هذا هو الإسلام .. نحو مجتمع خال من الإيدز

هذا هو الإسلام .. نحو مجتمع خال من الإيدز
هذا هو الإسلام
نحو مجتمع خال من الإيدز
الشيخ الدكتور تيسير التميمي/قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً

قبل ستة أيام مضت كان اليوم العالمي للإيدز ، هذا الوباء الفتاك الذي يحصد أرواح ملايين البشر كل عام ؛ ويهدد حياة ملايين أكثر منهم ممن يحملون الصفة الوراثية للمرض ؛ فالإحصائيات العالمية تشير إلى تزايد أعداد المصابين به ؛ وبالأخص في الدول الفقيرة ، مما يهدد المجتمعات الإنسانية في حاضرها ومستقبلها إن هي لم تتحرك فوراً وبجدية كاملة لمكافحته والقضاء عليه .
هذا المرض القاتل ؛ أجمعت كافة الأوساط الطبية في العالم أن الاتصال الجنسي غير المشروع والشذوذ بكل صوره أهم وأخطر أسباب انتشاره مقارنة بالأسباب الأخرى ، إذن فقد اتَّضحت معالم وسبل النجاة وتطهير المجتمعات منه ، إنها العفة والترفع عن السقوط في وحل الرذيلة .
اعتمد الإسلام مبدأ الوقاية من الوقوع في المعصية في معظم نظمه وأحكامه ، وجعل الجزاء عليها بالعقوبة آخر الحلول وفي آخر المراحل . وبذا تضافرت القواعد الأخلاقية والمبادئ القانونية والنصوص الشرعية لتوفير الحماية المتكاملة للمجتمع من كل ما قد يقوّض بنيانه أو ينقض نسيجه أو يقطّع وشائجه .
وبهدف الوصول إلى مجتمع خال من عوامل الضعف والانحلال ؛ شرع الإسلام الزواج لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة ؛ واستجابة لنداء الفطرة ، وترسيخاً للفضيلة ، ومحافظة على النوع الإنساني ، وحماية للأعراض والأنساب ، قال صلى الله عليه وسلم { يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء } رواه البخاري . فالعفة خلق أصيل يميز مجتمع الإيمان .
وبالتوازي مع ذلك حث الإسلام الشباب على العبادة والطاعات لما لها من دور في تهذيب الروح ومقاومة المغريات ؛ قال صلى الله عليه وسلم { سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ ... وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أخاف الله } رواه البخاري . وللشباب قدوة في سيدنا يوسف الصديق عليه السلام الذي صمد في مواجهة المغريات رغم القهر والأسر والتهديد والوعيد ؛ وآثر السجن على السقوط في مهاوي الفتنة ، قال تعالى على لسانه { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ } يوسف 33 .
إن الحياة الزوجية بما تؤمّنه من دفء عاطفي وسكن نفسي ورحمة قلبية هي أمنية كل الشباب وملاذهم الآمن وحصنهم المنيع ، فإن لم تكن كذلك صارت سبباً آخر في العزوف عن الزواج والتردي في مستنقع الرذيلة .
لم يعترف الإسلام بأية علاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزواج ، فحرم الزنا واعتبره من أكبر الكبائر ؛ قال تعالى { وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } الإسراء32 ، ونهى المؤمنين عن مقدماته كالنظر والخلوة ؛ حتى لا تتسرب عوامل الضعف إلى نفوسهم , وحرم الشذوذ الجنسي واعتبره انتكاساً وارتكاساً في الفطرة وقلْباً لها ، فالوضع الطبيعي المعهود والسنة الكونية المشهودة أن يميل الذكر إلى الأنثى في جميع الكائنات الحية بمن فيها الإنسان ؛ أما الميل إلى المثيل فسلوك منحرف تعافه النفوس السوية ؛ فقوم لوط عليه السلام ارتكبوا هذه الجريمة التي لم يسبقوا إليها فاستحقوا عقوبة من جنس جريمتهم ، قال تعالى { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَاَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ } هود 82-83 ، وقال صلى الله عليه وسلم { لاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ } رواه مسلم .
لكن المستهجن والمثير للاستغراب ظهور أصوات متعاطفة مع الشواذ ؛ تنادي بالحماية القانونية لحقهم في ممارسة رذائلهم ؛ وتعيب على من ينتقد سلوكهم المشين . إن هذا الشذوذ لا يريح النفس الإنسانية ولا يحقق شيئاً من مقاصد الزواج ، فهو تصريف مؤقت للغريزة لا يروي ظمأ القلوب ولا يطفىء نيران الأشواق ؛ ولا يعوِّض دفء المشاعر أو صدق العواطف ، بل هو قضاء بطيء على نظام الأسرة الذي يشكل اللبنة الأولى في بناء المجتمع الآمن ؛ ففي أحضانها تتحقق السكينة وتنمو العلاقة الحميمة التي تربط بين أفرادها . ويخطىء من يظن أن اللجوء إليها يعفيه من أعباء الزواج وتكاليفه ؛ فهو تصرف غير مسؤول ينشىء مسؤوليات من نوع آخر .
ونظرة فاحصة إلى المجتمعات التي تبيح الشذوذ وتحميه بالقانون أو العرف كافية للكشف عن الأوبئة التي تنتشر في أجوائها والآلام الدفينة في أعماق أبنائها ؛ والموت البطيء الذي يسري في دمائها ، وما الأمراض المنتشرة اليوم في كثير من بقاع الأرض ولم تعرفها الأجيال قبلنا ؛ إلاَّ صورة للعقوبات الربانية العاجلة على هذه العلاقات المحرمة ؛ الأمر الذي حذرنا منه صلى الله عليه وسلم قائلاً { يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ : لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ... } رواه ابن ماجة ، وهل الإيدز إلاَّ طاعون هذا الزمان وعقاب الرحمن !
فإذا انتقلت هذه الأمراض إلى النسل عانى المآسي بلا ذنب ؛ فتتضاعف خطورتها وتصعب محاربتها وتتعاظم مضرَّتها ، فعلى المؤمن أن يتقي ربه في نفسه وذريته ؛ فيصونَ أعراضَهم وأنسابَهم وأبدانَهم ؛ ولْيتذكرْ أن لذة عارضة وسلوكاً منحرفاً وتصرُّفاً غيرَ واعٍ تجر عليه غضبَ الله تعالى في الدنيا والآخرة ما لم يَتُب ؛ وتُورِثُ أهله وأولاده مرارة الخزي وذلَّ المرض وأذى العار آماداً طويلة ؛ فإن الله سبحانه يغيّر (بالتوبة) ولا يعيّر ، أما الناس فإنهم يعيِّرون ولا يغيِّرون على مدى الزمان ؛ ويَظْلمون فيأخذون البريء بجريرة المسيء .
إلاَّ أن باب التوبة من هذه الرذائل ومن كل ذنب مفتوح ، قال تعالى { قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } الزمر53 ، ولما سمع صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد يسب الغامِدية قال له { مَهْلاً يَا خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ } رواه مسلم ، وصاحب المَكْس هو الذي يدخل النقص على أموال الناس ظلماً ؛ فيقتطع منها شيئاً غير واجب عليهم كالضريبة إذا أخذها منهم بغير حق ، أو كزيادة الزكاة الواجبة في أموالهم أو بأية وسيلة أخرى ، وهذا الشخص جرمه عظيم لكثرة ما له من خصوم وأصحاب مظالم يوم القيامة .
ولكن لا بد من التذكير بأن من ابتلاهم الله فأصيبوا بهذا الوباء لهم حقوق ينبغي عدم المساس بها ، فيجب دعمهم لمواجهة هذا الابتلاء ، وتشجيعهم والتخفيف عنهم ، وتذكيرهم بالصبر والاستغفار ، وتوفير فرص تلقي العلاج ليعيشوا حياة كريمة ويندمجوا في أسرهم ومجتمعهم ملتزمين بثوابته ، ولا يجوز نبذهم أو قذفهم وتعييرهم وازدراؤهم ، فلعلهم أصيبوا بالمرض بطرق لا إرادة لهم فيها ، وحتى لو كان ذلك نتيجة المعصية فالأصل هنا الستر ، لأنهم ما زالوا يتمتعون بحق الأخوّة ومقتضياتها ، ولعلهم تابوا إلى الله توبة نصوحاً ، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم بعد إقامة الحد على ماعز يقول لعمه الذي أشار عليه بالاعتراف { ويلك يا هَزَّال لو كنتَ سترتَهُ بثوبك كان خيراً لك } رواه أبو داود والحاكم وصححه الذهبي .
وفي الوقت ذاته لا بد من تذكيرهم بالصبر واحتساب أجرهم عند الله ، وتطهير نفوسهم وقلوبهم من آفة اليأس أو القنوط من رحمة الله ، وتطهيرها من آفة الحقد على المجتمع ومحاولة الانتقام من أبنائه بنقل هذا الوباء إليهم ، بل وعظ الناس ودعوتهم إلى الاعتبار من تجربتهم المريرة ونصحهم بالبعد عن الأسباب التي تقودهم إلى هذا الابتلاء ، وهنا يحضرني مثلٌ مؤثر جداً حدث أمامي قبل عدة سنوات : فقد نظمت وزارة الصحة الفلسطينية في مدينة رام الله بمناسبة يوم الإيدز العالمي فعاليات دعت عديداً من الشخصيات إلى حضورها ، وكان من بين الفعاليات شاب يروي قصته مع الإيدز ويحاول نقل تجربته في الإصابة بالمرض ؛ى موصياً بتقوى الله وطاعته محذراً من الوقوع بالفاحشة ، قال بعد علمه بزيادة عدد المصابين بالمرض واحداً [ تمنيتُ لو أنني متُّ لينخفض عدد المصابين بالمرض في فلسطين ولا يزدادون واحداً ] ، هذا لما كان عدد المصابين 78 ، فماذا سيقول اليوم إذا علم أن عد المصابين أصبح في الثمانين !
وخير وسيلة لمحاربة هذا المرض (وغيره من الأمراض الفتاكة التي تنتقل بممارسة الفاحشة والشذوذ الجنسي والتي بدأ يغفل عنها المجتمع مثل فايروس الكبد c) بناء خطة وقاية منهجية يسهم فيها المجتمع بأجهزته الرسمية وقطاعاته الشعبية ومؤسساته المدنية وحتى بفئاته الفردية في برنامج شامل بعيد المدى .
* وأولى الخطوات تبدأ داخل الأسرة المؤهّلة لتحمل مسؤولياتها بتربية النشء على القيم الأخلاقية السامية والتزام المثل العليا وانتهاج سبيل الاستقامة ، واقتراب الوالدين من أبنائهما ومصادقتهم وفتح القلوب لهم وتفهم أوضاعهم ومراحل أعمارهم وتلمس احتياجاتهم النفسية والعاطفية ، وهدم الحواجز المصطنعة التي تحجزهم عنهم .
* وتكمل المؤسسات التعليمية رسالة التربية وبناء الشخصية السوية بمناهجها المتكاملة المدروسة والموجهة ، وقيام المربين بمهامهم في زرع الثقة في نفوس تلاميذهم .
* والواجب على الإعلام ألاَّ يكون في منأىً عن ذلك بتفعيل دور الرقابة على أجهزته ووسائله المتعددة فتأثيرها عليهم كبير ، إذ إن جُلَّ ما تبثُّه اليوم معظم وسائله ينبه في الناشئة غرائزهم الدنيا ويوقظها ؛ ويثير في الجيل دواعي الفتنة ويلقي بهم إلى التهلكة إذا استجابوا لها ، وليتذكر القائمون على الإعلام أن أغلى ثروة وطنية وقومية ستنهض ببلادهم هو الإنسان الصالح والمواطن السوي .
* وفي الميدان الطبي تتعين الرقابة على بنوك الدم ، ومواصلة حملات مكافحة السموم البيضاء ومعاقبة مروِّجيها . وإجراء الفحوص الطبية وبالأخص قبل الزواج ؛ بهدف الكشف المبكر عن المرض والإسراع في معالجته أو الحد من خطورته ، ودرءاً لمفاسده ، وللحد من انتقاله إلى النسل ، فالذرية الطيِّبة الخالية من الضعف والمرض ؛ السالمة من الإعاقة هي أولاً أمنية كل إنسان لأنها امتدادُه في الحياة وقُرَّةُ عينه وزينةُ دنياه ؛ وهي ثانياً عنوانُ قوة المجتمع ؛ قال صلى الله عليه وسلم { الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ } رواه مسلم .