المواطن أغلى ما نملك : ليكن قادم الايام عليه افضل من سابقه

المواطن  أغلى ما نملك : ليكن قادم الايام عليه افضل من سابقه
حسن سليم  

هو الشعار الذي لا يأخذه المواطن أبداً على محمل الجد، فهو يعرف ان ذلك شعاراً ليس اكثر، وجملة  جميلة تصلح في أفضل حالاتها لتملأ لوحة اعلانية  على مداخل المدن او على معابر الحدود .

ما تعرضت له البلاد ولا زالت اثاره حاضره نتاج العاصفة الثلجية  يكشف مرة اخرى المستور، من ضعف الامكانيات وهشاشة البنية التحتية وفقر التخطيط لمواجهة الازمات.

هي عاصفة ثلجية وليست زلزالا،  وحولت البلاد الى ارض منكوبة، سكانها اسيرين لمنازلهم، انقطاع لخدمات الكهرباء  والمياه، ووفاة العديد من المواطنين بعد ان لم تنجح طواقم الاسعاف الوصول اليهم في الوقت اللازم  بسبب انغلاق الشوارع ومداخل منازلهم، والمزروعات "حدث ولا حرج" .

الارصاد  الجوية ومنذ اكثر من اسبوع سبق على بداية الازمة حذرت من صعوبة الاحوال الجوية القادمة، فيما جهات الاختصاص والمكلفة بمواجهة الازمة  دخلت مارثونا للاجتماعات، تجتمع وتعلن بعد كل اجتماع  عن جاهزيتها الكاملة للمواجهة.

شعور تسلل لوعي المواطنين بانهم في آمان كامل،  هكذا أعلنت جهات الاختصاص " كل شيء تحت السيطرة"، ولكن الرياح  جاءت على غير ما اشتهت السفن .

دخلت  العاصفة واعلن الوطن استسلامه  لارادة الرب، ومن هو مكلف بالمواجهة للعاصفة الثلجية بدأ يلهث متعبا منذ لحظة بداية المواجهة، دون تخطيط، او منهجية بالعمل . عمل رغم اهميته وتقدير لجنوده الا انه كان يفتقر للمنهجية والتنظيم الصحيح، ولعل فتح الشوارع  وازالة الثلوج منها لتسيير الحركة فيما تم وضع الثلوج على مداخل البنايات كان خير شاهد .


لم يكن مطلوب من  تلك الجهات توفير الكماليات  للمواطن، بل الحد الادنى  المتمثل بفتح الشوارع  ومداخل المنازل، ليتسنى له الحركة وقت الضرورة – وفي ذلك مساعدة لهم وتخفيف عن كاهلهم في مواجهة الازمة -  ولكن للاسف حتى  ذلك الحد الادنى لم يتحقق، رغم مرور اكثر من اربعة ايام  في كثير من المناطق.

وللتقييم واخذ العبر ولا اقول للمحاسبة – غريب اننا لم نسمع عن استقالة احد المكلفين او بعضهم-  لا بد  من عملية جرد حساب لتلك التجربة، والوقوف علي نتائجها،  حتى لا يكون القادم  من الايام  كسابقها. وأسئلة  قد تدور بالذهن باحثة عن اجابة : هل تم تشكيل خلية ازمة تعمل  وفق منهجية  عمل قادرة على المواجهة ؟ وخلية ازمة تمتلك من قاعدة البيانات ما يمكنها من بناء الية عمل سليمة واتخاذ القرار السليم وقت الحاجة ؟ وخلية ازمة لديها من الامكانيات ما يؤهلها لمواجهة الازمة ؟ والسؤال الاهم  هل  ما تم تشكيله من  لجان او مجالس يرقى لمستوى خلية ازمة ؟ 

لست من انصار المركزية في اتخاذ القرار لكن الحالة التي مررنا بها اثبتت اهمية مركزة القرار وتوزيع العمل بناء على  بنك المعلومات المركزي  المتضمن لبيانات اهل الاختصاص والمالكين لادوات المساعدة( ان تم بناؤه اصلا ).

جهات الاختصاص والمكلفة وفق اختصاصها  حسب القانون  بالمواجهة  وحماية المواطن من نتائج الازمة تضم الكثيرين من المؤسسات والجهات على رأسها وزارة الداخلية التي تنضوي تحتها ( المحافظات، جهاز الدفاع المدني، قوات الامن الوطني، جهاز الشرطة ) - وزارة الحكم المحلي وهي مظلة للهيئات المحلية (  البلديات – المجالس القروية- لجان المخيمات) ، وزارة الاشغال العامة والإسكان - وزارة الصحة - وزارة الشؤون الاجتماعية - وزارة المواصلات - وزارة الاتصالات  - وزارة التربية والتعليم - وزارة المالية - وزارة التخطيط والتعاون الدولي.

 

ولكن الدفاع  المدني وهو العنوان الابرز والاول الذي يتوجه اليه المواطن لطلب المساعدة كان الضحية الثانية بعد المواطن حيث الفقر المدقع  للامكانيات  ونقص الكادر. وحالة من التيه والتشتت نشأت  لدى المواطن، في أي جهة يتصل ويطلب المساعدة ومن هي الجهة التي تملك الامكانيات ؟ وقد يتصل البعض في اكثر من جهة كالغريق  المتعلق بقشة طمعا بالنجاة . وهذا بالطبع يخلق حالة من الارباك الشديد لدى جهات الاختصاص المكلفة بالمساعدة . 

وفي كثير من الاحيان  كان الحال " لا بلح الشام  ولا عنب اليمن "،  فلم يصل الدفاع المدني ولا شركاؤه، وبقي المواطن ينتظر فرج ربه بذوبان الجليد، حتى يتحرر من أسره. وعند الاتصال لطلب المساعدة يكون الاكثر حضورا في الرد : اما عدم الرد او انشغاله، او تحويله لجهة اخرى  لا ترد، او العين بصيرة واليد قصيرة  (  لا يوجد اليات )،  والبلديات في كثير من الحالات يكون الاتصال بها ليس اكثر من رفع عتب،  ولا ننسى المتجولين من سائقي الجرافات الذين احترفوا  الابتزاز  للاهالي بطلب 100 شاقل  على فتح  المدخل.

ومن باب العدالة  لا بد من الاشارة  الى انقراض  العمل التطوعي والدور السلبي للمواطن في  الشراكة  مع المؤسسات سواء بالفعل بالمساعدة، او بالامتناع  عن الفعل بعدم  اعاقة  العمل او التهور في الحركة .     

ما هو جدير بالنقاش في هذا المقام ما يتضمنه قانون الدفاع المدني الفلسطيني من صلاحيات ونفوذ لم يتم استخدامها .

وبالرجوع  لنص لقانون الدفاع المدني الفلسطيني رقم "3"  لسنة 1998، وباستعراض للمواد التي تنظم ادارة الكوارث وكيفية التعامل  معها فقد نصت المادة [12] على انه مع مراعاة أحكام هذا القانون يختص المجلس الأعلى للدفاع المدني وفق  الفقرة [4]  اتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة أي حدث طارئ . وبالتالي واعتمادا  على النص السالف فان معالجة اثار الكوارث والتعامل معها محددة بنص القانون، وبالتالي هي واجب تلك الجهات وحق للمواطن عليها ان تقوم بواجبها تجاهه دون تقصير او تمييز . ولتسهيل العمل ورفع الجاهزية في حال قلة الامكانيات والحاجة للغير  اعطى القانون وفق المادة [16]  وبما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون لوزير  الداخلية وفق  الفقرة [3]   إصدار الأوامر عند الضرورة بالاستيلاء مؤقتاً على العقارات والأبنية اللازمة لإعداد الملاجئ العامة والمستشفيات والمراكز العامة للإسعاف ولكافة شؤون الدفاع المدني الأخرى، ويعوض المالك عما قد يصيبه من أضرار تعويضاً عادلاً.

وكذلك ووفق المادة  ]26[  يجوز لوزير الداخلية في حالات الطوارئ أن يتخذ الإجراءات الإضافية التالية من أجل مصلحة الدفاع المدني ومن ضمنها حسب الفقرة [1]  وضع اليد على جميع وسائل النقل وأدواتها، وقطع
غيارها وجميع لوازمها وتقييد بيعها وتنقلاتها وتنقلات سائقيها. وحسب الفقرة [3]   تكليف أي شخص من ذوي المقدرة والخبرة أن يساهم في خدمات الدفاع المدني، وإذا كان من ذوي المهن الحرة فعليه أن يضع الأدوات التي يعمل بها تحت تصرف سلطات الدفاع المدني. كما أعطى القانون الحق لوزير الداخلية  الحق أيضا وفق الفقرة [6]  وضع اليد على مصادر المياه والكهرباء وأدواتها وجميع لوازمها وتكليف المسؤولين عن إدارة تلك المصادر والموظفين بإدارتها بصورة فعالة.

بالتالي فانه من غير المبرر لجهات الاختصاص التذرع بضعف الإمكانيات لمواجهة الأزمات والكوارث، فقد  أعطاها  القانون  مساحة واسعة للنفاذ الى الإمكانيات واتخاذ ما يلزم من تدابير، لكنها للأسف تخلت عن ذلك الحق ، إما   غفلة منها لما منحها إياها القانون، أو طواعية لسوء تقدير بحجم القادم من الكارثة . كما من حق المواطن عليها، أن  يبقى السؤال  الكبير  برسم الإجابة، بأنه ما دامت تلك الجهات تعرف قلة إمكانياتها،  فلماذا  لم تقم بالاستعانة بالقطاع الخاص والياته ومعداته وإمكانياته - وفقا للقانون -  بما يساهم  في التعامل  الفعال مع الأزمة.

على لسان الناطق باسم الدفاع المدني ورد في مقابلة له على اثير " اجيال " عصر اليوم الاثنين، انهم قد وجهوا الدعوة للقطاع الخاص لتقديم المساعدة بالياتهم، البعض استجاب والبعض الاخر لم يستجب، وفي ذلك بالطبع سقطة اخرى للسلطة التنفيذية في كيفية التعامل مع الازمة، حيث انه في مثل تلك الحالة لا توجه دعوات بل اوامر تحت طائلة المسؤولية وفقا لنص القانون لمواجهة الازمة.

 والجدير  ذكره أيضا انه وفقا للقانون أيضا فان عدم  تنفيذ الأوامر الصادرة عن وزير الداخلية فيما  يتعلق باختصاصه  المبين  بالقانون  في التعامل  مع الكوارث ليس طوعيا، بل جنحة  يعاقب عليها  القانون وفقا  للمادة  [28]  التي نصت على  مع عدم الإخلال بما ورد في قانون العقوبات يعاقب كل من يخالف حكماً من أحكام هذا القانون  ( قانون  الدفاع المدني ) بغرامة لا تزيد على (500) خمسمائة دينار أردني أو  ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً أو بالحبس لمدة لا تزيد على ستة أشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين.

وما أوردته من نصوص قانونية ليس أكثر من إشارة لجهات الاختصاص أنكم تخليتم عن صلاحيات لو تم استخدامها لكان الحال أفضل مما كان عليه.

وحتى لا يكون الرد من قبل جهات الاختصاص الوعد بتشكيل لجنة، أو الإقرار بقصور حدث  هنا أو هناك، فانه من الضرورة  الاستباق والقول أن الاعتراف بالذنب فضيلة، ولكن  بالطبع ليس هذا  ما يبحث عنه  او ينتظره المواطن، فلن يغني أو يسمن من جوع،  بل ما سبق هو ناقوس خطر دقته عاصفة  ثلجية، أو حجر حرك الماء الراكد ، توجب الصحوة، وحاجة ملحة لإعادة  ترتيب البيت من جديد حتى لا نغرق في أحلام "الجاهزية الواهمة ".  وبالطبع لسنا بحاجة لكارثة أخرى حتى نصحو .... 

اما غزة  فالطبع حاجتها  اكبر من مواد تموينية  او ايواء لمن اصبح في العراء. غزة حاجتها  للعودة لحضن الوطن والتخلص من الظروف المعاشة هناك. حاجتها  ان تتواصل مع الام فلسطين.

ما سبق  كان محاولة  لمسائلة  السلطة التنفيذية، اما فيما يتعلق بالقطاع الاهلي فهو كما وصفه صديقي "  دخل حالة البيات الشتوي " .