خلال جولة تفقدية للإغاثة الزراعية - نكبة جديدة تحط رحالها على الأغوار الفلسطينية فاقمتها العاصفة الثلجية الأخيرة
نابلس - دنيا الوطن
ما أن أنقشعت الغيوم، وبدأ مزارعو الأغوار بالتوجه لأراضيهم وحقولهم، حتى سيطر الوجوم والصدمة على وجوههم من هول الخراب الذي حل بأراضيهم، بفعل الأحوال الجوية العاصفة، التي تسببت بأضرار تفوق مقدرتهم على تحملها، وزاد من سخطهم غياب التسليط الإعلامي على تداعيات وضعهم الحالي.
وتكشفت حقيقة الأثار والتداعيات الحقيقية على مناطق الأغوار، خلال جولة تفقدية نظمها طاقم من الأغاثة الزراعية الفلسطينية، من موظفين ومتطوعين برفقة الاعلإمي أمين أبو وردة إنطلاقا من النصارية وعين شبلي وبني حسن وفروش بيت دجن والجفتلك، دامت زهاء سبع ساعات، كانت كفيلة بالوقوف على حجم وهول المأساة.
عند الإنطلاق من نابلس صباح كان الإعتقاد أن حجم الاضرار، سيكون كما هو في كل عام عندما تهطل أمطار غزيرة وتفيض الوديان، وما أن وصلنا إلى تخوم الأغوار حتى ظهرت المشاهد التي تظهر انجرافات التربة الكبيرة وتلف مئات الدونمات، على جانبي الوديان في النصارية وبيت حسن وعين شبلي.
لفت الإنتباه
ويشير منجد ابو جيش، مدير دائرة الضغط والمناصرة والإعلام في الإغاثة الزراعية الفلسطينية، أن الهدف من تلك الجولة الوقوف على حقيقة الأوضاع في الأغوار ولفت الإنتباه لمعاناة السكان بأشكالها المختلفة من زوايا الزراعة والمسكن والتعليم والمياه والصحة، على مدار العام وليس فقط جراء العاصفة الثلجية.والإطلاع على مشاريع الإغاثة التي تم تم تنفيذها في الأعوام السابقة، ومعرفة إحتياجات المنطقة من أجل المساعدة في توفير بعض البرامج والمشاريع .
كانت أولى المحطات التعرف على أضرار بلدة عين شبلي، والتي رصدها الناشط في الإغاثة الزراعية أسامة أبو حطب، وفيها أورد أن السيول الجارفة أغلقت أحد الطرق المؤدية إلى الأراضي والسهول الزراعية في البلدة حيث طمرت مياه الأمطار الطريق بشكل كامل، وقطعت إتصال المواطنين بالأراضي الزراعية، كما تقطعت السبل بالبدو الذين يسكنون المنطقة، حيث لا يمكنهم نقل تنكات المياه اللازمة لسقي الحيوانات والبشر.
أما المواطنة إمتياز قرمش من بيت حسن، فقد سلطت الأضواء على معاناة بلدتها الواقعة بين جبلين، حيث أرتفعت مياه السيول إلى أكثر من متر ونصف وانقطع الإتصال عن العالم، منوهة إلى أن عدم صيانة مجرى الوادي واقنية المياه أدى إلى تدمير كبير للمزارع، فيما روت صديقتها لينا حامد، كيف كانت الأيام الأولى للعاصفة شلل للحياة وخطر على الأهالي من التوجه للإطمئنان على حقولهم الزراعية ومواشيهم، جراء غمرها بالمياه والطمي.
وفي جلسة قصيرة في مكتب جمعية الإغاثة الزراعية في فروش بين دجن، تم اللقاء الأولي مع متطوعي الإغاثة في قرى المنطقة، من أجل توحيد الجهود للوقوف على حجم الضرر الحاصل، والقيام بخدمة المزارعين وإيصال صوتهم لكل المسؤولين والجهات الاعلامية.
عزلة بسبب الفيضانات
"لقد عزلت المنازل ثلاث أيام عن العالم، بسبب الفيضانات" كما تقول أنوار اسماعيل، من فروش بيت دجن وهو خريجة جامعية ومتطوعة في الإغاثة الزراعية، زاد من ذلك انعدام أي وسيلة إتصال مع المدن القريبة وإنهمار البيوت البلاستيكية بالمياه، وعدم توفر مركبات لمواكبة ذلك.
بعد إنتهاء اللقاء السريع في مكتب الاغاثة الفرعي، كان الانطلاق نحو حقول المزارعين، لنفاجىء بإمرأتين برفقة طفلين ينتظرون على مفرق الطريق الرابط بين أريحا ونابلس، وكانت دقائق الساعة تشير إلى 11 قبل الظهر. تقول إحدى النسوة، وهي زوجة المزارع أحمد موسى، أنها تقف هنا من ساعتين ونصف من أجل التوجه لمركز صحي في الأغوار الشمالية للتطعيم، ولم تمر اي مركبة حتى اللحظة، فيما قالت رفيقتها زوجة المزارع طلال حسين أن الطريق أضحت خاوية منذ سنوات، عندما تم تغيير مسرى الجسر إلى طريق آخر.
عند وصولنا إلى بلدة فروش بيت دجن كان بصحبتنا عازم حج محمد نائب رئيس مجلس القروي، الذي واكب تداعيات الأوضاع الجوية، واختصر حكاية البلدة بأنها تعيش أجواء نكبة جديدة ومتجددة، لكنها كانت طي الصمت والكتمان على مدار أسبوع كامل.
بدا الأستاذ توفيق عبد الرحيم رئيس المجلس القروي في فروش بيت دجن، ومدير مدرسة البلدة منفعلا، كون المنطقة، كما يقول " تعاني التهميش ولا تسلط عليها الأضواء" معربا عن إرتياحه لمرور العاصفة الأخيرة دون ضرر في الأرواح، لكنها كما يشير تركت ضررا واضحا في الجانب الزراعي، وتسببت بضرر كبير للطرق الزراعية للبلدة والبالغ طوله 15 كيلومترا من الطرق الزراعية، بسبب الإنجرافات، فيما جرى إستئناف الدراسة في مدرسة البلدة. وفقا لتعليمات مديرية التربية والتعليم.
الخضار الاكثر تضررا
ووصف عبد الرحيم، طبيعة السيول التي عمت البلدة بأنها الاضخم من سنوات، وكانت أضرارها أوسع، بسبب تغيير مسار بعضها من البعض، وارتفاع منسوبها الى نحو 70 سم محملة بالطمي، مشيرا إلى أن أكثر الخضار تعرضا للضرر، كان الخيار والبندورة، ناهيك عن أضرار أخرى منها الحيوانات الضالة، خاصة الخنازير، ومصدرها المستوطنات.
وتركت حكاية المزارع توفيق صالح الحج محمد، أجواء من الضحك والعجب، عندما قال أن الاحتلال غرمه 660 شيكلا، بحجة قيامه بقتل خنزير عثر عليه داخل دفيته المزروعة بالخيار، وذلك قبل أيام وتمت قتله داخل الدفيئة التي تم تخريبها، قائلا بلغة تهكمية "الخنزير تسبب بضرر لي حيا وهو ميت".
وتعاني البلدة أيضا من ضعف المرافق الصحية، حيث تتوفر فيها عيادة متنقلة تحضر مرة واحدة كل أسبوع عبر إتحاد العمل الصحي، وفيها مدرسة وحيدة مبنية، لخدمة عدد سكان البلدة البالغ عددهم 1200 نسمة ،
ويضيف رئيس المجلس القروي أن الأهالي يعانون من ارتفاع سعر الكهرباء، رغم أنهم الوحيدون الذين يدفعون التزاماتهم، من خلال الدفع المسبق، ناهيك عن عدم قيام السلطة بتعويض المزارعين جميعا عن خسائر سابقة تعرضوا لها.
لا منتوج حاليا
ويعلل المزارع سامي أبو حنيش، حجم الضرر الكبير للمزارعين إلى تدني درجة الحررارة الأمر الذي أدى إلى توقف نمو النبتة وتأخر قطف ثمارها لعشرة، أيام إلى جانب عدم المقدرة على الوصول للأسواق سابقا والآن عدم وجود منتوجا أصلا.
"هدفنا تعزيز صمود المواطن وحماية المزارعين" يقول منجد أبو جيش وتنفيذ مشاريع عديدة، تصب في هذا الهدف تشمل ابقاء المزارع في أرضه، وعدم توجههم للعمل في مشاريع المستوطنات القريبة، خاصة النساء.
بعد محطة فروش بيت دجن تم الإنطلاق صوب الجفتلك، فيما المشاهد في الطريق تظهر حجم انجراف التربية وحجم السيول التي غطت مساحة واسعة من الارضي على يمين الطريق، وظهر بعض المزارعين يحاولون إصلاح ما يمكن اصلاحه.
كان اللقاء الأول في الجفتلك في كنف المزارعين محمد سالم وسعود سالم، أصحاب بركسات المواشي التي تعرضت قبل يومين من حدوث العاصفة، إلى عملية هدم لبركاستهم من قبل جرافات الاحتلال، مما جعل قطيع ماشيته البالغ 240 رأسا من الغنم بلا مأوى. ويقول سعود بعدما أحضر أكوابا من الشاي الساخن هذه الهدم الثاني الذي تعرض له خلال 20 يوما، وقد تسبب الهدم الاخير إلى نفوق عدد من الأغنام وتعرض صغارها للضعف، بسبب البرد القارص.
نكبة متكررة
ويقول سعود، لقد سبق وأن تعرضت لنكبة أخرى في العام 2002 ، بهدم المنزل بحجة عدم الترخيص وتحولت أسرتي المكونة من 8 انفار إلى لاجئة تبحث عن الدفىء هنا وهناك، مؤكدا بلغته البسيطة "الإحتلال المشكلة الأولى إضافة إلى مشكلة بعد المدرسة التابعة للوكالة عن موقعه ووجود عيادة وحيدة بالبلدة، منوها إلى أن زوجته قبل أربع سنوات ولدت في الطريق لأريحا، حيث تم نقلها لمنزل في العوجا، ووضعت هناك، بسبب الصعوبة في إيجاد سيارة لنقلها لأقرب مشفى.
إنضم لاحقا لتجمعنا في كنف المزارعين سالم المزارع هزاع دراغمة، وهو نائب رئيس المجلس القروي في الجفتلك، والذي إعتدنا التواصل معه تلفونيا في أوقات سابقة، ليطرح لتقييما مقتضبا عن معاناة المنطقة بقوله "الوضع الزراعي مأساوي هنا، والكل يصيح فبعد الهدم والسعي لتهجير السكان من أخصب مناطق فلسطين، وسلة غذائه جاءت العاصفة".
وفي إشارة لمشاريع الاغاثة الزراعية، قال حربي دراغمة أن الجمعية قدمت مشروعا قيمته 150 الف دولار، وهو عبارة عن بيت تعبئة يخدم مزارعي المنطقة، ويساهم في تثبيت الأهالي عبر تقديم نموذج ناجح.
وتبلغ مساحة الجفتلك 20 الاف دونما، ويقطنها نحو 7 الآف نسمة، وتتبع محافظة أريحا، وتقع على مسافة 6 كيلو متر من الحدود الأردنية تقريبا.
أضرار نوعية
من جانبه قال حربي دراغمة، رئيس جمعية الارض الزراعية التعاونية، أن خمسة أيام متواصلة من المطر، تسبب بتأثر الناس والمزروعات، بسبب دخول المياه الى الحظائر والبرد القارص، منوها إلى أن في الجفتلك 4 الاف دونم مزروعة بالكوسا و3 الاف مزروعة بالباذنجان تعرضت لاضرار بنسبة تقترب من 70 بالمائة كما تأخر موسم زراعة الفصوليا وتضررت نبتة الفول ناهيك عن اضرار نوعية تكشفت بعد تفقد المزارعين لاراضيهم في هذه الايام.
وطرح المزارع أيمن عبد من طوباس، ويقيم بالجفتلك أرقاما لخسارته، حيث لديه 42 دونما كلفة زراعتها 60 ألف شيكل، لم يجمع منها سوى 25 الف شيكل فقط، وهنالك استحالة الآن لجمع بقية التكلفة.
وأعد المتطوع والناشط في الإغاثة الزراعية محمد دراغمة، من الجفتلك دراسة حول أضرار المنخفض الأخير منها إنقطاع التيار الكهربائي لمدة 4 ايام في منطقتي خربة العلان والمصفح، وفي منطقة أبوالعجاج لمدة يومين، حيث زادت نسبة الأمراض بين الأطفال، وذلك حسب ما أفاد به الدكتور المناوب في المركز الطبي في قرية الجفتلك، حيث معظم الأمراض هي إنفلونزا والتهابات حادة بين الاطفال، بالإضافة إلى النقص في التغذية، وذلك بسبب اإقطاع الخبز عن القرية وغيره من المواد التموينية والحليب للأطفال خلال الاربع أيام، ونقص الأدوية التي يحتاجها المرضى خلال هذه الفترة مما زاد الأمراض.
وقدرت الأضرار الزراعية من خلال تواصله مع مدير مكتب الزراعة في القرية المهندس عوض دراغمة، ما يقارب أل 300000 الف شيكل أي ما يعادل أل85 الف دولار. ومن الأضرار الزراعية غرق المزارع بالطين والمياه، مما أدى الى قتل المزروعات التي كانت على وشك الانتاج، ففي منطقة الخربة نتيجة لسيل جاء على بركة لتجميع المياه، وقام بغمرها ثم نزولها على المزروعات على مساحة 25 دونم، فأتلفت المزروعات بنسبة 80%، حسب تقدير المهندس الزراعي التابع لمديرية زراعة أريحا، وهذه الحالة سجلت للمزارع هاني توفيق حامد دراغمة، وعند السيد شريف أحمد مساعيد التي توجد مزرعته بالقرب من مزارع المستوطنين، حيث أتلفت جميع مزروعاته نتيجة لنزول مياه المستوطنه على ارضه وغمرها بالكامل، حيث افاد المهندس دراغمة أن نسبة الاضرار 80% للمزروعات والشبكة الزراعية أيضا.
ومن جانب آخر فإن السيول التي قامت بتدمير بعض المزارع، والتي جاءت لعدم العمل على ترميم أقنية التي تقوم بتصريف هذه المياه، وتدمير المنازل عن طريق السيول التي جاءت من الجبال، وكان عدد المتضررين 34 عائلة.
ووفقا لتقرير الإغاثة الزراعية للعام 2012 فإن الإغوار تمتد على ما يعادل 28.8 بالمائة من المساحة الإجمالية للضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وتكشل أكبر احتياطي للأراضي في الضفة، ويقع 87.5 بالمائة من مساحة الأغوار في المنطقة المصنفة ج ، الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية، وتبلغ المساحة الصالحة للزراعة في الأغوار حوالي 280000 دونم، يستغل منها المزارعون الفلسطينيون حوالي 50000 دونما، بينما بلغ المصادر منها لأغراض زراعية ملحقة ب 31 مستوطنة جاثمة على أراضيهم حوالي 27 ألف دونم.
وتبذل كوادر الإغاثة الزراعية التي شارك بالجولة، ومنها إضافة إلى منجد أبو جيش أسد الكردي وناصح شاهين ورامي عبية وعازم حج محمد، إلى جانب عدد من المتطوعين، جهودا لتسليط الأضواء على معاناة مزارعي الأغوار ميدانيا وإعلاميا.
ومع ساعات الغروب كانت العودة إلى نابلس بعد 7 ساعات من التجول في مناطق الأغوار، لتكون مادة للنقاش، والبحث عن آليات في كيفية مساعدة اكثر المناطق تضررا في العاصفة الجوية الاخيرة، حتى تاخذ حقها في الإهتمام والمتابعة.










ما أن أنقشعت الغيوم، وبدأ مزارعو الأغوار بالتوجه لأراضيهم وحقولهم، حتى سيطر الوجوم والصدمة على وجوههم من هول الخراب الذي حل بأراضيهم، بفعل الأحوال الجوية العاصفة، التي تسببت بأضرار تفوق مقدرتهم على تحملها، وزاد من سخطهم غياب التسليط الإعلامي على تداعيات وضعهم الحالي.
وتكشفت حقيقة الأثار والتداعيات الحقيقية على مناطق الأغوار، خلال جولة تفقدية نظمها طاقم من الأغاثة الزراعية الفلسطينية، من موظفين ومتطوعين برفقة الاعلإمي أمين أبو وردة إنطلاقا من النصارية وعين شبلي وبني حسن وفروش بيت دجن والجفتلك، دامت زهاء سبع ساعات، كانت كفيلة بالوقوف على حجم وهول المأساة.
عند الإنطلاق من نابلس صباح كان الإعتقاد أن حجم الاضرار، سيكون كما هو في كل عام عندما تهطل أمطار غزيرة وتفيض الوديان، وما أن وصلنا إلى تخوم الأغوار حتى ظهرت المشاهد التي تظهر انجرافات التربة الكبيرة وتلف مئات الدونمات، على جانبي الوديان في النصارية وبيت حسن وعين شبلي.
لفت الإنتباه
ويشير منجد ابو جيش، مدير دائرة الضغط والمناصرة والإعلام في الإغاثة الزراعية الفلسطينية، أن الهدف من تلك الجولة الوقوف على حقيقة الأوضاع في الأغوار ولفت الإنتباه لمعاناة السكان بأشكالها المختلفة من زوايا الزراعة والمسكن والتعليم والمياه والصحة، على مدار العام وليس فقط جراء العاصفة الثلجية.والإطلاع على مشاريع الإغاثة التي تم تم تنفيذها في الأعوام السابقة، ومعرفة إحتياجات المنطقة من أجل المساعدة في توفير بعض البرامج والمشاريع .
كانت أولى المحطات التعرف على أضرار بلدة عين شبلي، والتي رصدها الناشط في الإغاثة الزراعية أسامة أبو حطب، وفيها أورد أن السيول الجارفة أغلقت أحد الطرق المؤدية إلى الأراضي والسهول الزراعية في البلدة حيث طمرت مياه الأمطار الطريق بشكل كامل، وقطعت إتصال المواطنين بالأراضي الزراعية، كما تقطعت السبل بالبدو الذين يسكنون المنطقة، حيث لا يمكنهم نقل تنكات المياه اللازمة لسقي الحيوانات والبشر.
أما المواطنة إمتياز قرمش من بيت حسن، فقد سلطت الأضواء على معاناة بلدتها الواقعة بين جبلين، حيث أرتفعت مياه السيول إلى أكثر من متر ونصف وانقطع الإتصال عن العالم، منوهة إلى أن عدم صيانة مجرى الوادي واقنية المياه أدى إلى تدمير كبير للمزارع، فيما روت صديقتها لينا حامد، كيف كانت الأيام الأولى للعاصفة شلل للحياة وخطر على الأهالي من التوجه للإطمئنان على حقولهم الزراعية ومواشيهم، جراء غمرها بالمياه والطمي.
وفي جلسة قصيرة في مكتب جمعية الإغاثة الزراعية في فروش بين دجن، تم اللقاء الأولي مع متطوعي الإغاثة في قرى المنطقة، من أجل توحيد الجهود للوقوف على حجم الضرر الحاصل، والقيام بخدمة المزارعين وإيصال صوتهم لكل المسؤولين والجهات الاعلامية.
عزلة بسبب الفيضانات
"لقد عزلت المنازل ثلاث أيام عن العالم، بسبب الفيضانات" كما تقول أنوار اسماعيل، من فروش بيت دجن وهو خريجة جامعية ومتطوعة في الإغاثة الزراعية، زاد من ذلك انعدام أي وسيلة إتصال مع المدن القريبة وإنهمار البيوت البلاستيكية بالمياه، وعدم توفر مركبات لمواكبة ذلك.
بعد إنتهاء اللقاء السريع في مكتب الاغاثة الفرعي، كان الانطلاق نحو حقول المزارعين، لنفاجىء بإمرأتين برفقة طفلين ينتظرون على مفرق الطريق الرابط بين أريحا ونابلس، وكانت دقائق الساعة تشير إلى 11 قبل الظهر. تقول إحدى النسوة، وهي زوجة المزارع أحمد موسى، أنها تقف هنا من ساعتين ونصف من أجل التوجه لمركز صحي في الأغوار الشمالية للتطعيم، ولم تمر اي مركبة حتى اللحظة، فيما قالت رفيقتها زوجة المزارع طلال حسين أن الطريق أضحت خاوية منذ سنوات، عندما تم تغيير مسرى الجسر إلى طريق آخر.
عند وصولنا إلى بلدة فروش بيت دجن كان بصحبتنا عازم حج محمد نائب رئيس مجلس القروي، الذي واكب تداعيات الأوضاع الجوية، واختصر حكاية البلدة بأنها تعيش أجواء نكبة جديدة ومتجددة، لكنها كانت طي الصمت والكتمان على مدار أسبوع كامل.
بدا الأستاذ توفيق عبد الرحيم رئيس المجلس القروي في فروش بيت دجن، ومدير مدرسة البلدة منفعلا، كون المنطقة، كما يقول " تعاني التهميش ولا تسلط عليها الأضواء" معربا عن إرتياحه لمرور العاصفة الأخيرة دون ضرر في الأرواح، لكنها كما يشير تركت ضررا واضحا في الجانب الزراعي، وتسببت بضرر كبير للطرق الزراعية للبلدة والبالغ طوله 15 كيلومترا من الطرق الزراعية، بسبب الإنجرافات، فيما جرى إستئناف الدراسة في مدرسة البلدة. وفقا لتعليمات مديرية التربية والتعليم.
الخضار الاكثر تضررا
ووصف عبد الرحيم، طبيعة السيول التي عمت البلدة بأنها الاضخم من سنوات، وكانت أضرارها أوسع، بسبب تغيير مسار بعضها من البعض، وارتفاع منسوبها الى نحو 70 سم محملة بالطمي، مشيرا إلى أن أكثر الخضار تعرضا للضرر، كان الخيار والبندورة، ناهيك عن أضرار أخرى منها الحيوانات الضالة، خاصة الخنازير، ومصدرها المستوطنات.
وتركت حكاية المزارع توفيق صالح الحج محمد، أجواء من الضحك والعجب، عندما قال أن الاحتلال غرمه 660 شيكلا، بحجة قيامه بقتل خنزير عثر عليه داخل دفيته المزروعة بالخيار، وذلك قبل أيام وتمت قتله داخل الدفيئة التي تم تخريبها، قائلا بلغة تهكمية "الخنزير تسبب بضرر لي حيا وهو ميت".
وتعاني البلدة أيضا من ضعف المرافق الصحية، حيث تتوفر فيها عيادة متنقلة تحضر مرة واحدة كل أسبوع عبر إتحاد العمل الصحي، وفيها مدرسة وحيدة مبنية، لخدمة عدد سكان البلدة البالغ عددهم 1200 نسمة ،
ويضيف رئيس المجلس القروي أن الأهالي يعانون من ارتفاع سعر الكهرباء، رغم أنهم الوحيدون الذين يدفعون التزاماتهم، من خلال الدفع المسبق، ناهيك عن عدم قيام السلطة بتعويض المزارعين جميعا عن خسائر سابقة تعرضوا لها.
لا منتوج حاليا
ويعلل المزارع سامي أبو حنيش، حجم الضرر الكبير للمزارعين إلى تدني درجة الحررارة الأمر الذي أدى إلى توقف نمو النبتة وتأخر قطف ثمارها لعشرة، أيام إلى جانب عدم المقدرة على الوصول للأسواق سابقا والآن عدم وجود منتوجا أصلا.
"هدفنا تعزيز صمود المواطن وحماية المزارعين" يقول منجد أبو جيش وتنفيذ مشاريع عديدة، تصب في هذا الهدف تشمل ابقاء المزارع في أرضه، وعدم توجههم للعمل في مشاريع المستوطنات القريبة، خاصة النساء.
بعد محطة فروش بيت دجن تم الإنطلاق صوب الجفتلك، فيما المشاهد في الطريق تظهر حجم انجراف التربية وحجم السيول التي غطت مساحة واسعة من الارضي على يمين الطريق، وظهر بعض المزارعين يحاولون إصلاح ما يمكن اصلاحه.
كان اللقاء الأول في الجفتلك في كنف المزارعين محمد سالم وسعود سالم، أصحاب بركسات المواشي التي تعرضت قبل يومين من حدوث العاصفة، إلى عملية هدم لبركاستهم من قبل جرافات الاحتلال، مما جعل قطيع ماشيته البالغ 240 رأسا من الغنم بلا مأوى. ويقول سعود بعدما أحضر أكوابا من الشاي الساخن هذه الهدم الثاني الذي تعرض له خلال 20 يوما، وقد تسبب الهدم الاخير إلى نفوق عدد من الأغنام وتعرض صغارها للضعف، بسبب البرد القارص.
نكبة متكررة
ويقول سعود، لقد سبق وأن تعرضت لنكبة أخرى في العام 2002 ، بهدم المنزل بحجة عدم الترخيص وتحولت أسرتي المكونة من 8 انفار إلى لاجئة تبحث عن الدفىء هنا وهناك، مؤكدا بلغته البسيطة "الإحتلال المشكلة الأولى إضافة إلى مشكلة بعد المدرسة التابعة للوكالة عن موقعه ووجود عيادة وحيدة بالبلدة، منوها إلى أن زوجته قبل أربع سنوات ولدت في الطريق لأريحا، حيث تم نقلها لمنزل في العوجا، ووضعت هناك، بسبب الصعوبة في إيجاد سيارة لنقلها لأقرب مشفى.
إنضم لاحقا لتجمعنا في كنف المزارعين سالم المزارع هزاع دراغمة، وهو نائب رئيس المجلس القروي في الجفتلك، والذي إعتدنا التواصل معه تلفونيا في أوقات سابقة، ليطرح لتقييما مقتضبا عن معاناة المنطقة بقوله "الوضع الزراعي مأساوي هنا، والكل يصيح فبعد الهدم والسعي لتهجير السكان من أخصب مناطق فلسطين، وسلة غذائه جاءت العاصفة".
وفي إشارة لمشاريع الاغاثة الزراعية، قال حربي دراغمة أن الجمعية قدمت مشروعا قيمته 150 الف دولار، وهو عبارة عن بيت تعبئة يخدم مزارعي المنطقة، ويساهم في تثبيت الأهالي عبر تقديم نموذج ناجح.
وتبلغ مساحة الجفتلك 20 الاف دونما، ويقطنها نحو 7 الآف نسمة، وتتبع محافظة أريحا، وتقع على مسافة 6 كيلو متر من الحدود الأردنية تقريبا.
أضرار نوعية
من جانبه قال حربي دراغمة، رئيس جمعية الارض الزراعية التعاونية، أن خمسة أيام متواصلة من المطر، تسبب بتأثر الناس والمزروعات، بسبب دخول المياه الى الحظائر والبرد القارص، منوها إلى أن في الجفتلك 4 الاف دونم مزروعة بالكوسا و3 الاف مزروعة بالباذنجان تعرضت لاضرار بنسبة تقترب من 70 بالمائة كما تأخر موسم زراعة الفصوليا وتضررت نبتة الفول ناهيك عن اضرار نوعية تكشفت بعد تفقد المزارعين لاراضيهم في هذه الايام.
وطرح المزارع أيمن عبد من طوباس، ويقيم بالجفتلك أرقاما لخسارته، حيث لديه 42 دونما كلفة زراعتها 60 ألف شيكل، لم يجمع منها سوى 25 الف شيكل فقط، وهنالك استحالة الآن لجمع بقية التكلفة.
وأعد المتطوع والناشط في الإغاثة الزراعية محمد دراغمة، من الجفتلك دراسة حول أضرار المنخفض الأخير منها إنقطاع التيار الكهربائي لمدة 4 ايام في منطقتي خربة العلان والمصفح، وفي منطقة أبوالعجاج لمدة يومين، حيث زادت نسبة الأمراض بين الأطفال، وذلك حسب ما أفاد به الدكتور المناوب في المركز الطبي في قرية الجفتلك، حيث معظم الأمراض هي إنفلونزا والتهابات حادة بين الاطفال، بالإضافة إلى النقص في التغذية، وذلك بسبب اإقطاع الخبز عن القرية وغيره من المواد التموينية والحليب للأطفال خلال الاربع أيام، ونقص الأدوية التي يحتاجها المرضى خلال هذه الفترة مما زاد الأمراض.
وقدرت الأضرار الزراعية من خلال تواصله مع مدير مكتب الزراعة في القرية المهندس عوض دراغمة، ما يقارب أل 300000 الف شيكل أي ما يعادل أل85 الف دولار. ومن الأضرار الزراعية غرق المزارع بالطين والمياه، مما أدى الى قتل المزروعات التي كانت على وشك الانتاج، ففي منطقة الخربة نتيجة لسيل جاء على بركة لتجميع المياه، وقام بغمرها ثم نزولها على المزروعات على مساحة 25 دونم، فأتلفت المزروعات بنسبة 80%، حسب تقدير المهندس الزراعي التابع لمديرية زراعة أريحا، وهذه الحالة سجلت للمزارع هاني توفيق حامد دراغمة، وعند السيد شريف أحمد مساعيد التي توجد مزرعته بالقرب من مزارع المستوطنين، حيث أتلفت جميع مزروعاته نتيجة لنزول مياه المستوطنه على ارضه وغمرها بالكامل، حيث افاد المهندس دراغمة أن نسبة الاضرار 80% للمزروعات والشبكة الزراعية أيضا.
ومن جانب آخر فإن السيول التي قامت بتدمير بعض المزارع، والتي جاءت لعدم العمل على ترميم أقنية التي تقوم بتصريف هذه المياه، وتدمير المنازل عن طريق السيول التي جاءت من الجبال، وكان عدد المتضررين 34 عائلة.
ووفقا لتقرير الإغاثة الزراعية للعام 2012 فإن الإغوار تمتد على ما يعادل 28.8 بالمائة من المساحة الإجمالية للضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وتكشل أكبر احتياطي للأراضي في الضفة، ويقع 87.5 بالمائة من مساحة الأغوار في المنطقة المصنفة ج ، الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية، وتبلغ المساحة الصالحة للزراعة في الأغوار حوالي 280000 دونم، يستغل منها المزارعون الفلسطينيون حوالي 50000 دونما، بينما بلغ المصادر منها لأغراض زراعية ملحقة ب 31 مستوطنة جاثمة على أراضيهم حوالي 27 ألف دونم.
وتبذل كوادر الإغاثة الزراعية التي شارك بالجولة، ومنها إضافة إلى منجد أبو جيش أسد الكردي وناصح شاهين ورامي عبية وعازم حج محمد، إلى جانب عدد من المتطوعين، جهودا لتسليط الأضواء على معاناة مزارعي الأغوار ميدانيا وإعلاميا.
ومع ساعات الغروب كانت العودة إلى نابلس بعد 7 ساعات من التجول في مناطق الأغوار، لتكون مادة للنقاش، والبحث عن آليات في كيفية مساعدة اكثر المناطق تضررا في العاصفة الجوية الاخيرة، حتى تاخذ حقها في الإهتمام والمتابعة.











