القتال في جوبا يتسبب في مقتل العشرات ونزوح الآلاف

رام الله - دنيا الوطن
خلف القتال الذي استمر على مدى عدة أيام في جوبا، عاصمة جنوب السودان، في أعقاب ما أطلقت عليه الحكومة "محاولة انقلاب فاشلة"، عشرات القتلى والعديد من الجرحى، وأجبر آلافاً آخرين على الفرار من منازلهم، وفقاً لبعض المسؤولين.

وفي هذا الإطار، أفاد توبي لانزر، نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في جنوب السودان أن ما يقرب من 20,000 شخص لجؤوا إلى اثنين من مجمعات الأمم المتحدة في جوبا خلال الأيام الثلاثة الماضية، وهو ارتفاع من التقدير السابق البالغ 10,000 شخص.

وقد اندلع القتال في 15 ديسمبر عندما قيل أن جنوداً موالين لنائب الرئيس السابق رياك مشار هاجموا المقر العام للجيش (القيادة) على مشارف جوبا، وذلك وفق خطاب الرئيس سيلفا كير للأمة في 16 ديسمبر.

وسرعان ما انتشر العنف في جميع أنحاء جوبا، التي كانت شوارعها تعج بقوات الأمن.

وفي 17 ديسمبر، اندلع إطلاق نار كثيف بالقرب من منزل مشار في جوبا، لكنه لا زال من غير الواضح ما إذا قد ألقي القبض عليه أو إذا كان هو في جوبا.

ونفى مشار الضلوع في الانقلاب المزعوم، وفقاً لمقال نشر يوم 18 ديسمبر في سودان تريبيون، حيث قال: "لم يكن هناك انقلاب. ما وقع في جوبا هو مجرد سوء تفاهم بين الحرس الرئاسي داخل القسم الخاص بهم. لم تكن هناك محاولة انقلاب. ليس لي علاقة أو معرفة بأي محاولة انقلاب". وأضاف أنه وزملاؤه المعتقلون قد اتهموا من دون سبب. وقد تم القبض على عدد من المسؤولين السودانيين الجنوبيين فيما يتعلق بمحاولة الإنقلاب.

ضحايا العنف

ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، تركت الاشتباكات المئات بحاجة ماسة للرعاية الطبية. وأضافت في تصريح في 17 ديسمبر: أن "آلاف المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، فروا من منازلهم بحثاً عن الأمان، حاملين معهم القليل جداً من المتاع. وتقدم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدعم لاثنين من المستشفيات الرئيسية في المدينة للتمكن من التعامل مع الأعداد الكبيرة من المرضى".

"وقد دخل أكثر من 300 شخص إلى مستشفى جوبا التعليمي ومستشفى جوبا العسكري على مدى اليومين الماضيين. وقد وزعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والصليب الأحمر في جنوب السودان إلى المستشفيات ما يكفي من مواد تضميد الجروح وغيرها من الإمدادات الطبية العاجلة لمعالجة ما يصل إلى 500 شخص".

ولم تؤكد المتحدثة باسم اللجنة الدولية، سينثيا لي لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) ما إذا كانوا يشاهدون جروحاً ذات صلة بإطلاق الرصاص، لكنها قالت أن جميع الإصابات في كلتا المستشفيين لها علاقة بالقتال. وقالت أن العاملين في مستشفى جوبا التعليمي قد قاموا بالفعل بإجراء أكثر من 70 عملية جراحية طارئة.

وأفاد وكيل وزارة الصحة ماكور ماتور كاريوم، الذي يعمل في مستشفى جوبا التعليمي أن "هناك تدفق كبير ولكن الوضع ما يزال تحت السيطرة". ويبدو أن معظم من يلتمسون العلاج هم من المدنيين.

 

وقد توفي ما لا يقل عن 26 مريضاً في المستشفى، وهناك قلق من الوضع الصحي للأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى المستشفى للعلاج. وأضاف كاريوم: "ليست لدينا إحصائيات بأعداد من مات خارج المستشفى".

وفي وقت مبكر من يوم 17 ديسمبر، ذكرت عيادة أخرى في واحدة من مجمعات الأمم المتحدة، أنها عالجت 39 مريضاً، من بينهم خمسة أطفال.

من جهته، أفاد جوزيف كونتريراس، المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، أنهم يحاولون علاج أكبر عدد ممكن من الأشخاص، ولكن هذه المساعدة متوفرة فقط للأشخاص الذين يستطيعون الوصول إلى المجمع.

هناك مشكلة سياسية بين القادة داخل الحركة الشعبية. لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى مشكلة عرقية. للأسف، إنها تتطور إلى أزمة قبلية على أرض الواقع. ولذلك يجب أن يتم نزع فتيلها، على وجه السرعة قبل أن تنتشر. هناك حاجة إلى المصالحة بين الزعماء السياسيين

ودعت أوت دينق، وزيرة الرعاية الاجتماعية والنوع الاجتماعي في 17 ديسمبر للتبرع بالدم لمساعدة الجرحى. أجبروا على الفرار

وقد نصب النساء والأطفال مخيماً لهم تحت الأشجار المتفرقة لمجمع كاتدرائية جوبا.

وقالت سبيت ألبينو أن القتال قد اندلع قرب منزلها في وقت متأخر من ليلة 15 ديسمبر. وقد هربت عند بزوغ الفجر مع 18 فرداً من عائلتها، مهرولين لمعظم المسافة التي تفصلهم عن الكاتدرائية والتي تبلغ 10 كيلومترات، حيث قضوا ليلة 16 ديسمبر.

وقالت ألبينو أن "الوضع صعب بسبب البرد الذي يسبب لنا الإزعاج هنا كما أننا لم نجلب معنا أمتعتنا. حتى الحصول على شيء للأكل صعب جداً".

وقال مسؤولون أمنيون أنهم يحاولون احتواء جيوب القتال في جميع أنحاء المدينة والسماح للناس بالعودة إلى منازلهم.

ولكن بعض الناس لا يعرفون ما الذي ينتظرهم عند العودة إلى المنزل.

كان إبراهيم كولنيين يعيش في المقر العام للقيادة مع ابن عمه، وهو ضابط في الجيش. وقال أن إطلاق النار بدأ في وقت متأخر من مساء يوم 15 ديسمبر، لكنه لا يعرف ما الذي أدى للقتال. وأضاف أنه حاول الهروب، ولكن القتال كان عنيفاً جداً. وبدلاً من ذلك، اختبأ تحت سريره لمعظم الأمسية.

وفي وقت مبكر من يوم 16 ديسمبر، فرّ كولنيين مرتدياً ملابس نومه فقط. وبعد انتقال القتال بعيداً عن المقر، عاد ليجد كل ملابسه ممزقة وممتلكاته مدمرة، حيث قال: "ليس لدي أي شيء غير فراشي. لم أر أبداً أي شيء مثل هذا من قبل".

الخوف من العنف العرقي

وقد تكون أحداث 15 ديسمبر تتويجاً للتوتر المتزايد داخل الحزب الحاكم، الحركة الشعبية لتحرير السودان. ففي يوليو، قام كير بإقالة مشار وأعضاء آخرين في حكومته.

ومنذ إقالته من منصبه، قال مشار مراراً أنه يعتزم تحدي كير على قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان. وقام إلى جانب غيره من أعضاء رفيعي المستوى في الحركة الشعبية باتهام كير في وقت سابق من ديسمبر بـ "نزعات دكتاتورية" في إدارة الحركة.

وقال جوك مادوت جوك، رئيس معهد السد، وهو معهد أبحاث محلي، أنه في حين أنه يعتقد أن القتال قد بدأ على أساس الولاء السياسي، "إلا أن هناك بالتأكيد قلق من أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، قد يصبح القتال على أساس قبلي في حال طال أمده".

الصورة: أندرو غرين/إيرين

نازحون داخلياً في كاتدرائية جوبا

وينتمي كير إلى الأغلبية من عرقية الدينكا أما مشار فينتمي إلى عرقية النوير. وقال جوك أنه قلق بخصوص إمكانية اندلاع القتال بين هذه المجموعات العرقية في جميع أنحاء البلاد.

وقد تكررت هذه المخاوف من اندلاع صراع عرقي في بيان لقادة الكنيسة صدر في 17 ديسمبر. وقال المطران باولينو لوكودو لورو نيابة عن مختلف قادة الكنيسة، الذين تقدموا للتوسط في الأزمة: "هناك مشكلة سياسية بين القادة داخل الحركة الشعبية. لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى مشكلة عرقية. للأسف، إنها تتطور إلى أزمة قبلية على أرض الواقع. ولذلك يجب أن يتم نزع فتيلها، على وجه السرعة قبل أن تنتشر. هناك حاجة إلى المصالحة بين الزعماء السياسيين".

وأضاف أن "الطريقة التي يتم فيها التعامل مع هذا الحادث، سيكون لها تأثير على مستقبل أمتنا، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، على الصعيد الداخلي أو على صعيد العلاقات الدولية".

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن قلقه "إزاء التقارير التي تفيد بوقوع قتال بين أفراد الجيش الشعبي لتحرير السودان في جوبا وحيال خطر العنف الذي يستهدف مجتمعات معينة".

وقال في بيان متعلق بالأمر: "من الضروري أن تضمن الحكومة أمن جميع المدنيين بغض النظر عن مجتمعاتهم الأصلية".

وحثت نكوسازانا دلاميني زوما، رئيسة مفوضية الاتحاد الأفريقي، في 17 ديسمبر "الحكومة وقيادة جنوب السودان وجميع أصحاب المصلحة الآخرين، ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتجنب أي تصعيد".

الاستجابة

وفي 17 ديسمبر، وبعد مغادرته اجتماعاً طارئا للحكومة، قال ماوين ماكول أريك، المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية، أن الجيش يعتقد أنه قد سيطر على الوضع الآن، على الرغم من أنه لا تزال هناك تقارير عن وقوع قتال في ضواحي جوبا.

ومن المتوقع أن يستأنف مطار جوبا، الذي كان مغلقاً، عمله من جديد، وفقاً لبيان حكومي صدر في 18 ديسمبر، والذي دعا فيه المتحدث باسم الحكومة مايكل ماكوي، والذي يشغل أيضاً منصب وزير الإعلام والإذاعة، "مزودي المياه والمخابز وغيرها من مقدمي الخدمات الأساسية" لاستئناف العمل.

وحث ماكوي أيضاً أولئك الذين فروا من منازلهم على العودة.

ولكن حظر التجول من الغسق حتى الفجر لا يزال مطبقاً على مستوى المدينة وتنتشر نقاط تفتيش للشرطة في معظم الطرق الرئيسية في جوبا.

وقال حاكم ولاية الوحدة ﺳﻴﻤﻮن ﻛﻮن ﺑﻮوش في بيان حكومي يدحض الادعاءات التي تشير إلى استهداف عرقية النوير في القتال في جوبا: "هناك أناس يقولون أن ما حدث هو بين رجال قبائل الدينكا والنوير. نحن، قادة هذا البلد، نريد أن نوضح هنا أن هذا ليس صحيحاً". وقال أن بعض الأشخاص الذين يدعمون مشار هم من الدينكا، والبعض الآخر من تشول، والنوير أو من قبائل أخرى.

ويكافح جنوب السودان لاحتواء الصراع العرقي المستمر منذ فترة طويلة في ولاية جونقلي، والذي أدى إلى سقوط آلاف القتلى ونزوح جماعي كبير للسكان. (إقرأ التقرير المفصل لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) عن جونقلي).

التعليقات