محمود الهباش ،،، لا مساومات

محمود الهباش ،،، لا مساومات
الكاتب: حامد حج محمد

ربما لا يخفى على أحد قوة الدكتور محمود الهباش الفكرية والدينية، وربما أيضاً لا يختلف اثنان أن هذا الرجل وفور وصوله إلى وزارة الأوقاف والشؤون الدينية قلب كل كياناتها، قلّمها كما تقلَّم الأشجار، وتعهدها كما تتعهد النبتة الطيبة في الأرض، كانت مشوشة فوضوية قراراتها غير مدروسة، وكانت المساجد بعيدة عن الوزارة وتوجهاتها وأفكارها، مساجد مقسّمة حسب ألوان الطيف الفصائلي، منابر عائلية وأخرى سياسية ممنهجة هدفها التنظير لفئة محددة من فئات المجتمع، ربما هذا لا يخفى على أحد ودور الوزير الهباش في الرقيّ قدماً بهذه الوزارة الحساسة نحو المظلة الدينية المحيّدة بات واضحاً للقاصي والداني، تلك المظلة التي تتخذ من قرارات الوزارة وتعليماتها منهجاً حرّاً واضحاً، شعاره أن المسجد للعبادة وحب الله والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، ناهيك عن الوعظ الديني وحماية القيم الدينية والوطنية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ليس ما جرى من ترتيبات وزارة الأوقاف موضوع مقالي هذا، لكنها مقدمة عن عمل الوزارة في ظل وزير قويّ ساهم في بناء وزارته بكل ثقة ومسؤولية نحترمها ونجلّها، في وقت حرج كما هو وقتنا الفلسطينيّ في معظم الأزمان، لكن موضوعي الذي أود التأكيد عليه مجدداً كما أكدت عليه في مقالين اثنين سابقين تطرقت فيهما للوزير محمود الهباش، وحاولت قدر الإمكان سرد ما جرى ويجري معه في الموضوع السياسي الفلسطيني، ولا أجد حرجاً في إطلاع القارئ الكريم على الفكرة في كل مقال وما رافقها من تحليلات وأحداث جرت وتجري، لأختم رؤيتي وتحليلاتي حول شخص الوزير الهباش ومواقفه السياسية في هذا المقال، والذي أعتبره المقال الثالث والأخير في فكرتي المطروحة حول الجانب السياسي للوزير الدكتور محمود الهباش.

في مقالي الأول تطرقت إلى الدور التاريخي الذي لعبه محمود الهباش في الدفاع عن السيد الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية في وقت خبت فيه الأصوات وتلاشت فيها المواقف البطولية، سوى موقف الهباش وقلة قليلة دافعت عن قيادتنا في أصعب المواقف، وربما كان الهباش صاحب الصوت الأقوى والأعنف نظراً لموقعه الديني الذي صدحت فيه حنجرته مدافعة عن الرئيس والقيادة من على منابر المساجد، وخصصت بذكر مسجد التشريفات في المقاطعة، وتطرقت إلى المعارك العنيفة التي خاضها الدكتور الهباش في مواجهة كل من حاول التخلص من قيادتنا الفلسطينية وكيل الاتهامات لها في ذلك الوقت الحرج والحساس، وانتصر الهباش عليهم مراراً بلسان الحق والمنطق، كما تطرقت في ذات المقال إلى محاولات التشويه المتكررة التي استهدفته لأنه مثل الدرع والسيف للقيادة الفلسطينية في ظروف أنشبت أظفارها في قضيتنا وكادت تعصف بها نحو المجهول.

انتهى مقالي الأول وحدث ما حدث بعده مباشرة من إطلاق النار على مكتب الوزير في رام الله، وصدقت تنبؤات المقال بأن جهات ما قد تستهدف الوزير لأنه شكّل ويشكل الخطر عليها بدفاعه عن القيادة والرئيس عباس في كل المواقف والمراحل، وما هي إلا أيام حتى قدمت للقارئ الكريم مقالي الثاني، وكان المقال مختلفاً ومختصراً، تحدث المقال عن جوانب في شخصية الهباش لمستها بشكل مباشر، لأنه جاء بعد لقاء جمعني به بعد عملية إطلاق النار عليه، ضمن وفد مثل منطقتنا التنظيمية في حركة فتح الذي زار الوزير بعيد إطلاق النار على مكتبه، حددت في مقالي أن الوزير فاجأني بشخصيته السمحة الطيبة، والتي تترافق مع شخصيته القوية وشراسته في المواجهة أمام الأعداء والمزاودين، وإصراره على قول كلمة الحق رغم المؤامرات والاستهداف، وذكرني وذكّر الوفد في اللقاء أنه مشروع شهادة، وأن دمه ليس أغلى من دماء الشهداء جميعاً، وأنه اختار هذا الطريق بقناعة ورغبة دينية ووطنية، ولن يتراجع عنه حتى يتحقق حلم كل فلسطيني بالدولة والعودة.

ربما ما كان من الوزير الهباش في الفترة الأخيرة واللقاءات والمقابلات التي أجراها لتدل أنه رجل لا يخشى إلا الله، ويصرّ على كلمة الحق التي يؤمن بها، أعتقد جازماً أن شخصيته الصريحة الواضحة هي معيار نجاحه، هو الوزير الذي افتخر دوماً بماضيه وتاريخه، افتخرَ أنه عمل سائق تكسي أجرة في مخيم النصيرات للاجئين في قطاع غزة، وافتخر قبلها أنه عانى وأهله معاناة اللاجئين في المخيمات، وتتلمذ في مدرسة المعاناة الفلسطينية الطويلة التي رسمت في داخل كل فلسطيني حب العودة والرجوع، والإصرار على حلم اللاجئين، ومعاناة كل الفلسطينيين من الاحتلال الطويل.

إن بناء شخصية محمود الهباش لم تكن وليدة اللحظة والمرحلة البسيطة، إنها تراكمية من العمل والصبر والجهد، لقد تحدث في أكثر من لقاء أن الإنسان الذي يعرف الحق ويتبعه سيكون منتصراً، وضرب مثلاً بالدكتور يوسف القرضاوي، ذلك العلّامة الكبير الذي استطاع الدكتور الهباش أن يردَّ عليه بالحجة والبرهان، لأنه (أي القرضاوي) حاد عن الحق وقرر أن يكون شيخ جماعة بدل أن يكون شيخ أمة، وعندما هفا القرضاوي وهو صاحب العلم الواسع تغلب عليه الهباش، لأن معايير وجهات النظر المختلفة مرجعيتها رأي الشرع والدين، ومن يحاول توظيفه الدين لخدمة قضية ما يسقط..!

الهباش ذكّر الجميع أن محاولات تسييس الإسلام تسقط أكبر العلماء في براثن الخطأ والعار، لأنه يرى أن الإسلام هو المرجعية الحقيقية لكل حياتنا، ولا يجب أن ننزله إلى أية منزله أخرى من أجل أهدافنا السياسية ومصالحنا الخاصة، حتى لو كانت مصلحة تنظيم وجماعة أو قيادة دولة.

أنا (بشكل شخصي) تعلمت من الدكتور الهباش الكثير، تعلمت أن الإنسان يدفع ثمن نجاحاته ودفاعه عن الحق والمنطق الكثير، وبخاصة إذا تعلّق الأمر بالدفاع عن المنظمة التي ولدت لتكون حامية للمشروع الفلسطيني منذ انطلاقتها وانطلاقة شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة، تعلمت أن الرد على مشاريع الخيانة الكبرى للقضية يكون عنيفاً، تعلمت أن الإنسان يدفع حساب مواقفه لأعداء يعرفهم ولا يعرفهم، لا أنكر أنني تعلمت ضرورة أن يكون الإنسان قويّ الحجة والبرهان والثقافة، لأن القويّ المتعلم هو الذي يستطيع هزيمة أعداءه بحجته وبيانه، ناهيك عن أهمية الثقافة الدينية، والتمكن من آيات الله تعالى وتفسيرها ودلالاتها وأحاديث نبيه –صلى الله عليه وسلم- لأن رأي الدين وحكم الشرع هو الأساس لكل الآراء والمرجع لكل السياسات.

أمر آخر في شخصية الدكتور الهباش، هو حديثه عن رجل تعلّم منه ووثق به ثقة مطلقة، إنه الرئيس محمود عباس، رئيس دولة فلسطين، تحدث الهباش عنه بكل احترام وتقدير، وقال إنه رجل أنصِفت به القضية الفلسطينية، بحنكته ووطنيته، وقال إن تجربته معه لن تنسى وهي أجمل المراحل في حياة الدكتور الهباش.

في آخر الأمر أخرج للقارئ الكريم باكتشافات معينة حول شخصية الدكتور الهباش السياسية وربما شخصيته بشكل عام، وأنا على يقين أن الكثيرين من أبناء مجتمعنا الفلسطيني قد تأثر بقوة الاستهداف وحملات التشهير (الذكية) ضد هذا الوزير وغفل عن الميزات التي أعتقد أن المتتبع لهذا الوزير والمسؤول الفلسطيني يستطيع سبر غورها واكتشافها:

1- الدكتور الهباش يحقق فكرته ورؤيته الخاصة من خلال عمله في وزارة الأوقاف (الجانب العملي والديني في حياته)، كما يعبّر عن مواقفه السياسية المدافعة عن القضية الفلسطينية والقيادة (الجانب الأخلاقي والقيادي).

2- الدكتور الهباش يؤمن بالحوار ويدعو دوما لتحقيق الوحدة ورص الصفوف من أجل تحقيق القوة والمنعة الفلسطينية الداخلية وليس كما صورته بعض المقالات والأخبار المشبوهة التي سبق الإشارة لها.

3- الدكتور الهباش رغم حجته القوية وشخصيته الصُلبة إلا أنه متسامح، قال لمن أطلق عليه النار في أكثر من لقاء رغم جهله به: سامحه الله ..! وهذه المسامحة عندما تأتي من شخص قوي في الرد وإبراز الحجج فإنها تدل على السمو الأخلاقي والتركيز في العمل بدلاً من الانشغال في مماحكات وعداءات لا تسمن ولا تغني من جوع.

4- الدكتور الهباش لا يعتبر أنه على خلاف مع أي شخص أو فصيل أو هيئة، ويحب دائماً أن يفرّق بين الخلاف السياسي والشخصي، وأكدّ مراراً أن خلافه مع حماس وحزب التحرير وبعض الفصائل لم يكن يوماً شخصياً، وأنه يحترم أصول الخلاف بعدم التجريح وشخصنة الخلافات لأنها غير إنسانية ولا دينية وهذه ميزة مهمة (لمن يمتلكها..!)

أخيراً أيها القارئ الكريم أود تذكرك بأمر هام، أن مقالاتي الثلاث التي كتبتها في وزير الأوقاف الفلسطيني ما كانت لتتأتى لولا الثقة والصدق وضرورة قول كلمة حق فيه، ربما لا تعجب من يسعى جاهداً لمحاربته، وإنني حاولت تشخصي الوقائع والأمور من وجهة نظري المتواضعة، وأجزم لقارئي الكريم أن مقالاتي الثلاث كانت إيماناً صادقاً مني لرجل آمن بفكرة وسعى لتطبيقها، أحترمه وأحترم أمثاله ممن امتلكوا الرؤيا الواضحة في الحياة، وصححوا أخطاءهم واعترفوا بها في مرحلة من المراحل، هؤلاء من يستحقون الحب والتضحية، والتكريم والشكر، هؤلاء من كان شعارهم :”لا مساومة” لا مساومة على الحق، لا مساومة على القضية، لا مساومة على القيادة المتمسكة بالثوابت، لا مساومة على الدين والشريعة، آمن وغيره ممن امتلكوا صفاته بشعار واضح طبقوه ،،، لا مساومات.