لمين أشكيك وأبوك القاضي
بقلم الأستاذ إبراهيم محمد ماضي
بكل صراحة لم أكن أتوقع من (فرنسا) بلاد الغال التي طالما تغنت بأنها حاملة مشعل الحريّة ، والوكيل الحصري للديمقراطية ، وذات اليد الطولى بالحيادية والمصداقية ،أن تقلب لنا ظهر المجن ، وتنحاز للجلاد ، على حساب الضحية قرأت مثلكم الخبر المقتضب عن تقرير الخبراء الفرنسيين الذي يصب في اتجاه فرضية وفاة عرفات بصورة طبيعية !!تخيلوا (طبيعية) ، وأنا لا أدعي أنني أملك معرفة بالطب وعلم تفسير الأمراض Nosology إلا أن السيناريو الأول الذي خطر ببالي عندما قرأت كلمة ( طبيعية ) مشهد للرئيس الراحل وهو يتناول وجبة العشاء الفاخرة مع أسرته في قصره المنيف،وعلى أنغام موسيقى فيروز التي يعشقها يطلب من طباخه الخاص أن يحضر طبق حلوى Tiramisu المفضلة لديه، و(يحبس) بعدها بفنجان قهوة Espresso الإيطالية المعدّة له حسب الطلب ، ومن ثم يغرق في اللعب مع ابنته المدللة (زهوة) ، وبعدها يخلد للنوم على فراشه الوثير ، وعندما توقظه زوجته السيدة سهى في اليوم التالي تفاجأ بأنه لا يحرك ساكناً ، لتهرع بعدها إلى طاقم الحراسة المكلف بتأمين حماية غرفة الرئيس ، وتستدعي على عجل طاقم أطباء الرئاسة الذين بذلوا مجهودات حثيثة لإعادة النبض للرئيس إلا أن محاولاتهم كلها باءت بالفشل ، ليُعلن على إثرها الخبر الحزين على أفراد الشعب :
بسم الله الرحمن الرحيم (كل نفس ذائقة الموت) بقلوب خاشعة لله، وبنفوس مطمئنة بقضائه، وبعميق من الحزن والأسى تنعي القيادة الفلسطينية للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات ، وللأمتين العربية والإسلامية ، ولأحرار العالم خبر وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إثر سكتة قلبية مفاجأة أثناء نومه وبشكل طبيعي .
هنا ينتهي السيناريو المتخيل لكلمة (وفاة طبيعية) الواردة في تقرير الخبراء الفرنسيين، أما الحقيقة حول ظروف وملابسات (العشاء الأخير) والتي باتت معروفة للجميع هي أن هذا الرجل الفدائي والذي كان يبلغ من عمره 75 عاماً، الذي لا يدخن أو يتعاطى الكحوليات و الذي لم يكن يعاني من مشاكل صحية أو سوابق مرضية هامة،قد تعرض لحصار فاجر من قبل السلطات الإسرائيلية، وبغطاء من أمريكا .. عاش فيه الراحل شهورا طوال بعيداً عن زوجته سهى وابنته زهوة التي آثر لهما الابتعاد عنه حتى لا يقال أنه يتستر بعائلته ويحتمي بهما من بطش المحتل وصلفه ، عاش ابوعمار رفقة 450 شخص الذين كانوا معه ، ظروفا صعبة داخل المقر المتواضع في رام الله ، طلقات وقذائف بين الحين والآخر..تشويش مستمر وانقطاع للماء والكهرباء ونقص في الغذاء وحتى نقص في الهواء بسبب الاكتظاظ.
إلا أنه رغم ذلك أصر على ألا يتميّز عن باقي المحاصرين معه بشيء، كان ينام كما ينام الآخرون ..على فرشة خفيفة تفرش على الأرض مباشرة، ويأكل معهم من طبق واحد .
وفي يوم 12 اكتوبر 2004 وعلى أنغام المدرعات الإسرائيلية ، واثر تناوله لوجبة العشاء المتواضعة والأخيرة والمكوّنة من خبز وقطع من الجبن والحلوى وقليل من الفواكه،بالإضافة لطبق (الشوربة) الخاص به الذي لم يكد يرشف أول ملعقة منه حتى وضع يده على فمه مع إطلاقه صوت يوشي بأن هناك شيئاً.
وبعدها ظهرت عليه أعراض المرض ، الشعور بالإرهاق وغمة نفس وقيء ووجع بالبطن، دون ارتفاع بالحرارة، واستمرت الأعراض مع حدوث إسهال مائي من غير دم أو مخاط مع إحساس بالتعب متزايدة وفقدان للشهية ونقصان بالوزن بمقدار (3) كغم خلال أسبوعين ، وبعدها أخذت حالة الرئيس بالتدهور مما اضطر لنقله بطائرة اردنية إلى باريس في حالة صحية حرجة وهناك في مستشفى (بيرسي دو كلامار) العسكري ظلت التكهنات الطبية تتعلق بالسرطان وأمراض الدم ، إلا أن بوصلة تشخيص المرض اتجهت بعد ذلك نحو منحنى آخر .. مرض أصاب الجهاز الهضمي باضطراب وتهيج شديد ثم حدث مسلسل من الاضطرابات الأخرى بدءاً بالنخاع العظمي، أدى إلى نقص الصفائح وإلى ظهور خلايا آكلة للدم فقط بالنخاع، وأدى هذا إلى اضطراب تخثر الدم ثم بدأت تظهر علامات مرضيه للكبد بارتفاع الصفراء وأخيراً اضطراب الجهاز العصبي من الخمول إلى الغيبوبة الكاملة، ثم الوفاة نتيجة نزيف شديد بالدماغ.
ثم ... حفظ الملف الطبي الكامل لعرفات واعتبرته السلطات الفرنسية “سرا دفاعيا”، وهو ما يعني أنهم ممنوعون من الإدلاء بأي معلومة طالما أنها قد تمس الأمن الداخلي للبلاد.
وقد قال وقتها باتريس مانجين مدير مركز الطب الشرعي بمستشفى لوزان لرويترز في مقابلة "الشكوك كافية لتستدعي السلطات الفرنسية مزيدا من التحقيقات،وعلى المستوى القضائي ينبغي فتح تحقيق للنظر في كل أنواع الأدلة" وأضاف "الدليل من وجهة نظري موجود في الغالب في البلد الذي كان يعيش فيه عرفات".
وهذا ما فعلته أرملة الرئيس السيدة سهى عرفات ، ابتداءاً من توجهها للقضاء الفرنسي للتحقيق في ظروف وملابسات الوفاة الغامضة ، مروراً بمشاركتها في برنامج قناة الجزيرة ومطالبتها السلطة لأخذ عينات من جثة الرئيس ، وصولا إلى نتائج تقرير الفريق السويسري الذي أكد على وجود كميات كبيرة من مادة اليورانيوم المشع والتي أفضت إلى وفاته .
حتى أن صحيفة " Le Figaro " خصصت قبل عام صفحة كاملة لتغطية قضية إعادة فتح ملف مقتل ياسر عرفات، بعد بروز أدلة جديدة تشير إلى العثور على مستويات عالية من مادة "البولونيوم" المشع والسام في مقتنيات شخصية لعرفات استعملها قبل فترة وجيزة من وفاته؛ وذلك بعد فحوصات علمية دقيقة.
وفجَّرت الصحيفة الفرنسية وقتها مفاجأةً، حين أكدت أن فرنسا تعلم السر الذي تخفيه التقارير حول وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الغامضة، وأشارت إلى أنها فضَّلت السكوت وعدم التحدث في هذا الشأن، كما رفضت نشر التقارير التي أجراها مستشفى عسكري حول أسباب وفاة ياسر عرفات، وأوضحت أن سها عرفات زوجة ياسر عرفات لم تستطع الاطلاع على تلك التقارير.
ثم يخرج علينا اليوم فريق الخبراء الفرنسي بنظريته الخارقة والمذهلة وهو أن الختيار قد مات بشكل طبيعي كما يموت البعير .
لا يا سادة ،احترموا عقولنا لقد مات الرئيس عرفات مقتولا و بجريمة جنائية، على الأراضي الفرنسية و في مشفى فرنسي عسكري و تابع للدولة الفرنسية.
والفرنسيون لم يسألوا عائلة ابوعمار عن رغبتهم بتشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة ، تماما كما فعلت ال CIA مع جثة الرئيس جون كينيدي .
والفرنسيون هم من أخفوا عينات الدم وادعوا أنها أتلفت ثم ظهر العكس ،
والفرنسيون طالبوا إسرائيل من خلال مبارك وأمريكا بالترياق أكثر من مرة .
قتل الرئيس عرفات -يا سادة- غيلة بتخطيط من إسرائيل وبتنفيذ من أحد عملائها ، وبغطاء من أمريكا ، وبتستر من فرنسا ، لذلك لم يكن أمام الخبراء الفرنسيين والسلطة الفرنسية سوى الكذب لأنها إن قالت الحقيقة أدانت نفسها بالتستر على حقيقة مرض ياسر عرفات ، وسبب وفاته .
وحتى تنجلي الصورة أكثر، ونرى ما هو خارج الصندوق علينا أن نربط تقرير الخبراء الفرنسيين ، بالمواقف الفرنسية الأخيرة المنسجمة بل والداعمة للسياسية الإسرائيلية والتي بلغت ذروتها حين احتضنت تل أبيب الرئيس هولاند مؤخراً والذي استهل زيارته لها بالحديث باللغة العبرية قائلا "سأبقى إلى الأبد صديقا إلى إسرائيل" مع إبراز مواقف فرنسا المتشددة من المشروع النووي الإيراني التي تلتقي بهذه المرحلة مع طرح إسرائيل، وامتناعه عن توجيه انتقادات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حيال مواقفه المتعنتة من مسار المفاوضات مع الجانب الفلسطيني.
هذا الموقف وغيره لا يمكن فهمه إلا انه محاولة لإعادة "شهر العسل" بين باريس وتل أبيب، وإحياء لمراسم الزواج الدبلوماسي التاريخي الوطيد والوثيق الذي جمع بين البلدين بمنتصف ستينيات القرن الماضي.
هذا من الناحية السياسية ، أما المبادلات التجارية فتضاعفت حسب الخارجية الفرنسية خلال عشر سنوات، ومنذ 2003 زادت الصادرات الفرنسية لإسرائيل بنحو 20% لتبلغ قيمتها 3.6 مليار يورو في 2013.
وتعد فرنسا ثاني مصدر لواردات إسرائيل وتاسع وجهة لصادراتها، وهي أيضا ثاني وجهة سياحية للإسرائيليين بعد الولايات المتحدة.
أما عسكريا، فيبدو أن فرنسا عاودت تعاونها العسكري مع إسرائيل في 1993 عند انطلاق عملية أوسلو، وقد أعلنت في يونيو/حزيران 2004 توقيع اتفاقات عسكرية معها.
وكدلالة على التحسن الملحوظ في علاقاتهما، زاد عدد الزيارات الرسمية العالية المستوى بين البلدين منذ 2003، بوتيرة لم يشهد لها مثيل من قبل، خاصة مع بدء التحسن في العلاقات بعد احتلال العراق، وتحديدا بمناسبة زيارة دومينيك دوفيلبان، وزير الخارجية آنذاك في مايو/أيار 2003، وإلقائه خطابا تاريخيا في القدس، يذكر بخطاب ميتران أمام الكنيست ، وصولا إلى زيارة الرئيس الحالي هولاند في 2013ا التي أسلفت ذكرها .
وختاما أتمنى على المناضلة الحرّة السيدة سهى عرفات ، أن تواصل هذه المعركة القضائية وفي قلب باريس حتى نهايتها ، متسلحة بالشجاعة والصبر ،فهذه المرأة الذكية كانت تعلم جيداً ، أن مثل هذه المعارك القضائية لا تنتهي بضربة مطرقة القاضي الفرنسي معلناً تجريم إسرائيل و أمريكا وربما فرنسا نفسها ، ولكن يكفي أنها ستحرك الماء الراكد ، وستبعث على إحراج السلطات الفرنسية أمام الرأي العام الداخلي والخارجي ، ومن يدري فقد تنتظرها وتنتظرنا في هذه المعركة مفاجآت الساعات الأخيرة ،وقد تقلب هذه المحاكمة المعادلة ، وتعيد السحر على الساحر ، وتفضح المخطط والمنفذ والمشارك والمتستر معاً ( سأشكيك أمام الناس حتى أحرج أبوك القاضي ) .
