ركود في سوق العقارات والأراضي في غزة وسط تذبذب طفيف في الأسعار

رام الله - دنيا الوطن
تعثرت جهود ومحاولات المواطن وائل الزعنون (39 عامًا)، من سكان منطقة النفق شرق مدينة غزة في بيع قطعة الأرض التي تعود ملكيتها لعائلته بسعر مناسب رغم الارتفاع الطفيف في أسعار العقارات والأراضي في قطاع غزة.

ويتمنى الزعنون وأشقائه الأربعة أن تكلل جهود بيع قطعة الأرض التي تبلغ مساحتها 750 مترًا مربعًا بالنجاح من خلال إيجاد مشتري بالأسعار المتداولة والمعروفة في المنطقة، وخاصة بعد تضررها من المنخفض الجوي الأخير "أليكسا".

ويسعى الزعنون الذي يعمل موظفًا حكوميًا في "سلطة رام الله" وأشقائه إلى بيع قطعة الأرض منذ 3 أشهر من أجل شراء قطعة أخرى في منطقة أفضل وسط مدينة غزة، وبناء عمارة سكنية تأوي الأشقاء الخمسة ووالدتهم السبعينية التي تحلم بمنزل جديد يضم حديقة صغيرة.

لكن مساعي عائلة الزعنون باءت بالفشل بعد الانخفاض المفاجئ في أسعار الأراضي والعقارات في المناطق المتضررة بفعل المنخفض الجوي الأخير، الذي ضرب البلاد منتصف ديسمبر الماضي، ما أدى إلى غرق مئات المنازل جراء ارتفاع منسوب المياه من غزارة الأمطار.

وأجلت طواقم الانقاذ المختلفة التابعة لوزارات الداخلية والأشغال والإسكان والحكم المحلي، إضافة إلى بلدية غزة وفصائل العمل الوطني والإسلامي وشبان متطوعون من مناطق عدة، سكان منطقة النفق الغارقين إلى مراكز إيواء افتتحتها الحكومة في عدة مدارس، لمواجهة الأزمة.

ارتفاع

حال أبو محمد النحال يختلف كثيرًا عن سابقه، فهو يقطن في شقة سكنية بالإيجار وسط مدينة غزة، الأمر الذي دفعه إلى ادخار مبلغ من المال خلال السنوات الماضية، بعد اتباعه سياسة تقشفية في مصروفات المنزل اليومية.

النحال يؤكد لـ"الاقتصادية" أن ارتفاع مبلغ الإيجار الشهري ومرور الوقت بسرعة، جعله يبحث عن حل جذري يمكنه من شراء منزل صغير يأويه وزوجته وأبنائه الأربعة، هربًا من الاستحقاق الشهري لإيجار المنزل.

ويقول: "استطعت حتى اللحظة تجميد مبلغ 15 ألف دولار، والبنك وافق على اقراضي بمبلغ يقدر بـ20 ألف دولار، ليصبح اجمالي المبلغ 35 ألف دولار، وحينما بدأت البحث عن شقة سكنية جاهزة للسكن بهذا المبلغ، تفاجأت بارتفاع طفيف في أسعار العقارات والأراضي".

ويضيف النحال: "هذا المبلغ يمكنني من شراء شقة سكنية غير مشطبة، ولكن تكلفة تشطيب الشقة وخاصة في هذا الوقت، وفق تجار ومقاولون ومهندسون، لا تقل عن 10 آلاف دولار، وهو ما لا يمكنني توفيره في الوقت الحالي".

ويعاني قطاع غزة، من شح كبير في مواد ومستلزمات البناء، منذ إغلاق الجيش المصري للأنفاق الحدودية ووقف عمليات تهريب البضائع إلى غزة، ورفض (إسرائيل) إدخال هذه المواد عبر معبر كرم أبو سالم، بذريعة استخدامها من قبل المقاومة في بناء الأنفاق الأرضية.

ثبات الأسعار

أما أبو إبراهيم الملش أحد مؤسسي شركة "الملش" للتجارة العامة والمقاولات؛ فيؤكد أن أسعار العقارات والأراضي شهدت الفترة الماضية ارتفاعًا طفيفًا، لكن حالة الركود التي يشهدها قطاع غزة، في عمليات البيع والشراء في الآونة الأخيرة، أدت إلى ثبات الأسعار.

ويرجع الملش في تصريح خاص بـ"الاقتصادية"، حالة الركود إلى تشبع السوق، ووقف البنوك الإسلامية تمويل الشقق السكنية، والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يحياها المواطنون في قطاع غزة، واصفًا الأسعار بـ"الثابتة".

ويقول: "إن المواطنين في قطاع غزة يشتكون باستمرار من ارتفاع أسعار العقارات والأراضي، وهم بحاجة إلى أسعار تتناسب وأوضاعهم الاقتصادية الصعبة، فالشبان يبحثون عن شقق كبيرة لا تتناسب مع أوضاعهم، رغم وجود شقق صغيرة، بتكلفة مناسبة تقدر بـ38 ألف دولار".


ويشير الملش إلى وجود رغبة لدى الكثير من المواطنين لشراء الشقق السكنية، ولكن على دفعات أو عبر نظام التقسيط، منوهاً إلى أن ارتفاع أسعار مواد البناء في قطاع غزة، حال دون موافقة الشركة على البيع بالتقسيط أو على دفعات.

ويلفت النظر إلى توقف الشركة عن بناء أبراج سكنية في مدينة غزة، نظرًا للنقص الكبير في المواد الأساسية للبناء وارتفاع اسعارها في حال وجدت في السوق السوداء، مطالبًا الجهات المسؤولة بالعمل على حل هذه المشكلة وتوفير المواد اللازمة لاستكمال العمل في هذه الأبراج.

تذبذب طفيف

فيما يرى تاجر العقارات والأراضي أبو عبدالله أبو الحصين، أن أسعار العقارات والأراضي في قطاع غزة، تشهد حالة من "التذبذب الطفيف بين الارتفاع والانخفاض حول متوسط الأسعار المعروفة، وهو أقرب ما يكون إلى الثبات في السعر".

ويرجع ذلك في حديث لـ"الاقتصادية"، إلى حالة الركود في عمليات بيع وشراء العقارات في قطاع غزة، وخاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتخوف المواطنين من القادم المجهول الذي تحمله الأوضاع السياسية في البلاد والمنطقة بشكل عام.

وينفي أبو الحصين تلاعب التجار بأسعار العقارات والأراضي، لكنه توقع في الوقت ذاته أن يشهد قطاع الأراضي ثبات معقول في الأسعار.

تقييم العقار

الباحث والمحلل الاقتصادي عبد الرحمن الفار، يؤكد أن تحدد أسعار العقارات والأراضي عادةً يتم بواسطة فئة من الأخصائيين الذين يقيمون العقار من جوانب عدة.

ويبين الفار في تصريح لـ"الاقتصادية"، أهم جوانب تقييم العقار، وهي: سهولة الوصول إليه، وقربه من مركز المدينة، وتضاريسه، والعقارات المحيطة، إضافة إلى مستقبل موقع العقار من حيث إقبال السكان عليه واقتصادياً تقيم العقارات وفقاً إلى عوامل سوقية وعوامل تخطيطية.

ويوضح أن ما حدث خلال المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة الشهر الماضي وعرف باسم "أليكسا" وما نتج عنه من غرق لمنطقة شارع النفق بالتحديد والتي كانت أكثر المناطق تضررًا يدعو الجميع إلى إعادة تقييم لأسعار العقارات وبالأخص في هذه المنطقة.

وأدى المنخفض الجوي لحدوث حالتي وفاة وإصابة 108 مواطنين بجراح مختلفة، فضلاً عن أضرار كبيرة بلغت أكثر من 60 مليون دولار في قطاع غزة، بسبب غرق المنازل والأراضي الزراعية، وأضرار بالغة في المباني والشوارع في مختلف المحافظات.

ويقول الفار: "قبل أعوام كانت أسعار العقارات في منطقة النفق طبيعية ومقيمة بشكل جيد، إذ أن تلك المنطقة تعتبر منخفضة بالنسبة لباقي مناطق مدينة غزة، إضافة إلى كون المواصلات إلى شارع النفق صعبة إلى حدٍ ما".

ويشير إلى إطلاق بعض المستثمرين من تجار العقارات والذين قاموا بشراء عقارات في تلك المنطقة، بالون بعد فترة مروجين إلى مستقبل أفضل لأسعار العقارات هناك، ما أدى إلى زيادة الطلب على العقارات في المنطقة وارتفاع الأسعار تطلعًا لمستقبل أفضل توقعه تجار العقارات أولاً وانتقل إلى المشترين فيما بعد.

ويضيف: "اقتصادياً يمكن تفسير ذلك بأن السعر الاسمي ارتفع فجأة نتيجة زيادة الطلب الناتج عن انتقال منحنى الطلب إلى الأعلى، بسبب تحسن في التوقعات المستقبلية لأسعار العقارات بمنطقة شارع النفق وأن هذه الزيادة في الأسعار الإسمية كان مبالغاً فيها، حيث أن جميع العوامل السوقية المؤثرة على أسعار العقارات في المنطقة ظلت ثابتة، بينما تحسن تقييم العوامل التخطيطية الخاصة بمستقبل العقارات والاعتقاد بهذا التحسن كان خاطئاً، ما سبب بانخفاض متوقع لأسعار العقارات بمنطقة شارع النفق".