنظمة مفادها أن أي مساس بالمسجد الأقصى يعتبر خطًا أحمر لن تسمح به ولن تتسامح بشأنه الأمة الإسلامية مهما كانت العواقب.كما فوّضت الخطة المجموعة الإسلامية في نيويورك للسعي إلى عقد دورة خاصة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة الانتهاكات الإسرائيلية.

 أما على المستوى القانوني، فإن خطة العمل لم تستبعد إمكانية اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية وإلى غيرها من المنابر القانونية الدولية لتحميل "إسرائيل" المسؤولية عن جرائمها وانتهاكاتها.ولعلّ هذا المؤتمر لم يخرج عن سياق المؤتمرات السابقة التي تدين الممارسات الإسرائيلية وترفضها وتصف الخطر المحدق بالقدس والأقصى ومن ثم تهدّد باللجوء إلى المسار القانوني.

وغير بعيد عن هذا المؤتمر، عقدت جامعة الدول العريبة اجتماعًا طارئًا في القاهرة في 21/12/2013 بناء على طلب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "المتفاجئ" ربما من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في ظل المفاوضات والتي تمثّلت بشكل خاص بالإعلان عن مشاريع استيطانية بالتزامن مع الإفراج عن الدفعتين الأولى والثانية من قدامى الأسرى.

وعلى الرغم من تجارب المفاوضات السابقة التي لم تؤدِّ إلا إلى ضياع الحقوق الفلسطينية فإن وزراء الخارجية العرب أبدوا تمسّكًا باستمرار المفاوضات وحمّلوا في بيان لهم الحكومة الإسرائيلية "مسؤولية إعاقة تحقيق السلام من خلال التمادي في قتل أبناء الشعب الفلسطيني وتماديها في مخططات الاستيطان وهدم البيوت والقرى وتهجير السكان والاعتداءات المتواصلة على المسجد الأقصى وتكثيف حصارها على قطاع غزة". والبيان، وإن كان في ظاهره استنكار للممارسات الاحتلالية، إلا أنّتأييده مسار التفاوض الذي تتّخذه "إسرائيل" ستارًا للمزيد من هذه الممارسات، يعكس اتجاه الموقف العربي نحو المزيد من التهالك والتخاذل حيال القضية الفلسطينية برمّتها.

ومظاهر تراجع الموقف العربي(المتخلّف أصلاً) لم تتوقّف عند هذا البيان حيث شهدت فترة الرصد انفتاحًا متزايدًا على التطبيع من خلال مشروعات مشتركة مع الاحتلال.فقد اتفق الأردن و"إسرائيل" على إقامة منطقة صناعيّة مشتركة وصفها وزير التعاون الإقليمي في حكومة الاحتلال سلفان شالوم بأنها بمثابة "شقّ طريق" حقيقي لتعزيز العلاقات بين الأردن و"إسرائيل".

 وستمكّن المنطقة المصنّعين الإسرائيليين من الاستفادة من القوى العاملة الرخيصة نسبيًا في الأردن بغية تسريع وتدعيم الإنتاجبينما تدمغ المنتجات المصنّعة في البضائع بعبارة "صنع في الأردن" ما يعني سهولة تسويقها في العالم العربي مع ما يعنيه ذلك من تغلغل إسرائيلي مبطّن في الأسواق العربية.

وفي 26/11/2013 صادقتاللجنة الوزارية لتطوير الجليل والنقب في حكومة الاحتلال على المشروع الذي سيقام على مساحة 260 دونمًا في الجانب الإسرائيلي و780 دونمًا في الأردن، فيما تبلغ كلفة إنشائه نحو 52 مليون دولار.

وتعتبر هذه المنطقة تعزيزًا لاتفاقية السلام الموقّعة بين الأردن و"إسرائيل" حيث إنها المنطقة الصناعية الأولى بين البلدين منذ توقيع الاتفاقيةعام 1994.

ومن الجدير بالذكر هنا أن رئيس مجلس النواب الأردني رفع مذكرة إلى اللجنة القانونية في مجلس النواب في 12/12/2013 تطالب بإلغاء اتفاقية وادي عربة بعدما تقدّم 13 نائبًا بمذكرة في هذا الصدد.

وقد علّق مسؤول حكومي أردني بالقول إن هذه المذكرة تتعارض مع المصلحة العليا للدولة وإن إلغاءها سيلحق بالأردن خسائر فادحة وضغطًا على موارده كونه سيجبر على رفع ميزانية الدفاع في الوقت الذي يعاني فيه مديونية مرتفعة.

 وإذا سلّمنا جدلاً بأن الأمر كذلك وبأن الرجوع عن الاتفاقية غير ممكن حاليًا فما الذي يبرّر تعزيز العلاقة مع الاحتلال في الوقت الذي يتعدّى فيه على القدس والمقدّسات؟

إذًا، هذا هو مستوى الانسجام والتعاون والانفتاح الذي وصل إليه المستوى العربي الرسمي حيال "إسرائيل" التي تتمادى في انتهاكاتها حيال المقدسيين وعموم الشعب الفلسطيني. ومن الواضح أنّ التقارب العربي مع دولة الاحتلال بذريعة التّعاون الاقتصادي والمخاوف الأمنية المشتركة أو غير ذلك من المسمّيات يقابله ابتعاد عن القضية الفلسطينية وفي القلب منها قضية القدس المحتلة.

وبالتالي، فإن الدول العربية التي اجتمعت تحت عباءة الجامعة العربية مطالبة برفع أي غطاء سياسي عن مسار التّفاوض الذي يبدو متّجهًا نحو إعادة إنتاج المفاعيل ذاتها التي أنتجها اتفاق أوسلو. وبالإضافة إلى ذلك، على الدول العربية والإسلامية الأعضاء في منظّمة التعاون الإسلامي تفعيل الخطوات التي رصدتها المنظمة لمواجهة تهويد القدس، بخاصّة متطلبات مؤتمر المانحين الذي عقد لمصلحة القدس، في أذربيجان في حزيران/يونيو 2013، والاستجابة لمتطلبات الخطة القطاعية لدعم القدس في مجالات الإسكان والتعليم والصحة، لنحافظ على الوجود العربي في القدس، ونقيه خطر التهجير وفقًا لما قالأمين عام منظمة التعاون الإسلامي، أكمل إحسان الدين أوغلو، الذي انتهت ولايته مع انتهاء عام 2013.

دول الاتحاد الأوروبي تتمسّك بالمبادئ التوجيهية المتعلقة بالاستيطان، والرّئيس التشيكي يطرح نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلّة 

شهدت الفترة التي يغطيها التقرير ترجمة عملية لمعارضة دول الاتحاد الأوروبي للاستيطان في القدس والضفة الغربية لا سيما في مواقف بريطانيا وهولندا ورومانيا، وكشف خلال هذه الفترة عن خطاب للرئيسالتشيكي عبر فيه عن استعداده لنقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس، الأمر الذي أثار انتقادات عربية وإسلامية واسعة

في إطار الموقف الأوروبي الرافض للاستيطان في الضفة الغربية، بما فيها شرق القدس،أصدرت شركة "فيتنس"، كبرى شركات المياه في هولندا، بيانًا في 10/12/2013 أعلنت فيه قطع علاقاتها مع شركة "ميكوروت" الإسرائيلية، بسبب الأنشطة التي تقوم بها الأخيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة،بما يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي. وكانت الشركة الهولندية قد وقّعت اتفاقية تفاهم في شهر تشرين ثانٍ/نوفمبر 2013 للتعاون مع "ميكوروت" في تنفيذ مجموعة من المشروعات.

 إلا أن انتقادات عمّت هولندا عشية التحضير لمنتدى هولندي-إسرائيلي يهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين الطرفين اعتراضًا على التعاون التجاري مع شركات مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، ومنها شركة "ميكوروت"، ما دفع "فيتنس" إلى إعادة النظر في اتفاقية التعاون.

وقد استدعت خارجية الاحتلال السفير الهولندي في 11/12/2013 حيث عبّرت الوزارة عن احتجاجها على ما أسمته "تصريحات غامضة" للخارجية الهولندية تشيع من خلالها أجواء مؤيدة لمقاطعة "إسرائيل" في هولندا. وقالت الخارجية إنّ اللغة الغامضة الواردة في بيانات الخارجية الهولنديّة والتي تحذّر من عواقب قانونية قد تنجم عن إقامة أعمال تجاريّة مع "إسرائيل" تغذّي وتشجّع بيئة مؤيّدة لمقاطعتها.

وقد كشفت إذاعة الجيش في 10/12/2013 عن خلاف دبلوماسي بين الحكومة الإسرائيلية ورومانيا على خلفية رفض هذه الأخيرة السماح للعمال الرومانيين العمل في مستوطنات الضفة الغربية.


وكانت المحادثات بين الحكومتين الرومانية والإسرائيلية حول استيراد اليد العاملة من رومانيا قد توقفت عام 2012 ثم استؤنفت بمبادرة إسرائيلية بعد وصول حكومة جديدة إلى الحكم في أيار/مايو 2012. 

وكانت الحكومة البريطانية قد أصدرت توصيات في تشرين ثانٍ/نوفمبر 2013 موجّهة إلى مجتمع رجال الأعمال تحذّر فيها مواطنيها من التعمل التجاري مع أيّ من الأفراد أو الكيانات في المستوطنات الإسرائيلية. وقد حذرت التوجيهات التي نشرت على موقع التجارة والاستثمار البريطاني في 7/12/2013مواطني الاتحاد الأوروبي من الارتدادات السلبية التي قد تلحق بهم من جراء التعاملات الاقتصادية والمالية في المستوطنات الإسرائيلية.

واعتبرت التوجيهات أن كل التعاملات المالية والتحويلات وعمليات الشراء وغيرها من المعاملات الاقتصادية في المستوطنات الإسرائيلية أو تفيد المستوطنات تنطوي على مخاطر قانونية واقتصادية مردها إلى أنّ المستوطنات الإسرائيلية، وفقًا للقانون الدولي، مبنيّة على أرضٍ محتلّة ولم يعترف بها كجزء شرعي من "إسرائيل". وبالمقابل، شدّدت التوصيات على أن الحكومة البريطانية متمسّكة بالعلاقات التجارية مع "إسرائيل" وتعارض مقاطعتها، وهو الأمر الذي يصبّ في سياق الموقف العام لدول الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر احتلال عام 1967 حصرًا غير شرعي مقارنة باحتلال عام 1948 الذي قامت بموجبه دولة "إسرائيل".

في سياق آخر، كشف الإعلام في تشرين أول/أكتوبر عن موقف لرئيس التشيك، ميلوسزيمان، صرّح به في 30/9/2013 ضمن المنتدى السنوي "أيام إسرائيل" في مدينة "هراديككرالوف" التشيكية. وقد قال زيمان إنه عين حكومة لو قيِّض لها أن تستمر لوافقت على دعم فكرة نقل السفارة التشيكية إلى القدس، ولكن نظرًا إلى إجراء انتخابات مبكّرة في 25-26 تشرين أول/أكتوبر، فسينتظر من سيكون رئيس الحكومة ووزير الخارجية القادمين وسيعمل على إقناعهما بدراسة الموضوع.

 وقد وصل زيمان إلى دولة الاحتلال في 6/10/2013 في زيارة استمرت 4 أيام التقى خلالها رئيس دولة الاحتلال ورئيس الحكومة. وذكرت "معاريف" العبرية في 9/10/2013 أن زيمانأبلغ نتنياهو بأنه كان قد عرض نقل السفارة إلى القدس لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت رفضه بسبب "عدم توافر مبنى لهذا الغرض".

 وقد تلقف نتنياهو هذا الموقف وسارع إلى عرض منزله الشخصي ليكون مقرًا للسفارة التشيكيّة.

ولا يخرج هذا الموقف عن السياق العام للموقف التشيكي حيث إن التشيك هي إحدى الدول التسع التي صوتت ضد رفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقب غير عضو في الجمعية العامّة للأمم المتحدة في 29/11/2012 كما أنزيمان كان قد قال في مقابلة مع "يديعوت أحرونوت" إنه على الفلسطينيين عدم التمسك بالعودة إلى الأراضي الفلسطينية الخاضعة للحكم الذاتي الفلسطيني بل سيكون من الأفضل استيعابهم في الدول العربية.

وما من دولة سوى "إسرائيل" تعترف بالقدس عاصمة لها،وإن التّصريحات أو الدعوات إلى نقل سفارة أي بلد إلى القدس تشكل مزايدات سياسية ومحاولات للقفز على الإجماع الدولي في هذا المجال بما يكرس شرعية الاحتلال ويتجاوز الحقوق الفلسطينية الثابتة. وإن انحياز بعض الدول إلى الجانب الإسرائيلي ومحاولة تبنّي مساعي الاحتلال على حساب الحق الفلسطيني يعكس المصالح السياسية الضيقة لهذه الدول التي تسعى إلى تحقيقها من خلال التناغم مع ادعاءات الاحتلال ودعمها.

الانتخابات المحلية في القدس المحتلّة: تمسّك المقدسيّين بالمقاطعة، ونهج بلدي تهويدي يُقرَأ من عنوانه

يحجم المقدسيون عن المشاركة في الانتخابات البلدية منذ احتلال شرق القدس عام 1967 كتعبير عن رفض الاحتلال، وقد أفرزت انتخابات أكتوبر عن إعادة انتخاب نير بركات لولاية ثانية لا يبدو أنها ستكون مختلفة عن الأولى من حيث السياسات التمييزية والتهويدية المتّبعة في

شرق القدس المحتلّة

بصرف النظر عن تدنّي نسبة المشاركة الإسرائيلية في الانتخابات البلدية في دولة الاحتلال، فإن انخفاض هذه النسبة بين المقدسيين خصوصًا، أو انعدامها حتى تكاد لا تتعدى 1%، لا يأتي في إطار تكاسل المقدسيين عن ممارسة حقوقهم المدنية بل هو نهج درجوا على اتباعه منذ احتلت "إسرائيل" القسم الشرقي من مدينة القدس عام 1967. فالمقدسيون، وهم "مقيمون" في مدينتهم بموجب الهويات الزرقاء، يسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات البلديّة حصرًا، ترشّحًا وانتخابًا، ولكّنه "حقّ" زهدوا فيه واستنكفوا عن ممارسته كتعبير عن رفضهم للاحتلال الذي ضمّ مدينتهم ليهوّدها عبر سياسات تبدأ مع السلطة المحلية، ولا تتوقف صعودًا. جرت الانتخابات البلدية في حوالي 200 بلدية إسرائيلية، منها بلدية الاحتلال في القدس، في 22/10/2013. وقد بلغت المشاركة في هذه الانتخابات حوالي 42% من مجمل السكان في دولة الاحتلال، أما في القدس فإن مشاركة المقدسيين، الذين يشكلون حوالي ثلث السكان في المدينة المحتلة، لم تتخطَّ الـ1% في حين وصلت نسبة الناخبين اليهود في المدينة إلى 35%. 

مقاطعة المقدسيين للانتخابات لا تقتصر على الامتناع عن التصويت، بل تشمل الترشّح أيضًا، ولكنّ مرشّحًا واحدًا غرّد خارج سرب المقاطعة فشل في الفوز بعضوية المجلس البلدي. أما في ما عنى رئاسة البلدية، فكان التنافس بارزًا بين مرشحين الأول هو نير بركات، المقرّب من نتنياهو والمدعوم من كلٍّ من أحزاب العمل وميريتس والبيت اليهودي، والثاني هو موشيه ليون، المدعوم بشكل أساسي من أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" والرجل الثاني في تحالف الليكود-بيتنا، بالإضافة إلى أرييه درعي، زعيم حزب شاس اليميني المتطرف.

وقد أقفلت صناديق الاقتراع على فوز بركات بولاية ثانية تستمر 5 سنوات، وفاز بركات بـ51.11% من الأصوات في حين حاز ليون 45.32% منها، لينال المرشح حاييم أبشتاين (مرشح حركة "بني توراه" الحريدية) 3.5% من الأصوات.

في قراءة سياسية لنتائج الانتخابات البلدية، شكّل فوز بركات، أو قل خسارة ليون، صفعة لليبرمان الذي كان يعوّل على فوز مرشحه كي يكسب بعض نقاط القوة تمكّنه من التقدّم على نتنياهو، شريكه في تحالف الليكود-بيتنا. كما أن فوز بركات، بما هو إعادة انتخاب المرشح العلماني، شكّل مرة أخرى تحديًا للتيار الحريدي الذي كان بركات قد هزم مرشحه للانتخابات البلدية عام 2008 ولا شك في أن هذه النتيجة تبيّن تفضيل الناخب اليهودي بشكل عام للمرشح العلماني على المرشح المدعوم من التيارات الحريدية، بالإضافة إلى مساهمة الحريديم أنفسهم في هذه النتيجة من خلال ترشيح أبشتاين، الأمر الذي فرّق أصوات الحريديم دون أن يتمكنوا من إيصال أبشتاين أو ليون إلى رئاسة البلدية.

إن كانت هذه انعكاسات الانتخابات في ما عنى اليهود، فماذا خسر العرب المقدسيون بخسارة ليون وماذا ربحوا من إعادة انتخاب بركات؟ من الناحية العملية، لا شيء في كلا الحالين. فليون، تمامًا كبركات، يؤيد البناء الاستيطاني في القدس حرصًا على أن تبقى المدينة "موحّدة تحت السيادة الإسرائيلية"، أما بركات فقد أعطى مثالًا واضحًا خلال ولايته الأولى عن التمييز الذي تسلكه دولة الاحتلال بمختلف سلطاتها، بحق المقدسيين. وقد يكون صحيحًا أن رئيس البلدية لا يملك التأثير في التوجهات السياسية، إلا أن قراراته متصلة بشكل أساسي بشؤون الحياة اليومية في المدينة المحتلة ولها أثر في التوازن بين العرب واليهود، وذلك من خلال إصدار رخص البناء والتعليم والخدمات العامة، وبنظرة سريعة على السنوات الخمس التي أمضاها بركات في رئاسة البلدية، يمكن القول إن التمييز بين العرب واليهود كان سيد السياسات التي اتبعتها بلدية الاحتلال خلال هذه الفترة سواء في ما يتعلق بقطاع التعليم أو الإسكان أو الصحة أو البنى التحتية وغير ذلك من الخدمات. فعلى سبيل المثال، أشار تقرير نشرته جمعية "عير عميم" وجمعية "حقوق المواطن في إسرائيل" في 2/9/2013 إلى أن المرشّحين البلديّين لا يبدون اهتمامًا بسد الهوّة الهائلة في قطاع التعليم بين مدارس شرق القدس وغربها. وذكر التقرير أنه على الرغم من التصريحات المتكررة التي يطلقها بركات بأن البلدية تحت رئاسته حوّلت الكثير من الموارد لجهاز التعليم في شرق القدس ودفعت باتجاه تقليص الفجوات في هذا القطاع، إلا أنه ومنذ تولى بركات رئاسة البلدية لم يتم بناء أكثر من 150 غرفة صفّية مع أنه ثمة نقص يصل إلى 2200 غرفة صفية.

إذًا، هل سيختلف الوضع في ما عنى المقدسيين بعد فوز بركات بولاية ثانية؟ الجواب البدهي على هذا السؤال ارتسمت معالمه في ولاية بركات الأولى حيث كان قد طالب، على سبيل المثال، بأن تنقل إدارة الأحياء المقدسية الواقعة خارج جدار الفصل العازل إلى الإدارة المدنية للجيش مع ما يعنيه ذلك من فقدان ما يزيد على 50 ألف مقدسي بطاقات الهوية الزرقاء. كذلك برز بركات كأشد المناصرين والعاملين على تعزيز سياسات اليمين الاستيطانية في شرق القدس مع كل انعكاساتها على جغرافية القدس وديموغرافيّتها، كما كان من الداعمين للجمعيات الاستيطانية، كجمعيتي "عطيرتكوهنيم" و"العاد". ولعل إعلانه تأييد خطة حكومية تقضي ببناء 793 وحدة استيطانية في القدس في 11/8/2013 يمكن تصنيفه في إطار الدعاية الانتخابية وتأكيد النهج الذي ينتمي إليه ويعمل على تنفيذه.

وبطبيعة الحال، فإن بركات لن يلعب منفردًا بمستقبل القدس بل سيعاونه مجلس بلدي يضم 31 عضوًا من أهم وجوهه المتطرف أرييه كينغ الذي قاد حملة انتخابية شعارها "هوّدوا القدس" والذي صرّح بعد أن فاز بعضوية كلٍّ من لجنتي البيئة، والطوارئ والأمن، بأنه سيعمل على منع إزعاج الأذان في الليل، وهو الأمر الذي تشاركه فيه يعيل عنتابي التي تعهدت في حملتها الانتخابية بالتصدي "للإزعاج الذي تسببه المآذن في القدس". ويتولى المجلس البلدي وضع الميزانية والخطط البلدية والبرامج التعليمية دون أخذ مصالح الفلسطينيين في القدس بعين الاعتبار.  

وبعيدًا عن انعكاس الانتخابات على حياة المقدسيين، فقد استغل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المناسبة ليصرّح عقب الإدلاء بصوته أن "القدس ستبقى عاصمة إسرائيل" ولن تقسّم طالما استمر في منصبه كرئيس للحكومة. وبالإمكان قراءة هذا التصريح على أنه إشارة للسلطة المحلية بالاستمرار في سياسة التهويد المدعومة من رأس الحكومة، وهو الأمر الذي يعكس الخطر المتصاعد في القدس المحتلة.