هل فقدنا البوصلة !

هل فقدنا البوصلة !
د. طريف عاشور
 اذكر في أوائل انتفاضة الحجارة عام 87 وخلال احدى فترات منع التجول الطويلة على مدينتي نابلس ، ان احتاج جار مناضل كريم ، اسمه رشيد مرعي ، هذا الرجل الذي كان مديرا للتربية والتعليم في نابلس من سنة 65 الى 72 ، وقارع الاحتلال هو وعائلته حتى ابعدوا ابنه الوحيد عماد عن مدينته نابلس وحتى الان لم يسمح له بالعودة حتى بعد وفاة والديه ، اذكر ان الجار ابو عماد كان يدخن نوعا غريبا من السجائر اسمه ( اميه ) ولما طال منع التجوال ، واحتاج إلى ذلك النوع المفقود من الدخان – وكان رحمه الله مدخنا شرها – ان تواصلنا من بيت لاخر لمسافة ربما وصلت 500 متر بين احد المحلات التي كان صاحبها يبيع في بيته وبيننا حتى وفرنا للجار المحترم نوع الدخان المطلوب .  

مرت بمخيلتي اليوم هذه القصة كنموذج على التكافل بين الناس في تلك الايام الجميلة ، ونحن هنا نتحدث عن دخان لا عن حليب وخبز وكيف تعاون الناس من اجل إسعاد الرجل ، لنصل اليوم الى زمن ، صديقي المناضل المعتقل المبعد العائد كلما كلمته يقول كلمة واحدة ( عيّدت ) بمعنى أننا بتنا نسير نحو المجهول ، كيف لا والمدارس والعيادات الصحية في مخيماتنا مقفلة منذ أكثر من شهر ونصف ، الأطباء مضربون احتجاجا، المعلمون لفترة طويلة قبل إحالتهم للقضاء، نقابات تهدد بالانفجار وبير زيت تغلق لاسابيع والجميع ... يتفرج ! 
هنا يحق لنا ان نتساءل : اين ذهبت تلك الروح الحية التي كانت لدينا ؟ لماذا اصبنا بحالة من اللامبالاة القاتلة في كل تفاصيل حياتنا ؟ ما معنى ان يغلق مستشفى لايام طويلة ويعّلق التعليم لاسابيع والقمامة في شوارع مخيماتنا ولا احد يحرك ساكنا من المجتمع المحلي الذي كان دوما السبّاق في قيادة البلاد بطولها وعرضها راعيا لاحوال الناس مناكفا للاحتلال الصهيوني ؟ اين ذهب الرجال ؟ سؤال بتنا نسمعه ليل نهار في كل ثنايا احاديثنا ، لماذا نترك الخلافات تشتعل بين وزارة الصحة والتعليم والقضاء ووكالة الغوث والنقابات المهنية والصحية ، وكأن من يستفيد من تلك الخدمات أبناء الهند الصينية ! هل عقرت القيادات والتنظيمات والاتحادات والعائلات والعشائر والشخصيات الاعتبارية كي تتدخل لصالح ابناءها ، لا لصالح ابناء دول الجوار ، وان تقف عند مسؤولياتها من اجل عودة الامور الى مجاريها ، فكفانا الاحتلال ومصائبه التي تتكاثر فوق رؤوسنا ليل نهار .

 اذن هي دعوة لكل صاحب ضمير ، صغير كان ام كبير ، اغلاق مستشفى جريمة ولو لساعة واحدة ، اغلاق مدرسة جريمة ، اغلاق جامعة جريمة ، اغلاق وزارة جريمة ، طالما ان هناك رجال يحبون الوطن وضحوا وقدموا واعتقد ، لا بل اجزم انهم يموتون كل لحظة وهم يشاهدون البوصلة تاهت بعيدا جدا في غياهب الصراعات ، تلك التي اول المستفيد منها بالحتم هو الاحتلال .

 تعالوا الى كلمة سواء ، فالقادم اعظم ، القادم اسود ، فمن تنازل للاخر هو الاقوى ، ومن مارس صلاحياته الديكتاتوريه هو الاضعف ، لان شعب تحت الاحتلال ، سلاح المحبة الاولى ان يكون هو السائد بين ابناءه ، وان لم تكن هذه الاوقات هي الاولى للوحدة ومساجدنا وارضنا تنتهك ، فمتى !