أسرى نابلس المجهولون غادروا مدينتهم إلى المؤبدات وبين ناظريهم أمل العودة

رام الله - دنيا الوطن
لم يكونوا كثيري الكلام.. ولم يتقنوا فن اللقاء الخطابات.. آثروا العمل بصمت وتركوا أفعالهم تتحدث عنهم..  لم يسارعوا لتبني العمليات فلم يكن همهم الظهور الإعلامي بقدر ما كان هدفهم العمل وإيقاع الخسائر في صفوف الاحتلال.. اختاروا أهدافا صعبة ونفذوا عملياتهم بنجاح ضد الجنود والمستوطنين.

في هذا التقرير تروي مؤسسة التضامن لحقوق الإنسان حكاية (3 أسرى) من مدينة نابلس يقضون أحكاما بالمؤبدة وهم: الأسير علاء الدين غنيم الذي صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد مرتين و(30 عاما)، ورياض عرفات مؤبدين و(30 عاما)، وعامر الطنبور (26 عاما).

غنيم.. الميكانيكي اليتم

في صبيحة أحد الأيام جلس الأسير علاء الدين جميل غنيم (31 عاما) مع والدته واخبرها أنه اختار المطاردة ولن يسلم نفسه لقوات الاحتلال، فردت عليه: "يا ابني كلها 6 شهور وبتروح".

ذلك الطفل اليتيم الذي لم يحالفه الحظ بانتزاع شهادة الثانوية العامة من بين أنياب الفقر، ليخرج للعمل في كراج لميكانيكا السيارات لمساعدة أسرته المكونة من (7 أشقاء) هو أوسطهم، حيث فارق والده الحياة حين كان عمره (13 عاما).

وتحدث والدته للتضامن فتقول: "بعد اعتقال قوات الاحتلال أصدقائه سهيل وعبد الله القوقا وعامر الطنبور أخبرني علاء بأنه ينوي الهرب من الاحتلال خشية اعتقاله، فقلت له أن القضية لن تتجاوز اعتقال 6 شهور، وكنت أتوقع في حال تم اعتقاله ستكون على خلفية نشاطات عادية".

وتضيف: "منذ تلك اللحظة صار الشك يراودني إلى أن اقتحم جنود الاحتلال منزلنا بتاريخ 6/11/2007 واعتقلوا علاء بعد أن أحدثوا خرابا ودمارا في المنزل، وبعد ذلك اقتيد مباشرة إلى مركز تحقيق الجلمة وبقيت على أعصابي منذ لحظة اعتقاله، وبعد عدة أسابيع رن جرس الهاتف من مركز التحقيق وتحدث معي علاء واخبرني أنه بصحة جيدة غير أنه سيُحكم عليه بالسجن المؤبد، وعلى الفور انهارت أعصابي وأُغمي علي".

منذ تلك المكالمة ظلت والدة علاء على أعصابها (3 سنوات) إلى أن أصدرت النيابة الإسرائيلية لائحة الاتهام بحقه، وبهذا الخصوص تحدثت: "حضرت عشرات الجلسات في محكمة سالم العسكرية رغم منع أولادي لي من حضور عدد منها، خشية من أن يصدر قرار الحكم خلال وجودي في قاعة المحكمة وأصاب بانهيار أمام ابني والقضاة".

وتتابع: "في إحدى جلسات المحكمة أخبرني المحامي بأنه سيتم إصدار الحكم في هذه الجلسة التي ستكون نهائية، وعند نطق القاضي بحكم المؤبدين و(30 عاما) شعرت أن صاعقة من السماء نزلت على رأسي، ولكن سرعان ما تمالكت نفسي من السقوط على الأرض، وبدأت أذكر الله وادعوه أن يثبتني".

عرفات .. الحلونجي الأب

لم يهدأ روع المخابرات الإسرائيلية حتى أكملت عناصر القصة بشخوصها الخمسة والذي كان من بينهم رياض عبد القادر عرفات (38 عاما).

عرفات أكبر أعضاء المجموعة سنا، متزوج وله من الأبناء أحمد وابنتين، ويعمل برفقة والده في محل لصناعة الحلاوة النابلسية، ويحدث شقيقه منار عرفات فيقول للتضامن: "أنهى رياض دراسته الثانوية العامة وامتهن عمل والدي في صناعة الحلاوة والطحينية، ولم يكن يتغيب عن عمله ولا للحظة".

وعن علمية الاعتقال يقول: "بتاريخ 26/10/2007 حضرت قوة عسكرية إلى منطقة المساكن الشعبية واقتحموا منازلنا وكعادتهم شرعوا بأعمال التخريب وطلبوا بطاقاتنا، وعندما تأكدوا من هوية رياض اقتادوه إلى الجيب العسكري ومنها إلى معسكر حوارة لينقل مباشرة إلى أحد مراكز التحقيق".

ويضيف:"بعد أسابيع من اعتقال رياض صدرت لائحة اتهامه التي حوت عددا من البنود من بينها القيام بعمليات عسكرية ومهاجمة مواقع للجيش الإسرائيلي وقتل جنديين إسرائيليين، ومن ثم أصدرت محكمة سالم العسكرية بحقه حكما بالمؤبدين و(30 عاما)".

ويتابع شقيقه: "في كل يوم يستوقفنا أطفال رياض الثلاثة ويسألوننا: متى سيحضر والدنا؟ ومتى سنذهب معه إلى السوق؟ ولماذا لم يعد يحضر لنا الحلاوة من محل جدي؟ وفي هذا الموقف يحتار جميع أفراد العائلة في الرد على تساؤلاتهم".

الطنبور...خياط بالليل ومقاوم بالنهار

ولم تكن عناصر المشهد لتكتمل في أروقة التحقيق الإسرائيلية وإسدال الستار على أبرز مجموعة عسكرية تابعة لحركة حماس عملت في مدينة نابلس خلال الفترة ما بين (2003 وحتى2007) إلا باعتقال عامر علي عبد اللطيف الطنبور (30 عاما) الذي كان يعمل خياطا.

وعن ذلك يحدث شقيقه علام فيقول للتضامن:"بعد اندلاع انتفاضة الأقصى ترك عامر الدراسة والتحق بمهنة الخياطة في مشغل يمتلكه والدي ليصبح من أمهر الخياطين".

وبهذا الخصوص يقول شقيقه: "بعد وفاة والدي كنا ندير معمل الخياطة من بعده، حتى أن جدول الحضور للعمل لم يكن ليسجل يوما أي غياب لعامر، وهذا ما أدهشنا عندما علمنا بانضمامه لهذه المجموعة العسكرية".

ويتابع: "في إحدى الليالي حاصرت قوات كبيرة من جنود الاحتلال عمارتنا في منطقة رفيديا، وعلى الفور جرى تفجير بابها دون أن نشعر بذلك ولم نستيقظ إلا وعشرات الجنود يقفون فوق رؤوسنا ونحن نيام، وكان ذلك بتاريخ 26/10/2007".

"بعد ذلك جمعونا في شقة سكنية من بين (5 شقق) لأبي وإخوتي المتزوجين وقلبوا منازلنا رأسا على عقب بحثا عن أسلحة كما زعموا، وعند انتهاء عملية البحث التي خربوا فيها المنزل، طلبوا منا البطاقات الشخصية، واختاروا من بيننا عامر وأخرجوه إلى ساحة المبنى أسفل العمارة".

ويضيف: "عاد أحد الضباط برفقة مجموعة من الجنود واخبرنا أن "عامر عمل شيئا كبيرا" وانصرفوا على الفور واقتادوه إلى مركز بتاح تكفا ومكث في التحقيق (90 يوما)، ومن ثم علمنا من خلال المحامي الذي كان يزروه بأنهم مارسوا بحقه أساليب تحقيق مختلفة من العنف الجسدي والنفسي".

ويكمل:"بعد الانتهاء من التحقيق بدأت جلسات المحاكمة التي امتدت لعامين، حيث أصدرت محكمة سالم العسكرية بحقه حكما لمدة (26 عاما) فكان صاحب أدنى حكم بين أفراد مجموعته".

عمليات مختلفة

وتشير لوائح الاتهام التي صدرت بحق أفراد المجموعة المكونة من: علاء غانم ورياض عرفات وعامر الطنبور والأخوين سهيل وعبد الله القوقا، إلى أنهم قاموا بسلسة عمليات إطلاق نار استهدفت المواقع العسكرية والحواجز المحيطة بمدينة نابلس بتدقيق محكم ومدروس وغاية في السرية والكتمان.

وبينت اللوائح التي صدرت عن النيابة الإسرائيلية أن المجموعة استهدف موقعا عسكريا في قرية تل جنوب مدينة نابلس، حيث كانت أولى العمليات التي نفذوها في عام 2003، واستأنفت المجموعة عملياتها بإطلاق النار على الدوريات الإسرائيلية في محيط مقبرة نابلس الشرقية، وكذلك الاشتباك مع قوة عسكرية قرب الاطفائية وسط المدينة.

وتدرجت العمليات تباعا فكانت عمليتي إطلاق النار على حاجز عورتا شرق المدينة ومن ثم حاجز بيت ايبا في المنطقة الغربية وذلك في عام 2005، تلتها استهداف قوة عسكرية راجلة في منطقة سهل عسكر في الناحية الشرقية.

ورغم حجم التعقيدات الأمنية والتشديدات المحيطة بمدينة نابلس في تلك الفترة، إلا أنهم استطاعوا الوصول بسلاحهم إلى مفرق مستوطنة "تفوح" قرب حاجز زعترة، ونصبوا كمينا محكما على هيئة حاجز عسكري مرتدين لباس الجيش الإسرائيلي، ومع قدوم أول مركبة للمستوطنين أمطروها بالرصاص من نقطة الصفر أدت لمقتل (2) من المستوطنين وجرى انسحابهم من منطقة العملية.