الرأي القانوني في فصل أحدى الصحفيين من النقابة
كتب الدكتور خالد علي القيق
كثر في الفترة الأخيرة التراشق الكلامي أو التشهير والسب والقذف والطعن والخدش في الأعراض والسمعة بين الصحفيين عبر وسائل الإعلام المختلفة واتخذت قرارات فصل بحق صحفيين من النقابة مما يستوجب منا توضيح بعض الأمور التي تتعلق بالعمل الإعلامي ، وصحة بعض الإجراءات التي اتخذت من قبل نقابة الصحفيين ولذلك يجب بداية الإشارة لبعض الأمور باختصار وهي:
- يجب أن تكون الصحافة حرة ولكن يجب أن تكون مسئولة
- ليس هناك امتياز أو حصانة للصحفيين في معظم القوانين الدولية
- يجب العلم أن هناك قانون ينظم العمل الصحفي في فلسطين كباقي المهن مبينا ما يعتبر من قبيل الجرائم مثل الأقوال أو الكتابات أو الأخبار أو كل ما ينشر عبر وسائل الإعلام كما يبين ما هو المسموح مما ذكر كما أنه ينظم العلاقة ما بين الصحفيين وغيرهم من مؤسسات وأفراد وبين الصحفيين أنفسهم
- هناك أحكام خاصة إجرائية وموضوعية فرضها المشرع في القانون للصحفيين (ومنها أنه أجاز للصحفي النقد المقترن أحيانا بعبارات جارحة خادشة للسمعة ، الطعن في الموظف العام والشخصيات العامة ، حق نشر الأخبار، ومنها أيضا أنه لا يجوز القبض على الصحفي من قبل الشرطة أو تفتيش مكتبه أو تفتيشه آلا من قبل النيابة العامة كما منع الحبس الاحتياطي كما لا يجوز التحقيق معه آلا بعد إبلاغ نقيب الصحفيين .....
- يجب العلم أن القانون الفلسطيني المنظم للعمل الصحفي يعتريه القدم ولم يواكب الحداثة والتطور ونطاق الحرية الإعلامية به ضيق ويتميز بكثرة القيود
-المنهاج التعليمية في الجامعات ذات العلاقة بالعمل الإعلامي أن كان ذلك في كليات الحقوق أو كليات الإعلام فهي منهاج غير سليمة أو صحيحة وبحاجة للتطوير كما يجب إضافة مساقات إضافية لكلا الكليتين وإيجاد المحاضر القادر على العطاء والمحب لمهنة الصحافة
أما بخصوص رأينا القانوني في قضية فصل أحدى الصحفيين من نقابة الصحفيين فهو كالتالي:
لكن بداية يجب توضيح ما حدث حتى نستفيد جميعا ونحمي أنفسنا من الوقوع بأخطاء قانونية نحن بغنى عنها كنقابة أو صحفيين أو مؤسسات حكومية أو خاصة
لقد قام أحدى الصحفيين بنشر عبارات مشينة لصحفي أخر عبر وسائل الإعلام تنطوي على معنى القذف (وتعتبر المادة التي نشرت مكونة قذفا إذا أسند فيها الصحفي إلى شخص ارتكاب جريمة أو سوء تصرف في وظيفة عامة أو أي أمر من شأنه أن يسئ إلى سمعته في مهنته وصناعته أو وظيفته أو يعرضه إلى بغض الناس أو احتقارهم أو سخريتهم) ويعرف القذف أيضا حسب القانون الفلسطيني على أنه ( إسناد مادة معينة إلى شخص ولو في معرض الشك والاستفهام من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا )
هنا يثار السؤال التالي هل ما قام به الصحفي مباحا قانونيا حسب القانون أو أن الصحفي مارس حقه القانوني حينما نشر العبارات التي تنطوي على القذف وهل يبيح القانون للصحفي الطعن بأي شخص أن كان فردا عاديا أو مسئولا؟
بداية القانون لا يجيز أو يبيح الطعن أو التشهير في حق الأفراد أنما أجاز أو أباح القانون المساس أو الطعن في الموظف العام أو الشخصيات العامة ولكن دون المساس في الحياة الخاصة فالطعن يجب أن يتعلق بواجبات الوظيفة أو العمل أما الحياة الشخصية مثل الأمور العائلية كالزواج والطلاق والعلاقات مع الجيران والأصدقاء لا يجوز الطعن فيها أما إذا كانت العلاقة بين الحياة الخاصة والعامة وثيقة الصلة فأنه يباح الطعن فيها مثل أن ينسب إلي شخص رئيس مصلحة أو شخصية عامة أنه على علاقة شخصية مع زوجة أحدى مرؤوسيه ولذلك حاباه في ترقيته ولذلك لا مانع من اشتمال المقال الواحد وما يتبعه من رسم وغيره على عبارات يكون الغرض منها الدفاع عن مصلحة عامة وأخرى يكون القصد منها التشهير، والمحكمة في هذه الحالة أن توازن بين القصدين وتقدر أيهما كانت له الغلبة في نفس الطاعن أي بنفس الصحفي هل كان غرضه وقصده تحقيق المصلحة العامة أم الغرض هو إشباع ضغائنه وأحقاده الشخصية ، ولا محل للقول بأن الصحفي حسن النية وإلا لاستطاع الكاتب أو الصحفي تحت ستار الدفاع ظاهريا عن مصلحة عامة مزعومة أن ينال من كرامة الموظف العمومي ما شاء دون أن يناله القانون بعقاب ما
للعلم أيضا أن أباحة القذف أو كما يسميه الصحفيين التشهير لا يجوز حسب القانون الفلسطيني والقوانين العربية ألا بالموظف العام أي موظف السلطة ومن يكلف بخدمة عامة من قبل السلطة بمعنى أن يعمل تحت أشرافها كما يجب أن يكون معلوما أن القانون أجاز القذف ومنع عقاب القاذف أي الصحفي حسب شروط معينة وهي أن يكون القاذف غرضه من النشر الذي ينطوي علي عبارات التشهير تحقيق المصلحة العامة وأن يثبت صحة ما ذكره أو ما قذف به وإذا فشل في أثبات ذلك يعاقب
وهنا يثار تساؤل أخر هل المطعون به موظف عام ليباح الطعن به كون القانون أجاز الطعن فقط في حق الموظف العام؟
الجواب فأنه حسب المعمول به في المحاكم الفلسطينية وحسب نصوص القانون الفلسطيني فأنه لا يعد موظفا عاما كونه يعمل في مهنة خاصة والقذف وجه إليه بسبب هذه المهنة الخاصة وبسبب عمله النقابي ولذلك يتوجب على الصحفي إذا كان لديه معلومات حول سلوك ذلك الشخص التوجه للنيابة أو أحدى رجال القانون المختصين والإبلاغ عما لديه من معلومات وهذه الجهات المختصة تقوم في دورها حسب القانون بالتحري والتأكد من المعلومات دون المساس بسمعة المطعون به حتى تتأكد من المعلومات ولو تبين لها أن المعلومات كيدية فأن المدعي أن كان صحفي أو شخص عادي يعاقب بتهمة إزعاج السلطات أو تهمة بلاغ كاذب، ولو افترضنا أننا في بلد يعترف بالطعن بكل شخص يعتبر من قبيل الشخصيات العامة وهذا المفترض أن يعمل به في قانوننا فمن المفترض حينها علي الصحفي أو الطاعن أن يثبت صحة ما طعن به وهذا الشرط بالذات لم يحابي به القضاة المصري الصحافة أبدا حتى لا تتخذ حرية الصحافة ستارا لترويج الأباطيل والأوهام وخداع الجمهور وتضليل الرأي العام خدمة لأغراض خاصة وتحقيقا لربح خاص، والشرط الثاني أن يثبت أيضا أنه كان يستهدف تحقيق المصلحة العامة (للعلم الشخصيات العامة حسب ما يطالب به أصحاب نظرية الامتياز الخاص للصحفيين والذي رفضت أغلب الدول تطبيقه في قوانينها: هي كل شخص يؤدي خدمة عامة بقطع النظر عن قلة أهمية هذه الخدمة في سلم التدرج الوظيفي كما يعتبر من قبيل الشخصيات العامة كل شخص يكون في مركز يسمح له بالتأثير بشكل ما في البث بمسائل تتصل بالمصلحة العامة للجمهور كما تتحقق صفة العمومية علي عمال
الحكومة على مختلف درجات وظائفهم كما تتحقق أيضا في كل شخص يكون له دور قيادي بارز في المجتمع أو كان له دور ايجابي أو سلبي ملحوظ في شأن مسألة خلافية شغلت الرأي العام وتتحقق صفة العمومية على رؤساء مجالس إدارة الشركات الخاصة ورؤساء النقابات المهنية والشخصيات الحزبية والشخصيات التي تكتسب شهرة عامة لدى الجمهور في مجال الرياضة والفنون والآداب والعلوم السياسية كما تتحقق هذه الصفة في بعض أفراد الناس التي تحاول التأثير في أمور خلافية تثير اهتمام الجمهور، ففي هذه الحالة يكون ذلك الشخص أقحم نفسه في نقاش قضايا عامة تهم الناس من أجل التأثير في حل المشكلات التي تثيرها هذه القضايا كما تتحقق صفة العمومية في كل شخص يتصدى لقيادة الناس أو إرشادهم أو العمل باسمهم في أمر من الأمور العامة)
ثانيا/ هل الصحفي أستهدف المصلحة العامة حينما قام بالطعن في المجني عليه؟
الجواب لا لأن المعلومات تفيد أن هناك خلاف بين الصحفي والمطعون به حول مواضيع تتعلق بالعمل الصحفي وعلى الطاعن أن يثبت عكس ذلك ( وللعلم أن هذا الخلاف بسيط جدا وكان من الممكن تجاوزه)
أذن يتبن لنا مما تقدم أن ما قام به الطاعن غير قانوني وغير مباح وممكن مقاضاته من قبل المطعون به أمام المحاكم بتهم القذف والسب والتي تصل عقوبته ثلاثة سنوات آلا إذا قام بإثبات صحة ما طعن به
أما بالنسبة لفصل الصحفي الذي قام بالطعن من نقابة الصحفيين
السؤال الذي يثار هل الإجراءات التي اتخذت كانت سليمة وهل النقابة طبقت القانون ؟
الجواب لا فلقد شاب اتخاذ القرار بعض العيوب رغم أن الصحفي الطاعن أساء لزميله ومس كرامته وسمعته وحسب القانون الفلسطيني فهو مدان
وعند سؤالي لنقابة الصحفيين عن كيفية اتخاذ القرار أبلغوني أن الصحفي المطعون به تقدم بشكوى لنقابة الصحفيين تفيد بأن الصحفي الطاعن قام بالتشهير به عبر وسائل الإعلام فقامت النقابة بالاتصال بالمرجعيات الإعلامية للطاعن والحديث معها ومطالبتها بأن يتوقف الطاعن عن نشر العبارات التي تنطوي على القذف عبر وسائل الإعلام فكان الرد ثاني يوم برفض الطاعن بالتوقف ومسح ما نشره على صفحته عبر الفيس بوك فقامت النقابة بفصله من النقابة وذلك حرصا منها على حماية سمعة أعضائها وهذا يعد من أحدى مهامها حسب قانون النقابة
وللعلم أن الطاعن ذكر في لقاء عبر أحدى الإذاعات أنه طلب منه مسح ما نشر ولكنه يرفض ذلك وكرر الاتهامات نفسها للمطعون به والتي كانت حادة جدا وتدور حول عشرة اتهامات وهنا للعلم أنه يتوجب على الطاعن أثبات كل التهم أمام المحكمة ولا يفيده أثبات أحدى التهم ليتبرأ من الباقي(فالحذر أيها الصحفي من الانفعال وأنت تكتب) أذن النقابة أبلغت كما سمعت منها الطاعن عبر جهات رسمية ولكن هذا حسب اعتقادي لا يصحح من طبيعة الإجراء الخاطئ التي اتخذته النقابة فالمفترض أن يتم تشكيل لجنة تحقيق وإبلاغ الطاعن بالمثول أمامها وإذا رفض
الحضور أن تتخذ النقابة حسب القانون القرار المناسب أن كان الفصل من النقابة أو الإنذار وهذا لا يمنع الشخص المطعون به من التوجه للمحكمة إذا كان الضرر الذي أصابه في سمعته وكرامته وماله كبير ولكن يشترط أن يحصل علي أذن من النقابة يسمى (أذن الخصومة)
أن مهام وأهداف نقابة الصحفيين صيانة حرية الرأي والتعبير والالتزام بآداب المهنة وأخلاقياتها والارتقاء بمستوى المهنة والدفاع عن حقوق الصحفيين وحمايتهم من التعرض للمضايقات والانتهاكات والدفاع عن مصالحهم المعنوية والشخصية والمهنية وذلك حسب المادة (8) من قانون النقابة كما تنص المادة (16) من نفس القانون على التزام العضو بأهداف النقابة وبشروط العضوية ونظامها الداخلي والامتناع عن نشاط يعرض نزاهة الصحفي للانتقاص كما عليه الالتزام عن أي أمر غير لائق وعليه أيضا المحافظة على شرف المهنة وأخلاقياتها مع الزملاء والجمهور وعليه أيضا بنشر الحقيقة وبتصحيح الأخبار عندما يتضح له عدم صحتها
أخيرا يجب العلم أن من أقر القانون لمهنة الصحافة لتنظيم عملها يعلم جيدا الأساليب التي ممكن أن تستخدم في كتابة الخبر أو بالنشر وبناءا على ذلك فأنه يتحقق الإسناد أو الطعن سواء كانت نسبة الواقعة أو الأمر إلى المجني عليه بصيغة كتابية توكيدية أو إذا كان بصيغة تشيكية من شأنها أن تلقى في أذهان الجمهور عقيدة ولو عاجلة أو ظنا أو احتمالا ولو وقتية في صحة الأمور المدّعاة ويستوي أن يسند الجاني الواقعة إلى المجني عليه باعتبارها من معلوماته أو أنه يعلم بموضوع الأمر الشائن الذي ينسبه إلى المجني عليه أو أن يردد هذا الأمر عن طريق الراوية عن الغير أو يردده على أنه مجرد إشاعة ، ولا يعفي الجاني من المسئولية إذا ذكر الخبر مقروناً بقوله "والعهدة على الراوي" ويستوي أن يكون الإسناد صريحا أو ضمنيا وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية إذ « لا عبرة بالأسلوب الذي تصاغ فيه عبارات القذف فمتى كان المفهوم من عبارة الكاتب أنه يريد بها إسناد أمر شائن إلى شخص المقذوف بحيث لوضح ذلك الأمر لأوجب عقاب من اسند إليه أو احتقاره عند أهل وطنه ، فان ذلك الإسناد يكون مستحق العقاب أيا كان القالب أو الأسلوب الذي صيغ فيه » كذلك لا عبرة بالأسلوب
الذي تصاغ فيه عبارات القذف طالما أنه يثير لدى القارئ الشك في شرف المجني عليه وهذا ما أكدت عليه محكمة النقض المصرية بقولها « المداورة في الأساليب الإنسانية بفكرة الفرار من حكم القانون لا نفع فيها للمداورة ما دامت الإهانة تتراءى للمطلع خلف ستارها وتستشعرها الأنفس من خلالها وإنما تلك المداورة مخبثة أخلاقية شرها أبلغ من شر المصارحة، فهي أجدى منها بترتيب حكم القانون» وان كان الإسناد يتحقق في جريمة القذف بالذم والتحقير فأنه يتحقق بالمدح والتعظيم وذلك حينما تكون العبارات في موضع لا يحتمل التعظيم أو الإجلال بل يكون المقصود من هذه العبارات التهكم، إذن نستطيع القول أنه لا أهمية للأسلوب المستخدم في القذف والذي يحاول الجاني استخدامه للتهرب من العقاب ولكن العبرة في مفهوم العبارات التي يستخدمها الجاني فإذا أراد من وراءها إسناد أمر أو واقعة شائنة بحق شخص فان ذلك الإسناد يكون معاقب عليه.
أما محاولة عدم تحديد اسم المطعون به لتهرب من المسئولية فهذا لا يفيد الصحفي حيث لا يشترط القانون تحديد الاسم بالكامل حتى تسند الجريمة لمرتكبها بل يكفي ذكر الأحرف الأولى من الاسم أو تحديد مهنته أو وظيفته أو طبيعة عمله أو بأي وسيلة يستدل عليه المخاطب من المقال وهذا ما حكمت به محكمة النقض المصرية بقولها( أنه يكفي لوجود جريمة القذف أن تكون عباراته الموجهة على صورة يسهل معها فهم المقصود منها ومعرفة الشخص الذي يعنيه القاذف فإذا أمكن للمحكمة أن تدرك من فحوى عبارات القذف من هو المعني به استنتاجا من غير تكلف ولا كبير عناء وكانت الأركان الأخرى متوافرة حق العقاب على الجريمة ولو كان المقال خلوا من ذكر اسم الشخص المقصود) وللعلم لا يشترط أن يكون تحديد الشخص المعني أي المطعون به ممكنا بالنسبة للناس كافة بل يكفي أن تتمكن طائفة معينة من الناس التعرف عليه
بالنهاية أتوجه إلي الزملاء الصحفيين بكل التحية وأطالبهم بالحذر عند الكتابة والنشر كما أتوجه للزميل الذي تم فصله بتقديم طعنا بالقرار لعدم صحة الإجراءات المتبعة بإصداره
كثر في الفترة الأخيرة التراشق الكلامي أو التشهير والسب والقذف والطعن والخدش في الأعراض والسمعة بين الصحفيين عبر وسائل الإعلام المختلفة واتخذت قرارات فصل بحق صحفيين من النقابة مما يستوجب منا توضيح بعض الأمور التي تتعلق بالعمل الإعلامي ، وصحة بعض الإجراءات التي اتخذت من قبل نقابة الصحفيين ولذلك يجب بداية الإشارة لبعض الأمور باختصار وهي:
- يجب أن تكون الصحافة حرة ولكن يجب أن تكون مسئولة
- ليس هناك امتياز أو حصانة للصحفيين في معظم القوانين الدولية
- يجب العلم أن هناك قانون ينظم العمل الصحفي في فلسطين كباقي المهن مبينا ما يعتبر من قبيل الجرائم مثل الأقوال أو الكتابات أو الأخبار أو كل ما ينشر عبر وسائل الإعلام كما يبين ما هو المسموح مما ذكر كما أنه ينظم العلاقة ما بين الصحفيين وغيرهم من مؤسسات وأفراد وبين الصحفيين أنفسهم
- هناك أحكام خاصة إجرائية وموضوعية فرضها المشرع في القانون للصحفيين (ومنها أنه أجاز للصحفي النقد المقترن أحيانا بعبارات جارحة خادشة للسمعة ، الطعن في الموظف العام والشخصيات العامة ، حق نشر الأخبار، ومنها أيضا أنه لا يجوز القبض على الصحفي من قبل الشرطة أو تفتيش مكتبه أو تفتيشه آلا من قبل النيابة العامة كما منع الحبس الاحتياطي كما لا يجوز التحقيق معه آلا بعد إبلاغ نقيب الصحفيين .....
- يجب العلم أن القانون الفلسطيني المنظم للعمل الصحفي يعتريه القدم ولم يواكب الحداثة والتطور ونطاق الحرية الإعلامية به ضيق ويتميز بكثرة القيود
-المنهاج التعليمية في الجامعات ذات العلاقة بالعمل الإعلامي أن كان ذلك في كليات الحقوق أو كليات الإعلام فهي منهاج غير سليمة أو صحيحة وبحاجة للتطوير كما يجب إضافة مساقات إضافية لكلا الكليتين وإيجاد المحاضر القادر على العطاء والمحب لمهنة الصحافة
أما بخصوص رأينا القانوني في قضية فصل أحدى الصحفيين من نقابة الصحفيين فهو كالتالي:
لكن بداية يجب توضيح ما حدث حتى نستفيد جميعا ونحمي أنفسنا من الوقوع بأخطاء قانونية نحن بغنى عنها كنقابة أو صحفيين أو مؤسسات حكومية أو خاصة
لقد قام أحدى الصحفيين بنشر عبارات مشينة لصحفي أخر عبر وسائل الإعلام تنطوي على معنى القذف (وتعتبر المادة التي نشرت مكونة قذفا إذا أسند فيها الصحفي إلى شخص ارتكاب جريمة أو سوء تصرف في وظيفة عامة أو أي أمر من شأنه أن يسئ إلى سمعته في مهنته وصناعته أو وظيفته أو يعرضه إلى بغض الناس أو احتقارهم أو سخريتهم) ويعرف القذف أيضا حسب القانون الفلسطيني على أنه ( إسناد مادة معينة إلى شخص ولو في معرض الشك والاستفهام من شأنها أن تنال من شرفه وكرامته أو تعرضه إلى بغض الناس واحتقارهم سواء أكانت تلك المادة جريمة تستلزم العقاب أم لا )
هنا يثار السؤال التالي هل ما قام به الصحفي مباحا قانونيا حسب القانون أو أن الصحفي مارس حقه القانوني حينما نشر العبارات التي تنطوي على القذف وهل يبيح القانون للصحفي الطعن بأي شخص أن كان فردا عاديا أو مسئولا؟
بداية القانون لا يجيز أو يبيح الطعن أو التشهير في حق الأفراد أنما أجاز أو أباح القانون المساس أو الطعن في الموظف العام أو الشخصيات العامة ولكن دون المساس في الحياة الخاصة فالطعن يجب أن يتعلق بواجبات الوظيفة أو العمل أما الحياة الشخصية مثل الأمور العائلية كالزواج والطلاق والعلاقات مع الجيران والأصدقاء لا يجوز الطعن فيها أما إذا كانت العلاقة بين الحياة الخاصة والعامة وثيقة الصلة فأنه يباح الطعن فيها مثل أن ينسب إلي شخص رئيس مصلحة أو شخصية عامة أنه على علاقة شخصية مع زوجة أحدى مرؤوسيه ولذلك حاباه في ترقيته ولذلك لا مانع من اشتمال المقال الواحد وما يتبعه من رسم وغيره على عبارات يكون الغرض منها الدفاع عن مصلحة عامة وأخرى يكون القصد منها التشهير، والمحكمة في هذه الحالة أن توازن بين القصدين وتقدر أيهما كانت له الغلبة في نفس الطاعن أي بنفس الصحفي هل كان غرضه وقصده تحقيق المصلحة العامة أم الغرض هو إشباع ضغائنه وأحقاده الشخصية ، ولا محل للقول بأن الصحفي حسن النية وإلا لاستطاع الكاتب أو الصحفي تحت ستار الدفاع ظاهريا عن مصلحة عامة مزعومة أن ينال من كرامة الموظف العمومي ما شاء دون أن يناله القانون بعقاب ما
للعلم أيضا أن أباحة القذف أو كما يسميه الصحفيين التشهير لا يجوز حسب القانون الفلسطيني والقوانين العربية ألا بالموظف العام أي موظف السلطة ومن يكلف بخدمة عامة من قبل السلطة بمعنى أن يعمل تحت أشرافها كما يجب أن يكون معلوما أن القانون أجاز القذف ومنع عقاب القاذف أي الصحفي حسب شروط معينة وهي أن يكون القاذف غرضه من النشر الذي ينطوي علي عبارات التشهير تحقيق المصلحة العامة وأن يثبت صحة ما ذكره أو ما قذف به وإذا فشل في أثبات ذلك يعاقب
وهنا يثار تساؤل أخر هل المطعون به موظف عام ليباح الطعن به كون القانون أجاز الطعن فقط في حق الموظف العام؟
الجواب فأنه حسب المعمول به في المحاكم الفلسطينية وحسب نصوص القانون الفلسطيني فأنه لا يعد موظفا عاما كونه يعمل في مهنة خاصة والقذف وجه إليه بسبب هذه المهنة الخاصة وبسبب عمله النقابي ولذلك يتوجب على الصحفي إذا كان لديه معلومات حول سلوك ذلك الشخص التوجه للنيابة أو أحدى رجال القانون المختصين والإبلاغ عما لديه من معلومات وهذه الجهات المختصة تقوم في دورها حسب القانون بالتحري والتأكد من المعلومات دون المساس بسمعة المطعون به حتى تتأكد من المعلومات ولو تبين لها أن المعلومات كيدية فأن المدعي أن كان صحفي أو شخص عادي يعاقب بتهمة إزعاج السلطات أو تهمة بلاغ كاذب، ولو افترضنا أننا في بلد يعترف بالطعن بكل شخص يعتبر من قبيل الشخصيات العامة وهذا المفترض أن يعمل به في قانوننا فمن المفترض حينها علي الصحفي أو الطاعن أن يثبت صحة ما طعن به وهذا الشرط بالذات لم يحابي به القضاة المصري الصحافة أبدا حتى لا تتخذ حرية الصحافة ستارا لترويج الأباطيل والأوهام وخداع الجمهور وتضليل الرأي العام خدمة لأغراض خاصة وتحقيقا لربح خاص، والشرط الثاني أن يثبت أيضا أنه كان يستهدف تحقيق المصلحة العامة (للعلم الشخصيات العامة حسب ما يطالب به أصحاب نظرية الامتياز الخاص للصحفيين والذي رفضت أغلب الدول تطبيقه في قوانينها: هي كل شخص يؤدي خدمة عامة بقطع النظر عن قلة أهمية هذه الخدمة في سلم التدرج الوظيفي كما يعتبر من قبيل الشخصيات العامة كل شخص يكون في مركز يسمح له بالتأثير بشكل ما في البث بمسائل تتصل بالمصلحة العامة للجمهور كما تتحقق صفة العمومية علي عمال
الحكومة على مختلف درجات وظائفهم كما تتحقق أيضا في كل شخص يكون له دور قيادي بارز في المجتمع أو كان له دور ايجابي أو سلبي ملحوظ في شأن مسألة خلافية شغلت الرأي العام وتتحقق صفة العمومية على رؤساء مجالس إدارة الشركات الخاصة ورؤساء النقابات المهنية والشخصيات الحزبية والشخصيات التي تكتسب شهرة عامة لدى الجمهور في مجال الرياضة والفنون والآداب والعلوم السياسية كما تتحقق هذه الصفة في بعض أفراد الناس التي تحاول التأثير في أمور خلافية تثير اهتمام الجمهور، ففي هذه الحالة يكون ذلك الشخص أقحم نفسه في نقاش قضايا عامة تهم الناس من أجل التأثير في حل المشكلات التي تثيرها هذه القضايا كما تتحقق صفة العمومية في كل شخص يتصدى لقيادة الناس أو إرشادهم أو العمل باسمهم في أمر من الأمور العامة)
ثانيا/ هل الصحفي أستهدف المصلحة العامة حينما قام بالطعن في المجني عليه؟
الجواب لا لأن المعلومات تفيد أن هناك خلاف بين الصحفي والمطعون به حول مواضيع تتعلق بالعمل الصحفي وعلى الطاعن أن يثبت عكس ذلك ( وللعلم أن هذا الخلاف بسيط جدا وكان من الممكن تجاوزه)
أذن يتبن لنا مما تقدم أن ما قام به الطاعن غير قانوني وغير مباح وممكن مقاضاته من قبل المطعون به أمام المحاكم بتهم القذف والسب والتي تصل عقوبته ثلاثة سنوات آلا إذا قام بإثبات صحة ما طعن به
أما بالنسبة لفصل الصحفي الذي قام بالطعن من نقابة الصحفيين
السؤال الذي يثار هل الإجراءات التي اتخذت كانت سليمة وهل النقابة طبقت القانون ؟
الجواب لا فلقد شاب اتخاذ القرار بعض العيوب رغم أن الصحفي الطاعن أساء لزميله ومس كرامته وسمعته وحسب القانون الفلسطيني فهو مدان
وعند سؤالي لنقابة الصحفيين عن كيفية اتخاذ القرار أبلغوني أن الصحفي المطعون به تقدم بشكوى لنقابة الصحفيين تفيد بأن الصحفي الطاعن قام بالتشهير به عبر وسائل الإعلام فقامت النقابة بالاتصال بالمرجعيات الإعلامية للطاعن والحديث معها ومطالبتها بأن يتوقف الطاعن عن نشر العبارات التي تنطوي على القذف عبر وسائل الإعلام فكان الرد ثاني يوم برفض الطاعن بالتوقف ومسح ما نشره على صفحته عبر الفيس بوك فقامت النقابة بفصله من النقابة وذلك حرصا منها على حماية سمعة أعضائها وهذا يعد من أحدى مهامها حسب قانون النقابة
وللعلم أن الطاعن ذكر في لقاء عبر أحدى الإذاعات أنه طلب منه مسح ما نشر ولكنه يرفض ذلك وكرر الاتهامات نفسها للمطعون به والتي كانت حادة جدا وتدور حول عشرة اتهامات وهنا للعلم أنه يتوجب على الطاعن أثبات كل التهم أمام المحكمة ولا يفيده أثبات أحدى التهم ليتبرأ من الباقي(فالحذر أيها الصحفي من الانفعال وأنت تكتب) أذن النقابة أبلغت كما سمعت منها الطاعن عبر جهات رسمية ولكن هذا حسب اعتقادي لا يصحح من طبيعة الإجراء الخاطئ التي اتخذته النقابة فالمفترض أن يتم تشكيل لجنة تحقيق وإبلاغ الطاعن بالمثول أمامها وإذا رفض
الحضور أن تتخذ النقابة حسب القانون القرار المناسب أن كان الفصل من النقابة أو الإنذار وهذا لا يمنع الشخص المطعون به من التوجه للمحكمة إذا كان الضرر الذي أصابه في سمعته وكرامته وماله كبير ولكن يشترط أن يحصل علي أذن من النقابة يسمى (أذن الخصومة)
أن مهام وأهداف نقابة الصحفيين صيانة حرية الرأي والتعبير والالتزام بآداب المهنة وأخلاقياتها والارتقاء بمستوى المهنة والدفاع عن حقوق الصحفيين وحمايتهم من التعرض للمضايقات والانتهاكات والدفاع عن مصالحهم المعنوية والشخصية والمهنية وذلك حسب المادة (8) من قانون النقابة كما تنص المادة (16) من نفس القانون على التزام العضو بأهداف النقابة وبشروط العضوية ونظامها الداخلي والامتناع عن نشاط يعرض نزاهة الصحفي للانتقاص كما عليه الالتزام عن أي أمر غير لائق وعليه أيضا المحافظة على شرف المهنة وأخلاقياتها مع الزملاء والجمهور وعليه أيضا بنشر الحقيقة وبتصحيح الأخبار عندما يتضح له عدم صحتها
أخيرا يجب العلم أن من أقر القانون لمهنة الصحافة لتنظيم عملها يعلم جيدا الأساليب التي ممكن أن تستخدم في كتابة الخبر أو بالنشر وبناءا على ذلك فأنه يتحقق الإسناد أو الطعن سواء كانت نسبة الواقعة أو الأمر إلى المجني عليه بصيغة كتابية توكيدية أو إذا كان بصيغة تشيكية من شأنها أن تلقى في أذهان الجمهور عقيدة ولو عاجلة أو ظنا أو احتمالا ولو وقتية في صحة الأمور المدّعاة ويستوي أن يسند الجاني الواقعة إلى المجني عليه باعتبارها من معلوماته أو أنه يعلم بموضوع الأمر الشائن الذي ينسبه إلى المجني عليه أو أن يردد هذا الأمر عن طريق الراوية عن الغير أو يردده على أنه مجرد إشاعة ، ولا يعفي الجاني من المسئولية إذا ذكر الخبر مقروناً بقوله "والعهدة على الراوي" ويستوي أن يكون الإسناد صريحا أو ضمنيا وهذا ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية إذ « لا عبرة بالأسلوب الذي تصاغ فيه عبارات القذف فمتى كان المفهوم من عبارة الكاتب أنه يريد بها إسناد أمر شائن إلى شخص المقذوف بحيث لوضح ذلك الأمر لأوجب عقاب من اسند إليه أو احتقاره عند أهل وطنه ، فان ذلك الإسناد يكون مستحق العقاب أيا كان القالب أو الأسلوب الذي صيغ فيه » كذلك لا عبرة بالأسلوب
الذي تصاغ فيه عبارات القذف طالما أنه يثير لدى القارئ الشك في شرف المجني عليه وهذا ما أكدت عليه محكمة النقض المصرية بقولها « المداورة في الأساليب الإنسانية بفكرة الفرار من حكم القانون لا نفع فيها للمداورة ما دامت الإهانة تتراءى للمطلع خلف ستارها وتستشعرها الأنفس من خلالها وإنما تلك المداورة مخبثة أخلاقية شرها أبلغ من شر المصارحة، فهي أجدى منها بترتيب حكم القانون» وان كان الإسناد يتحقق في جريمة القذف بالذم والتحقير فأنه يتحقق بالمدح والتعظيم وذلك حينما تكون العبارات في موضع لا يحتمل التعظيم أو الإجلال بل يكون المقصود من هذه العبارات التهكم، إذن نستطيع القول أنه لا أهمية للأسلوب المستخدم في القذف والذي يحاول الجاني استخدامه للتهرب من العقاب ولكن العبرة في مفهوم العبارات التي يستخدمها الجاني فإذا أراد من وراءها إسناد أمر أو واقعة شائنة بحق شخص فان ذلك الإسناد يكون معاقب عليه.
أما محاولة عدم تحديد اسم المطعون به لتهرب من المسئولية فهذا لا يفيد الصحفي حيث لا يشترط القانون تحديد الاسم بالكامل حتى تسند الجريمة لمرتكبها بل يكفي ذكر الأحرف الأولى من الاسم أو تحديد مهنته أو وظيفته أو طبيعة عمله أو بأي وسيلة يستدل عليه المخاطب من المقال وهذا ما حكمت به محكمة النقض المصرية بقولها( أنه يكفي لوجود جريمة القذف أن تكون عباراته الموجهة على صورة يسهل معها فهم المقصود منها ومعرفة الشخص الذي يعنيه القاذف فإذا أمكن للمحكمة أن تدرك من فحوى عبارات القذف من هو المعني به استنتاجا من غير تكلف ولا كبير عناء وكانت الأركان الأخرى متوافرة حق العقاب على الجريمة ولو كان المقال خلوا من ذكر اسم الشخص المقصود) وللعلم لا يشترط أن يكون تحديد الشخص المعني أي المطعون به ممكنا بالنسبة للناس كافة بل يكفي أن تتمكن طائفة معينة من الناس التعرف عليه
بالنهاية أتوجه إلي الزملاء الصحفيين بكل التحية وأطالبهم بالحذر عند الكتابة والنشر كما أتوجه للزميل الذي تم فصله بتقديم طعنا بالقرار لعدم صحة الإجراءات المتبعة بإصداره
