بالصور والفيديو : بالذكرى الخامسة لاستشهاد البنات الـ3 للطبيب "ابو العيش": مرّت 5 سنوات ولا زالت الصّرخات مستمرّة
رام الله - دنيا الوطن - وكالات
بعدما قتل الإسرائيليون، بناته الثلاث، في مخيم جباليا في قطاع غزة، خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، ظل الدكتور عز الدين أبو العيش، يبشر بالسلام، ويبحث عن العدل والمساواة والشراكة، ويعالج الإسرائيليين الذي يحتاجون إلى العلاج.
قد يبدو هذا مثيراً للدهشة، خصوصاً أنه قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم يكره اليهود أبداً، بعد قتلهم بناته، وأنه ما زال مستعداً لأن يقدم لهم العلاج واحداً واحداً، حتى أولئك الذي أطلقوا قذائف الدبابات، تجاه منزله وقتلوا أغلى ما لديه وحصيلة عمره.
يفسر الدكتور أبو العيش ذلك بأنه «إنسان» ومتمسك بإنسانيته، وفوق كل ذلك، فإنه لا يستطيع أن يكره الناس، بل يكره فعل الناس. وربما فإن «الظلم والفقر» الشديدين، اللذين عاشهما أبو العيش طفلا لاجئاً، وتلميذاً، وطبيباً، يعطي تفسيراً أكثر لإصرار هذا الرجل على أن يجعل من مأساته، دافعاً نحو «تغيير إيجابي» لمد مزيد من جسور السلام بين الشعبين وتحقيق السلام لمنع آباء فلسطينيين آخرين من أن يخسروا أبناءهم وبناتهم ويذوقوا العذاب المر الذي مر به الدكتور أبو العيش.
ويؤمن أبو العيش، طبيب الأمراض النسائية المتخصص في علم الإخصاب والجنين والوراثة، بعدالة قضيته، ويقول إن الفكرة والكلمة أقوى وأقدر على إظهار الحقيقة وحمل الآخر نحو السلام. ومن أجل ذلك، يجوب عدداً من دول العالم لتأكيد أهمية تحقيق السلام في المنطقة.
كما يرى أنه يجب أن «يطالب ويحصل الفلسطينيون، حتى قبل السلام على أشياء مثل الحب والاحترام وحقهم في حياة كريمة».
عمل طويلا في مستشفى بئر السبع. ثم انتقل للتخصص في مهنته في مستشفى شيبا قرب تل أبيب. وقد تقدم في سلم التطور العلمي بشكل جعل إدارة المستشفى تضمه الى طاقم الباحثين. وفي السنوات الأخيرة يجري بحثا مشتركا مع الطبيبة اليهودية، ليئات ليرنر ـ جيبع، حول العوائق التي يواجهها الأطباء الفلسطينيون في علاج الأطفال المرضى والمصابين، والتي تشير الى ان الطفل الفلسطيني يمكث في المستشفى أكثر من الطفل الاسرائيلي بسبب العقبات التي يفرضها الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال والحصار.
لهذا الغرض، يحضر د. أبو العيش الى اسرائيل في مطلع كل أسبوع، ويمضي ثلاثة ايام من العمل والبحث ثم يعود الى غزة، حيث يمضي الوقت مع عائلته ويعالج نساء غزة. «كان يحمل كل التصاريح اللازمة للتنقل»، تقول شريكته في البحث، و«مع ذلك فقد عانى كثيرا من الجنود في المعابر. ولكنه لم يدع اليأس يصيبه من هذا العناء الشخصي وصبر لكي ينجز البحث على أمل أن يؤدي الى تحسين أوضاع أطفال بلده. وفي الوقت نفسه اكتسب خبرات غنية ومهمة تفيده في رفع مستوى العلاج في غزة». قبل عدة شهور تعرضت عائلته لمأساة كبيرة، حيث توفيت زوجته بالسرطان. وأصبح الأب والأم لأولاده الثمانية. وأصبح سفره للبحث في اسرائيل أكثر صعوبة، ولكنه بتشجيع من زملائه في المستشفى الاسرائيلي، استمر. في يوم الخميس الذي سبق الحرب العدوانية على غزة، عاد الى بلده كالمعتاد. وقد نشبت الحرب في يوم السبت، فلم يحضر الى المستشفى. وفضل البقاء مع أولاده. وتطوع في الوقت ذاته للعمل طبيب طوارئ في سيارة اسعاف، يتنقل من بيت مهدوم الى آخر، تحت خطر قصف الصواريخ والقذائف الاسرائيلية.
وكان يهدد حياته للخطر في كل ساعة، وشهد بعينيه كيف قصفت اسرائيل العديد من سيارات الاسعاف (26 سيارة، قتل فيها 13 عنصرا من الطاقم الطبي وجرح 27). ولم يتراجع.
وقد تفهم زملاؤه الأطباء والباحثون في المستشفى الاسرائيلي هذا التصرف، وكانوا على اتصال دائم به وهو على اتصال دائم بهم. ومن خلال ذلك، ربطوا بينه وبين التلفزيون الاسرائيلي التجاري (القناة العاشرة) وعدد من الصحافيين الاذاعيين، وأصبح يقدم تقريرا يوميا لوسائل الاعلام الاسرائيلية عن الأوضاع المأساوية في قطاع غزة. وفي ظل التعتيم الذي فرضه الجيش الاسرائيلي على ما كان يحصل في غزة، قدم الدكتور أبو العيش خدمة جلى لقضية شعبه. واكتسب مصداقية عالية في اسرائيل كون تقاريره دقيقة وصادقة وموقفه المبدئي واضح فهو ضد العنف بكل أشكاله ومن جميع الأطراف ولم يتردد في توجيه انتقاد ذاتي لسياسة حماس في غزة وليس فقط اسرائيل وجرائمها.
في يوم الثلاثاء الماضي، عندما كان ابو العيش يتكلم في برنامج اذاعي مع النجمين الصحافيين، رافي ريشف ونتان زهافي، قطع البث فجأة وهو يخبرهم ان دبابة تصوب فوهتها نحو بيته وانه يشعر بأنهم سيطلقون القذائف نحو بيته. ثم اتصل بالصحافي شلومو الدار، مراسل الشؤون الفلسطينية في القناة الاسرائيلية العاشرة، وأخبره بذلك. وقال انه و25 نفرا من أفراد عائلته وعائلة شقيقه وأقربائه يعيشون حاليا في البيت وانهم لا يجرؤون على رفع الراية البيضاء خوفا من أن يقتلوا مثلما حصل لفلسطينيين آخرين. وانهم منبطحون على بطونهم في البيت، لا يقوى أحدهم على رفع رأسه بمن في ذلك الأطفال، حتى لا تقصفهم الدبابة الاسرائيلية. وقطع البث. فبادر الصحافيون الثلاثة للاتصال بالناطق بلسان الجيش في محاولة لوقف الاعتداء، ولكنه لم يساعد. فاتصلوا بزميلهم روني دانئيل، المراسل العسكري للقناة التجارية المنافسة «القناة الثانية»، الذي كان يوجد لحظتها في مقر القيادة الجنوبية للجيش، ونجح هذا في إقناع قيادة الجيش بالابتعاد عن بيت الطبيب. وقد اتصلوا به ليخبرهم بصوت مكسور ان الدبابة غادرت المكان ويشكرهم على جهودهم.
وقد كتب زهافي مقالا عممه على عدة صحف ومواقع في الانترنت يقول فيه انه يخجل من كونه اسرائيليا بسبب هذه الحادثة. ولكن الدبابة عادت الى البيت في يوم الجمعة، أول من أمس. وهذه المرة لم يكن أبو العيش في البيت. ولم يكن معه وقت لأن يخبر أحدا بما جرى: فقد أطلقت الدبابة حمم قذائفها على البيت، فقتلت على الفور ثلاثا من بناته وقتلت شقيقته وولدي شقيقه وأصابت جميع من في البيت بالجراح، وإحداهن ابنته المتوسطة أصيبت بجراح خطيرة وهدم البيت بالطبع. وقد كاد الطبيب أن يفقد صوابه وهو يحصي عدد الاصابات ويتنقل بين الضحية والأخرى. وقد تصادف ان اتصل به مدير المستشفى الاسرائيلي الذي يعمل فيه باحثا، البروفسور زئيف روتشتاين، ليطمئن على حالته فوجده منكوبا على هذا النحو. وراح ينظم حملة لجلبه والجرحى من أقاربه الى المستشفى لتلقي العلاج. ونجحت جهوده، خصوصا عندما تدخل الصحافيون الثلاثة المذكورون. ووصلوا الى المستشفى، وحاول الجيش منع الصحافيين من الدخول لمعرفة تفاصيل الجريمة، لكن قوة من الشرطة الاسرائيلية منعتهم، فأعلنوا الإضراب أمام الغرفة حتى سمح لهم. لكن أبو العيش كان في حالة يرثى لها. تارة يتحدث عن أحلام بناته القتلى.. «الكبرى تستعد للدخول الى الجامعة والثانية تطمح بأن تصبح طبيبة والثالثة أرادت دخول عالم الصحافة»، وتارة يحضن ولديه الجريحين. وتارة يسأل عن ابنته المصابة برأسها من شظية وتعالج في مستشفى بعيد. الجيش يقول ان سبب القصف هو ان نيرانا أطلقت من البيت باتجاه الدبابة، لكن الصحافي الدار يؤكد ان هذا مستحيل. ولكن مدير المستشفى يقول: «لنفترض ان رجال حماس استغلوا البيت وأطلقوا الرصاص منه، فمن يعطي لنا الحق أن نقصف البيت بالقذائف ونتسبب في مأساة رهيبة لعائلة كهذه؟!».
شعر كتب بيد الأب د.عز الدين ابو العيش بذكرى استشهاد بناته :
مرّت خمس سنوات
مرّت خمس سنوات وكأنّها غمضة عين
لا زالت الصّرخات مستمرّة
صرخات الألم والأمل
صرخاتهن وأنينهن القاتل
أمامي وفي مخيّلتي
مرّت خمس سنوات
أين بيسان الآن
أين ميار الآن
أين آية الآن
أين نور الآن
وردات، بيسان، ميار، آية، نور،
شربن العلم
تربّين على القيم الأخلاقيّة
وترعرعن على الإسلام السّمح
شربن وكبرن على ثرى فلسطين الّتي أحبّوها
أنتن مع الأنبياء والصّدّيقين
والشّهداء والصّالحين
دماؤكن الطّاهرة الزّكيّة
كنتن رفيقات دربي
وأنيساتي في غربتي
وصديقاتي في محنتي
وبناتي في محبّتي
أفتقدكن كلّ ثانية
وأحنّ إليكن
وأبحث عنكن
أسماؤكن لا تفارقني
بيسان مع طلوع كلّ صباح
ميار مع صرخة كلّ طفل فلسطيني
آية مع سماع كلّ آية من القرآن وقرع أجراس الكنائس
نور: مع نور كلّ فجر
العهد والقسم الّذي أخذته على نفسي منذ اللّحظة الأولى
هو أن تبقى أسماؤكن وأرواحكن حيّة
وأن لا ننساها ما دامت حياة على هذه الأرض
فلن نيأس من رحمة الله
ولن يعرف القنوط طريقًا إلينا ولنا لقاء بإذن الله





بعدما قتل الإسرائيليون، بناته الثلاث، في مخيم جباليا في قطاع غزة، خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع، ظل الدكتور عز الدين أبو العيش، يبشر بالسلام، ويبحث عن العدل والمساواة والشراكة، ويعالج الإسرائيليين الذي يحتاجون إلى العلاج.
قد يبدو هذا مثيراً للدهشة، خصوصاً أنه قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه لم يكره اليهود أبداً، بعد قتلهم بناته، وأنه ما زال مستعداً لأن يقدم لهم العلاج واحداً واحداً، حتى أولئك الذي أطلقوا قذائف الدبابات، تجاه منزله وقتلوا أغلى ما لديه وحصيلة عمره.
يفسر الدكتور أبو العيش ذلك بأنه «إنسان» ومتمسك بإنسانيته، وفوق كل ذلك، فإنه لا يستطيع أن يكره الناس، بل يكره فعل الناس. وربما فإن «الظلم والفقر» الشديدين، اللذين عاشهما أبو العيش طفلا لاجئاً، وتلميذاً، وطبيباً، يعطي تفسيراً أكثر لإصرار هذا الرجل على أن يجعل من مأساته، دافعاً نحو «تغيير إيجابي» لمد مزيد من جسور السلام بين الشعبين وتحقيق السلام لمنع آباء فلسطينيين آخرين من أن يخسروا أبناءهم وبناتهم ويذوقوا العذاب المر الذي مر به الدكتور أبو العيش.
ويؤمن أبو العيش، طبيب الأمراض النسائية المتخصص في علم الإخصاب والجنين والوراثة، بعدالة قضيته، ويقول إن الفكرة والكلمة أقوى وأقدر على إظهار الحقيقة وحمل الآخر نحو السلام. ومن أجل ذلك، يجوب عدداً من دول العالم لتأكيد أهمية تحقيق السلام في المنطقة.
كما يرى أنه يجب أن «يطالب ويحصل الفلسطينيون، حتى قبل السلام على أشياء مثل الحب والاحترام وحقهم في حياة كريمة».
عمل طويلا في مستشفى بئر السبع. ثم انتقل للتخصص في مهنته في مستشفى شيبا قرب تل أبيب. وقد تقدم في سلم التطور العلمي بشكل جعل إدارة المستشفى تضمه الى طاقم الباحثين. وفي السنوات الأخيرة يجري بحثا مشتركا مع الطبيبة اليهودية، ليئات ليرنر ـ جيبع، حول العوائق التي يواجهها الأطباء الفلسطينيون في علاج الأطفال المرضى والمصابين، والتي تشير الى ان الطفل الفلسطيني يمكث في المستشفى أكثر من الطفل الاسرائيلي بسبب العقبات التي يفرضها الواقع الفلسطيني في ظل الاحتلال والحصار.
لهذا الغرض، يحضر د. أبو العيش الى اسرائيل في مطلع كل أسبوع، ويمضي ثلاثة ايام من العمل والبحث ثم يعود الى غزة، حيث يمضي الوقت مع عائلته ويعالج نساء غزة. «كان يحمل كل التصاريح اللازمة للتنقل»، تقول شريكته في البحث، و«مع ذلك فقد عانى كثيرا من الجنود في المعابر. ولكنه لم يدع اليأس يصيبه من هذا العناء الشخصي وصبر لكي ينجز البحث على أمل أن يؤدي الى تحسين أوضاع أطفال بلده. وفي الوقت نفسه اكتسب خبرات غنية ومهمة تفيده في رفع مستوى العلاج في غزة». قبل عدة شهور تعرضت عائلته لمأساة كبيرة، حيث توفيت زوجته بالسرطان. وأصبح الأب والأم لأولاده الثمانية. وأصبح سفره للبحث في اسرائيل أكثر صعوبة، ولكنه بتشجيع من زملائه في المستشفى الاسرائيلي، استمر. في يوم الخميس الذي سبق الحرب العدوانية على غزة، عاد الى بلده كالمعتاد. وقد نشبت الحرب في يوم السبت، فلم يحضر الى المستشفى. وفضل البقاء مع أولاده. وتطوع في الوقت ذاته للعمل طبيب طوارئ في سيارة اسعاف، يتنقل من بيت مهدوم الى آخر، تحت خطر قصف الصواريخ والقذائف الاسرائيلية.
وكان يهدد حياته للخطر في كل ساعة، وشهد بعينيه كيف قصفت اسرائيل العديد من سيارات الاسعاف (26 سيارة، قتل فيها 13 عنصرا من الطاقم الطبي وجرح 27). ولم يتراجع.
وقد تفهم زملاؤه الأطباء والباحثون في المستشفى الاسرائيلي هذا التصرف، وكانوا على اتصال دائم به وهو على اتصال دائم بهم. ومن خلال ذلك، ربطوا بينه وبين التلفزيون الاسرائيلي التجاري (القناة العاشرة) وعدد من الصحافيين الاذاعيين، وأصبح يقدم تقريرا يوميا لوسائل الاعلام الاسرائيلية عن الأوضاع المأساوية في قطاع غزة. وفي ظل التعتيم الذي فرضه الجيش الاسرائيلي على ما كان يحصل في غزة، قدم الدكتور أبو العيش خدمة جلى لقضية شعبه. واكتسب مصداقية عالية في اسرائيل كون تقاريره دقيقة وصادقة وموقفه المبدئي واضح فهو ضد العنف بكل أشكاله ومن جميع الأطراف ولم يتردد في توجيه انتقاد ذاتي لسياسة حماس في غزة وليس فقط اسرائيل وجرائمها.
في يوم الثلاثاء الماضي، عندما كان ابو العيش يتكلم في برنامج اذاعي مع النجمين الصحافيين، رافي ريشف ونتان زهافي، قطع البث فجأة وهو يخبرهم ان دبابة تصوب فوهتها نحو بيته وانه يشعر بأنهم سيطلقون القذائف نحو بيته. ثم اتصل بالصحافي شلومو الدار، مراسل الشؤون الفلسطينية في القناة الاسرائيلية العاشرة، وأخبره بذلك. وقال انه و25 نفرا من أفراد عائلته وعائلة شقيقه وأقربائه يعيشون حاليا في البيت وانهم لا يجرؤون على رفع الراية البيضاء خوفا من أن يقتلوا مثلما حصل لفلسطينيين آخرين. وانهم منبطحون على بطونهم في البيت، لا يقوى أحدهم على رفع رأسه بمن في ذلك الأطفال، حتى لا تقصفهم الدبابة الاسرائيلية. وقطع البث. فبادر الصحافيون الثلاثة للاتصال بالناطق بلسان الجيش في محاولة لوقف الاعتداء، ولكنه لم يساعد. فاتصلوا بزميلهم روني دانئيل، المراسل العسكري للقناة التجارية المنافسة «القناة الثانية»، الذي كان يوجد لحظتها في مقر القيادة الجنوبية للجيش، ونجح هذا في إقناع قيادة الجيش بالابتعاد عن بيت الطبيب. وقد اتصلوا به ليخبرهم بصوت مكسور ان الدبابة غادرت المكان ويشكرهم على جهودهم.
وقد كتب زهافي مقالا عممه على عدة صحف ومواقع في الانترنت يقول فيه انه يخجل من كونه اسرائيليا بسبب هذه الحادثة. ولكن الدبابة عادت الى البيت في يوم الجمعة، أول من أمس. وهذه المرة لم يكن أبو العيش في البيت. ولم يكن معه وقت لأن يخبر أحدا بما جرى: فقد أطلقت الدبابة حمم قذائفها على البيت، فقتلت على الفور ثلاثا من بناته وقتلت شقيقته وولدي شقيقه وأصابت جميع من في البيت بالجراح، وإحداهن ابنته المتوسطة أصيبت بجراح خطيرة وهدم البيت بالطبع. وقد كاد الطبيب أن يفقد صوابه وهو يحصي عدد الاصابات ويتنقل بين الضحية والأخرى. وقد تصادف ان اتصل به مدير المستشفى الاسرائيلي الذي يعمل فيه باحثا، البروفسور زئيف روتشتاين، ليطمئن على حالته فوجده منكوبا على هذا النحو. وراح ينظم حملة لجلبه والجرحى من أقاربه الى المستشفى لتلقي العلاج. ونجحت جهوده، خصوصا عندما تدخل الصحافيون الثلاثة المذكورون. ووصلوا الى المستشفى، وحاول الجيش منع الصحافيين من الدخول لمعرفة تفاصيل الجريمة، لكن قوة من الشرطة الاسرائيلية منعتهم، فأعلنوا الإضراب أمام الغرفة حتى سمح لهم. لكن أبو العيش كان في حالة يرثى لها. تارة يتحدث عن أحلام بناته القتلى.. «الكبرى تستعد للدخول الى الجامعة والثانية تطمح بأن تصبح طبيبة والثالثة أرادت دخول عالم الصحافة»، وتارة يحضن ولديه الجريحين. وتارة يسأل عن ابنته المصابة برأسها من شظية وتعالج في مستشفى بعيد. الجيش يقول ان سبب القصف هو ان نيرانا أطلقت من البيت باتجاه الدبابة، لكن الصحافي الدار يؤكد ان هذا مستحيل. ولكن مدير المستشفى يقول: «لنفترض ان رجال حماس استغلوا البيت وأطلقوا الرصاص منه، فمن يعطي لنا الحق أن نقصف البيت بالقذائف ونتسبب في مأساة رهيبة لعائلة كهذه؟!».
شعر كتب بيد الأب د.عز الدين ابو العيش بذكرى استشهاد بناته :
مرّت خمس سنوات
مرّت خمس سنوات وكأنّها غمضة عين
لا زالت الصّرخات مستمرّة
صرخات الألم والأمل
صرخاتهن وأنينهن القاتل
أمامي وفي مخيّلتي
مرّت خمس سنوات
أين بيسان الآن
أين ميار الآن
أين آية الآن
أين نور الآن
وردات، بيسان، ميار، آية، نور،
شربن العلم
تربّين على القيم الأخلاقيّة
وترعرعن على الإسلام السّمح
شربن وكبرن على ثرى فلسطين الّتي أحبّوها
أنتن مع الأنبياء والصّدّيقين
والشّهداء والصّالحين
دماؤكن الطّاهرة الزّكيّة
كنتن رفيقات دربي
وأنيساتي في غربتي
وصديقاتي في محنتي
وبناتي في محبّتي
أفتقدكن كلّ ثانية
وأحنّ إليكن
وأبحث عنكن
أسماؤكن لا تفارقني
بيسان مع طلوع كلّ صباح
ميار مع صرخة كلّ طفل فلسطيني
آية مع سماع كلّ آية من القرآن وقرع أجراس الكنائس
نور: مع نور كلّ فجر
العهد والقسم الّذي أخذته على نفسي منذ اللّحظة الأولى
هو أن تبقى أسماؤكن وأرواحكن حيّة
وأن لا ننساها ما دامت حياة على هذه الأرض
فلن نيأس من رحمة الله
ولن يعرف القنوط طريقًا إلينا ولنا لقاء بإذن الله





