عن اتفاق الإطار ويهودية الدولة بقلم:آصف قزموز
عن اتفاق الإطار ويهودية الدولة
بقلم:آصف قزموز
ما زال سجال الجولات التفاوضية، وتراشق التصريحات عنها وعما سيتمخض عنها، على أشده سواء ما بين الطرفين المتفاوضين الإسرائيلي والفلسطيني، أو ما بين مراكز القوى السياسية داخل الحلبة الإسرائيلية على وجه التحديد. وكما في كل مرحلة من مراحل التفاوض التاريخي عبر السنين مع الإسرائيليين، ظل التعنت والمماطلة سيدَي الموقف بجعل هذه المفاوضات هيزعَه فاضية وجَعْجَعة من دون طَحِن. ولعل جديد الأمر في حقبة المفاوضات الحديثة، هو إدخال شرط اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة عاملاً تعجيزياً جديداً، وكأنما المفاوضات ناقصها تعجيز أكثر من اللي هي فيه.
ومع ذلك تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها هذه الأيام من موقع الشريك في التفاوض، لا سيما منذ أن أعاد جون كيري وزير خارجيتها روح الحياة الى المفاوضات، وما زال يسعى جاداً جاهداً، لايصال الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني لاتفاق إطار يوصلنا وإياهم لاتفاق سلام خلال عام من التفاوض.
لكن كل هذه الجدية الأميركية الفلسطينية لم تفلح حتى الآن في إحراز أي اختراق لجدار الصد الإسرائيلي اليميني المتطرف المانع لأي سلام كان. ومع كل هذا لن يسقطوا غصن الأمل الراسخ من يدنا، لأن إيماننا راسخ في السلام وشعبنا يستحق منا أن نصبر ونصمد في كل ميادين المواجهة مع هذا التعنت مهما طال الزمن، وقد آن الأوان أن نقلع عن استعداء أي طرف يقف معنا جزئياً أو كلياً وعن التشكيك الزائد في النوايا وعن المبالغة المفرطة في تقييم أي موقف من أي حليف أو شريك أو صديق، ولنقبل مواقف الآخرين من كل حسب قدرته ومقاساته، وليس حسب مقاساتنا وسقوف طموحاتنا، ولنتذكر أن لكل حساباته وتوازنات مصالحه التي تحدد مسافات البُعد أو القُرب بيننا وبينه، ومثلما نريد أن ينتصر الآخرون لمصالحنا وحفوقنا، لا بد لنا أن نأخذ بعين الاعتبار مصالحهم وحساباتهم وتوازن مصالحنا وحقوقنا مع الآخر. وقد أكد الرئيس أبو مازن مراراً وتكراراً أننا نخوض مفاوضات صعبة مع هذه الحكومة الإسرائيلية وهذه حقيقة، ولكن يظل هدفنا الصادق مع شعبنا، هو التوصل الى الحل الذي يحفظ حقوق شعبنا المشروعة.
نعم، ها هو جون كيري يتابع زياراته المكوكية للمنطقة، ويلتقي الأطراف الفاعلة المحلية والعربية والدولية، لا سيما السعودية والأردن، إضافة للقائه مع لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، ويعلن للملأ صباح مساء التزام الرئيس باراك أوباما بوضع خطة سلام منصفة ومتوازنة، بعد إعلانه عن إحراز تقدم في المفاوضات.
لكن كل هذا ما زال يصطدم بطلب تعجيزي إسرائيلي يشترط قبول الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل، مع كل ما يرافق ذلك من إجراءات وتعديات احتلالية استيطانية يومية متعمدة لاستفزاز الفلسطينيين، وجرهم لمواقف متطرفة تفشل المساعي الأميركية للسلام، لكن تحذيراته الأخيرة للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بخفض مستوى المشاركة الأميركية بالمفاوضات، في حال لم يتم التوصل لاتفاق، انما هو في حقيقة الأمر ضغط على الطرف الفلسطيني وفرصة للحكومة الإسرائيلية الساعية أصلاً لإفشال الاتفاق، وهو لسان حالنا كما في غير مرة مع كل الضغوط الأميركية وغير الأميركية والتي تقع على رأس طرفٍ لحساب الآخر، بصرف النظر عن حسن النوايا والجدية الأميركية المشار اليها آنفاً.
ففي معرض محاولاتها الدؤوبة لعرقلة أي اتفاق سلام جدي مع الفلسطينيين، والتهرب من التزاماتها بحق العودة للاجئين الفلسطينيين تحديداً، قامت الحكومة الإسرائيلية باستحضار شعار يهودية الدولة كشرط تعجيزي على الفلسطينيين في المفاوضات، وذلك في إطار تعنتهم الدائم والقائم على مقولة "اللي ما بدو يجوز بنتو بيغَلِّي مَهِرْها"، وما زال هذا الشعار يشكل الفزاعة التي يطلقها المتطرفون الإسرائيليون في وجهنا عند كل جولة، أو حديثٍ عن أي دولَة.
وعلى الرغم من الصراع الدائم ما بين أعداء الاستيطان في الحلبة السياسية الإسرائيلية ومؤيدي الاستيطان المهيمنين على القرار السياسي في إسرائيل، حيث يعتبر هؤلاء المعارضون أن استيطان سيؤدي الى القضاء على فكرة يهودية الدولة ويفضي بالمقابل لصيغة دولة ثنائية القومية، الأمر الذي سيقوض أطماعهم التاريخية بالاعتراف بيهودية الدولة، الذي كان وما زال حلماً يراودهم منذ بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين وحتى يومنا هذا، صوّت الكنيست الإسرائيلي مؤخراً ضد مشروع قانون "حل الدولتين"، الذي من شأنه أن يمنع الحكومة الإسرائيلية من ضم أراضٍ فلسطينية لإسرائيل من جانب واحد، مع أنه يسمح بضم أراضٍ فلسطينية ولكن في إطار اتفاق السلام المزمع والذي من شأنه أن يقود لحل الدولتين. وتماماً مثلما روج نتنياهو منذ اعتلائه سدة الحكم والحكومة، فِرْيَة ما أسماه" الإرهاب الفلسطيني" والذي بات اليوم مصطلحاً معمماً يشمل كل فعل وطني مناهض لمصالح الاحتلال في المنطقة وحتى العالم، يسعى نتنياهو وحلفاؤه المتطرفون والعدميون اليوم لترويج وفرض الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية من قبلنا، كشرط تعجيزي مسبق لإنجاح عملية السلام المفقود حتى الآن، وكوسيلة متعمدة أراد منها نتنياهو وضع العقبات والتعقيدات أمام المفاوضات، لأنه لا يرغب في السلام ويريد التهرب من أية استحقاقات أو التزامات تجاه السلام، وهذا الشرط بات مرفوضاً جملةً وتفصيلا من جانبنا كفلسطينيين، مستذكرين أن وجود الاستعمار البريطاني في فلسطين في القرن الماضي، قد شكَّل هو الآخر قوة دافعة للإسرائيليين باتجاه تلك الفكرة.
قد يتبادر لذهن البعض أن الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية مسألة شكلية أو قابلة للمساومة، لكن حقيقة الأمر، أن في ذلك مخاطر ناسفة لِجُل المشروع السياسي الوطني الفلسطيني، ويمكن القول أن الرفض الفلسطيني الجازم لهذا الاعتراف الابتزازي أصلاً، ناجم عن إدراك القيادة الفلسطينية لجملة الاستهدافات الإسرائيلية التي من شأنها أن تقوض الحقوق الفلسطينية المشروعة، لا سيما تلك الحقوق غير القابلة للتصرف.
فطالما أن الاعتراف بيهودية الدولة سيعني، الالتفاف على حق عودة اللاجئين من خلا تقويض القرار 194 القاضي بحفظ هذا الحق لنا، وطالما أنه سيعني المساس بوحدة النسيج الفلسطيني وبوجود ومشروعية أبناء شعبنا داخل إسرائيل، وما يمكن أن يستتبع ذلك من تمييز ظالم وطرد وتهجير وهضم وإلغاء لحقوقهم كمواطنين على أرضهم داخل دولة إسرائيل، ناهيك عما يستهدفه ذلك من إلزامنا بالاعتراف بالفكرة الصهيونية القديمة الجديدة ليهودية الدولة المزمعة وما يمكن أن يترتب على ذلك من تدمير لمقومات ومعالم دولتنا المنشودة وهويتنا الموجودة، فكل هذا وغيره لا يمكن أن يبيح لأي فلسطيني ولا عربي الاعتراف بيهودية الدولة لأنه شرط مدمر ينفي حقنا المشروع لصالح أطماع غير مشروعة ولا مثبتة.
[email protected]
بقلم:آصف قزموز
ما زال سجال الجولات التفاوضية، وتراشق التصريحات عنها وعما سيتمخض عنها، على أشده سواء ما بين الطرفين المتفاوضين الإسرائيلي والفلسطيني، أو ما بين مراكز القوى السياسية داخل الحلبة الإسرائيلية على وجه التحديد. وكما في كل مرحلة من مراحل التفاوض التاريخي عبر السنين مع الإسرائيليين، ظل التعنت والمماطلة سيدَي الموقف بجعل هذه المفاوضات هيزعَه فاضية وجَعْجَعة من دون طَحِن. ولعل جديد الأمر في حقبة المفاوضات الحديثة، هو إدخال شرط اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة عاملاً تعجيزياً جديداً، وكأنما المفاوضات ناقصها تعجيز أكثر من اللي هي فيه.
ومع ذلك تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها هذه الأيام من موقع الشريك في التفاوض، لا سيما منذ أن أعاد جون كيري وزير خارجيتها روح الحياة الى المفاوضات، وما زال يسعى جاداً جاهداً، لايصال الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني لاتفاق إطار يوصلنا وإياهم لاتفاق سلام خلال عام من التفاوض.
لكن كل هذه الجدية الأميركية الفلسطينية لم تفلح حتى الآن في إحراز أي اختراق لجدار الصد الإسرائيلي اليميني المتطرف المانع لأي سلام كان. ومع كل هذا لن يسقطوا غصن الأمل الراسخ من يدنا، لأن إيماننا راسخ في السلام وشعبنا يستحق منا أن نصبر ونصمد في كل ميادين المواجهة مع هذا التعنت مهما طال الزمن، وقد آن الأوان أن نقلع عن استعداء أي طرف يقف معنا جزئياً أو كلياً وعن التشكيك الزائد في النوايا وعن المبالغة المفرطة في تقييم أي موقف من أي حليف أو شريك أو صديق، ولنقبل مواقف الآخرين من كل حسب قدرته ومقاساته، وليس حسب مقاساتنا وسقوف طموحاتنا، ولنتذكر أن لكل حساباته وتوازنات مصالحه التي تحدد مسافات البُعد أو القُرب بيننا وبينه، ومثلما نريد أن ينتصر الآخرون لمصالحنا وحفوقنا، لا بد لنا أن نأخذ بعين الاعتبار مصالحهم وحساباتهم وتوازن مصالحنا وحقوقنا مع الآخر. وقد أكد الرئيس أبو مازن مراراً وتكراراً أننا نخوض مفاوضات صعبة مع هذه الحكومة الإسرائيلية وهذه حقيقة، ولكن يظل هدفنا الصادق مع شعبنا، هو التوصل الى الحل الذي يحفظ حقوق شعبنا المشروعة.
نعم، ها هو جون كيري يتابع زياراته المكوكية للمنطقة، ويلتقي الأطراف الفاعلة المحلية والعربية والدولية، لا سيما السعودية والأردن، إضافة للقائه مع لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، ويعلن للملأ صباح مساء التزام الرئيس باراك أوباما بوضع خطة سلام منصفة ومتوازنة، بعد إعلانه عن إحراز تقدم في المفاوضات.
لكن كل هذا ما زال يصطدم بطلب تعجيزي إسرائيلي يشترط قبول الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل، مع كل ما يرافق ذلك من إجراءات وتعديات احتلالية استيطانية يومية متعمدة لاستفزاز الفلسطينيين، وجرهم لمواقف متطرفة تفشل المساعي الأميركية للسلام، لكن تحذيراته الأخيرة للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بخفض مستوى المشاركة الأميركية بالمفاوضات، في حال لم يتم التوصل لاتفاق، انما هو في حقيقة الأمر ضغط على الطرف الفلسطيني وفرصة للحكومة الإسرائيلية الساعية أصلاً لإفشال الاتفاق، وهو لسان حالنا كما في غير مرة مع كل الضغوط الأميركية وغير الأميركية والتي تقع على رأس طرفٍ لحساب الآخر، بصرف النظر عن حسن النوايا والجدية الأميركية المشار اليها آنفاً.
ففي معرض محاولاتها الدؤوبة لعرقلة أي اتفاق سلام جدي مع الفلسطينيين، والتهرب من التزاماتها بحق العودة للاجئين الفلسطينيين تحديداً، قامت الحكومة الإسرائيلية باستحضار شعار يهودية الدولة كشرط تعجيزي على الفلسطينيين في المفاوضات، وذلك في إطار تعنتهم الدائم والقائم على مقولة "اللي ما بدو يجوز بنتو بيغَلِّي مَهِرْها"، وما زال هذا الشعار يشكل الفزاعة التي يطلقها المتطرفون الإسرائيليون في وجهنا عند كل جولة، أو حديثٍ عن أي دولَة.
وعلى الرغم من الصراع الدائم ما بين أعداء الاستيطان في الحلبة السياسية الإسرائيلية ومؤيدي الاستيطان المهيمنين على القرار السياسي في إسرائيل، حيث يعتبر هؤلاء المعارضون أن استيطان سيؤدي الى القضاء على فكرة يهودية الدولة ويفضي بالمقابل لصيغة دولة ثنائية القومية، الأمر الذي سيقوض أطماعهم التاريخية بالاعتراف بيهودية الدولة، الذي كان وما زال حلماً يراودهم منذ بدايات المشروع الصهيوني في فلسطين وحتى يومنا هذا، صوّت الكنيست الإسرائيلي مؤخراً ضد مشروع قانون "حل الدولتين"، الذي من شأنه أن يمنع الحكومة الإسرائيلية من ضم أراضٍ فلسطينية لإسرائيل من جانب واحد، مع أنه يسمح بضم أراضٍ فلسطينية ولكن في إطار اتفاق السلام المزمع والذي من شأنه أن يقود لحل الدولتين. وتماماً مثلما روج نتنياهو منذ اعتلائه سدة الحكم والحكومة، فِرْيَة ما أسماه" الإرهاب الفلسطيني" والذي بات اليوم مصطلحاً معمماً يشمل كل فعل وطني مناهض لمصالح الاحتلال في المنطقة وحتى العالم، يسعى نتنياهو وحلفاؤه المتطرفون والعدميون اليوم لترويج وفرض الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية من قبلنا، كشرط تعجيزي مسبق لإنجاح عملية السلام المفقود حتى الآن، وكوسيلة متعمدة أراد منها نتنياهو وضع العقبات والتعقيدات أمام المفاوضات، لأنه لا يرغب في السلام ويريد التهرب من أية استحقاقات أو التزامات تجاه السلام، وهذا الشرط بات مرفوضاً جملةً وتفصيلا من جانبنا كفلسطينيين، مستذكرين أن وجود الاستعمار البريطاني في فلسطين في القرن الماضي، قد شكَّل هو الآخر قوة دافعة للإسرائيليين باتجاه تلك الفكرة.
قد يتبادر لذهن البعض أن الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية مسألة شكلية أو قابلة للمساومة، لكن حقيقة الأمر، أن في ذلك مخاطر ناسفة لِجُل المشروع السياسي الوطني الفلسطيني، ويمكن القول أن الرفض الفلسطيني الجازم لهذا الاعتراف الابتزازي أصلاً، ناجم عن إدراك القيادة الفلسطينية لجملة الاستهدافات الإسرائيلية التي من شأنها أن تقوض الحقوق الفلسطينية المشروعة، لا سيما تلك الحقوق غير القابلة للتصرف.
فطالما أن الاعتراف بيهودية الدولة سيعني، الالتفاف على حق عودة اللاجئين من خلا تقويض القرار 194 القاضي بحفظ هذا الحق لنا، وطالما أنه سيعني المساس بوحدة النسيج الفلسطيني وبوجود ومشروعية أبناء شعبنا داخل إسرائيل، وما يمكن أن يستتبع ذلك من تمييز ظالم وطرد وتهجير وهضم وإلغاء لحقوقهم كمواطنين على أرضهم داخل دولة إسرائيل، ناهيك عما يستهدفه ذلك من إلزامنا بالاعتراف بالفكرة الصهيونية القديمة الجديدة ليهودية الدولة المزمعة وما يمكن أن يترتب على ذلك من تدمير لمقومات ومعالم دولتنا المنشودة وهويتنا الموجودة، فكل هذا وغيره لا يمكن أن يبيح لأي فلسطيني ولا عربي الاعتراف بيهودية الدولة لأنه شرط مدمر ينفي حقنا المشروع لصالح أطماع غير مشروعة ولا مثبتة.
[email protected]
