75 ولداً وحفيداً ينتظرون العودة إلى فلسطين - حلم ما زال ينتظر تحقيقه.. مع العودة النهائية

رام الله - دنيا الوطن - ثريا حسن زعيتر
65عاماً مضت على نكبة فلسطين في العام 1948 وما زال كبار السن من جيل النكبة يتذكّرون تفاصيل ذلك اليوم الأسود، حين هجروا قسراً عن منازلهم وطردوا من أرضهم...

ما زالت تلك الكلمات «أيام وتعودون» تتردد على مسامعهم وهم يلملمون هزيمة «جيش الإنقاذ العربي»، الذي جاء ليقاتل بسلاح فاسد، ويحبط العزيمة بدلاً من تحقيق انتصار يخلّده التاريخ...

جيل النكبة غادر فلسطين شاباً.. وبات اليوم كهلاً.. لكنه ما زال يحتفظ بوثائق الملكية وصكوك الأراضي، ومفاتيح المنازل، كشواهد حيّة على حق العودة، في كل مخيم وأينما حلّوا تجدهم يسردون حكاياتهم ويتحدثون عن آمالهم، يجمعهم حلم واحد، العودة قبل الرحيل...

الحاج راتب الصفدي، واحد من هؤلاء، هجر بيته في حيفا في رحلة لجوء طويلة، تنقّل خلالها بين عكا وبنت جبيل ومخيم عين الحلوة، حيث يستقر اليوم في مدينة صيدا، منتظراً تحقيق حلمه بالعودة، جامعاً أبناءه وأحفاده في كل مناسبة وطنية أو عائلية يروي لهم عن ذكرياته في فلسطين... وبحنين وحب يوصيهم بالتمسّك بها لأن «فلسطين أرضنا وملكنا وسنعود لها يوماً»...

«لـواء صيدا والجنوب»، حط رحاله في منزل الحاج «أبو محمد» الصفدي في الهلالية – صيدا، واستعاد معه ذكريات فلسطين وأمنيته في الحياة..

حكاية الصفدي

ينظر الحاج راتب الصفدي (مواليد حيفا عام 1931) نحو السماء وهو يبتسم.. كأنه يرسل سلامات من قلبه إلى أرضه وبيته في فلسطين المحتلة، بانتظار العودة ولو بقى من عمره لحظات قليلة.. وإن كان يردد بين الحين والآخر «إن البُعد طال، والشوق زاد، ولم يعد من العمر طويلاً، لكن الأمل ما زال موجوداً بعيداً عن اليأس والإحباط».

بتنهد ولوعة في القلب، يقول الحاج راتب، وهو واثق من نفسه: «نعم سنعود إلى فلسطين، رغم كل الظروف الصعبة، التهجير والتشريد واللجوء من بلد إلى آخر، ومن مخيم إلى مخيم، قناعتنا راسخة في عقولنا، وقلبنا أن فلسطين لنا ونحن أصحاب الأرض وسوف نستردها ذات يوم».

يتوقف قليلاً عن الكلام، قبل أن يستعيد الذكريات الحلوة والمرّة، ويضيف: «لقد غادرنا حيفا أنا والعائلة، واستقرينا في عكا لبضع سنوات، وفي العام 1948 جاءت العصابات الصهيونية وارتكبت ما ارتكبته من مجازر وجرائم قتل وتشريد، ثم كانت مجزرة دير ياسين الشهيرة ببشاعتها، فدفعنا ذلك إلى المغادرة أمام هول ما رأينا».

رحلة اللجوء

وبحسرة على تلك الأيام الخوالي يقول «لقد كان والدي سعيد الصفدي، واحداً من الذين فقدوا الثقة بالجيوش العربية وإمكانية مواجهة العصابات الصهيونية، بعدما أرسلوا لنا أسلحة «فاسدة»، لم نعد قادرين على المواجهة، لا حول لنا ولا قوة.. فقرر والدي ترك المنزل والأرض والتوجّه إلى لبنان مصطحباً معه أفراد عائلته، وهو يردد سوف نعود إليك يا فلسطين».

ويتابع الحاج راتب: «لقد خرجت برفقة والدي حاملاً معي «بارودته» (بندقية قديمة)، فكانت الرحلة طويلة ومتعبة. المحطة الأولى فيها كانت في صفد، ثم إلى لبنان، حيث استقرينا في بنت جبيل لسنوات طويلة، ثم تزوجت من  رمزية الشيخ عمار ورزقت بأولادي «ماجدة، أمال، بهيجة، إلهام، محمد، فداء، ماجد ومحمود» وقد أصبح لديّ من الذرية قرابة 75 فرداً بين أبناء وأحفاد وأبناء الأحفاد، علّمتهم قناعة واحدة، أن فلسطين لنا ولن نتنازل عنها أبداً».

وبابتسامة صغيرة يُردف الحاج الصفدي، في فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982: «انتهزت الفرصة لزيارة وطني فلسطين، لكن صدمتي كانت كبيرة ومؤلمة، إذ عندما وصلت إلى بيتي في حيفا وجدت يهودياً يسكن فيه، وأكثر من ذلك يدّعي ملكيته، وأنا أعرف أنه يملك الآن القوة لفرض ما يشاء، لكننا ذات يوم سنعود عودة نهائية، ونحرر حيفا ويافا والبيت وكل الأرض الفلسطينية المغتصبة منذ ستة عقود ونيف».

وثائق العودة

في بيته المتواضع في منطقة الهلالية شرقي مدينة صيدا، لا يزال الحاج الصفدي يحتفظ بقطعة حجرية صغيرة من عتبة الدار التي أصرّ على اقتنائها لتكون شاهداً بل أثراً ملموساً من حقه المغتصب، يُباهي زواره بها، يعرضها عليهم بين الحين والآخر كأنه يستحضر بيته إليه ليسكن فيه بدلاً من أن يسكن هو فيه، إضافة إلى عدد من الوثائق المهمة التي أصرّت زوجته على استخراجها من بين كثير من الأوراق والملفات، فضلاً عن شهادة ميلاده وبطاقته الشخصية الصادرة في فلسطين قبل العام 1948، إلى جانب شهادة مدرسية من «المدرسة الحديثة الوطنية» التابعة لـ «جمعية الإحسان الإسلامية» في عكا والتي تفيد بأنه قد ترفّع إلى الصف السابع الابتدائي.

يؤكد الحاج الصفدي «إن التمسّك بهذه الوثائق يعني بمفهومي التمسّك بحق العودة إلى فلسطين، لقد مضت عشرات السنين وما زالت هذه الوثائق على حالها، أحافظ عليها برموش العين، وتزيدني قناعة إيماناً أنا وعائلتي بحق العودة التي يجمع عليها أربعة أجيال (هو وزوجته وبناته وحفيداته وحفيدات بناته)، هي بحد ذاتها رسالة واضحة الدلالة بأن العائلة بكل سلالتها لن تنسى انتماءها لفلسطين عموماً ولمدينة حيفا خصوصاً».

أمنية الحاج راتب الصفدي، يُكررها كل يوم مع شروق وغروب شمس كل يوم، يدعو الله أن يبقى حياً ليعيش الفرح الحقيقي بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الفلسطينية، وانتصار المقاومة، وصولاً إلى العودة لوطنه فلسطين، بالقول: «لقد كنت شاهداً شاباً على نكبة فلسطين عام 1948، وأريد أن أكون شاهداً حياً على العودة إن شاء الله تعالى».

بطاقة هوية

راتب الصفدي، من مواليد حيفا عام 1931، شاب عربي، طوله 169 سم، عيناه بنيتان، شعره أسود.

كان يعمل حلاقاً في حيفا، وفق ما تفيد به بطاقة هويته الصادرة بتاريخ 21/4/1946.

والده سعيد محمد سليم الصفدي (مواليد 1891)، والدته بهيجة (مواليد 1901)، وكانا يسكنان في حارة اليهود في حيفا، كما تفيد المعلومات في شهادة ميلاد راتب.