الطوفان

الطوفان
منى النابلسي

لم أكن قد تجاوزت السادسة عشرة (عمر الأحلام) في ذلك اليوم الذي فاز فيه المدعو (بنيامين نتنياهو) في الانتخابات ليصبح أصغر رئيس وزراء في (دولة إسرائيل)، كان هذا أحد أكثر الأخبار أهمية في ذلك الزمن الذي كان عليك فيه أن تصبر بجلد على تقليب صفحات الجريدة لأكثر من ساعتين، لتعرف ما تريد أن تعرف، فلم تكن (جوجل) قد بلغت سن الشهرة بعد على الأقل في القدس الشرقية!!
اهتمت الصحف آنذاك في سرد السيرة الذاتية للرجل الذي سيلعب دورا هاما في سياسة المنطقة، وربما في مصائر الشعوب..
وبعيدا جدا عن السياسة، وأبعد ما يكون عن الغفران لمن حجبوا الشمس عن شعبي، لكنني بطموح شابة آنذاك غبطت (الإسرائيليين) على (دولتهم)، التي يمكن لك فيها أن تحلم بقدر ما تشاء، وأن تجتهد بقدر ما تستطيع، وحمدت الله أن وهبني الحياة على هامش انجازاتهم التي ستمنحني شيئا من الحرية..
ولكم تمنيت بعدها أن تكون لنا دولة كتلك (الدول الحرة) حيث يمكنك ببساطة أن تملأ رئتيك بالهواء النظيف إذا كان الجو صافيا، دون أن يزاحم اسم رئيس البلاد (اسم الله) وأنت تهمس لنفسك منتشيا بنعمة ما، خشية أن تسقط اسم فخامته، فتسقط فيما لا طاقة لك به.. ويمكنك أن تحارب القذارة دون أن تتكسر عظامك، فقط لأنك تبحث عن حل علمي للتخلص من الهواء الملوث المتصاعد من عوادم السيارات العتيقة!!!
اليوم، وقد غادرت (عمر الأحلام) إلى الأبد، أتطلع بقلق إلى من هم في (عمر الأحلام) من شبابنا، ورغم خيبتي الكبيرة بهم أفرادا وجماعات، إلا أنني ألتمس لهم العذر، فكل المقاعد في الوطن محجوزة ما عدا المقاعد في المقاهي والملاهي ومقاعد الطائرات المهاجرة، والمقاعد الأثيرة للموت، وكل الألقاب في الوطن محجوزة مسبقا ما عدا تلك المشينة أو المرتبطة بالجنون، وكل الوظائف في بلادنا محجوزة ما عدا تلك التي لا تلبي طموح أحد، وحتى الأحلام في بلادنا محجوزة ما عدا تلك التي توصلك إلى التهلكة..
ولأنني غادرت (عمر الأحلام) توقفت عن تناول المسكنات الفكرية الداعية إلى الإصلاح والتغيير، وتكوين القاعدة الشعبية العريضة لتكون أساس التغيير، توقفت عن الإيمان ب(الصندوق)، وكفرت بالكثير من الحكم الشعبية المتوارثة،وبت أكثر فهما (للفلك) التي طهرت الأرض من الضلال، أي أنني صرت أشد إيمانا بالطوفان!!