دراسة : مجلس التعاون الخليجي أدى اعتماد الشعوب نمط الحياة المستقرة

أبو ظبى - دنيا الوطن
نتج عن التطور الاقتصادي السريع في بلدان مجلس التعاون الخليجي اعتماد الشعوب نمط الحياة المستقرة، ما أدى إلى ازدياد الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والشرايين والسرطان والأمراض التنفسية. وباتت الأمراض الغير المعدية السبب الرئيسي للوفيات في البلدان الخليجية. كما أن تفشيها بشكل وبائي يقوض المكتسبات المجتمعية للتنمية الاقتصادية. في الواقع، ومع معدلات التفشي الحالية، سوف تقارب التكلفة المباشرة وغير المباشرة الإجمالية لغالبية الأمراض غير المعدية الأكثر انتشاراً في مجلس التعاون الخليجي 36 مليار دولار في عام 2013 – أي مرة ونصف قيمة الإنفاق الرسمي على الرعاية الصحية. ونظراً إلى حجم المشكلة، يتعين على الحكومات الخليجية أخذ المبادرة سريعاً. وبحسب شركة بوز أند كومباني، يتعين عليها وضع برامج وطنية وعلى مستوى مجلس التعاون خاصة بالأمراض غير المعدية تسمح بتطبيق برامج قصيرة وطويلة الأمد قبل أن تترك هذه الأوبئة خسائر فادحة على مجتمعاتها.

الأرقام تتكلم

نتج عن التنمية الاقتصادية لبلدان مجلس التعاون الخليجي تكلفة كبيرة وبروزاً متزايداً للأمراض غير المعدية. في الواقع، وفي غضون فترة قصيرة من الزمن ، حسّنت البلدان الخليجية معايير المعيشة فيها فرفعتها من مستوى البلدان النامية إلى مستوى البلدان المتقدمة.

وترتبط الأمراض غير المعدية بأساليب حياة الاقتصادات المتطورة، خصوصاً العادات الغذائية السيئة والوجبات التي تحتوي على كميات كبيرة من السكر والمشبعة بالدهون والنقص في ممارسة الرياضة. وكان لازدياد الثروة بالطبع آثار إيجابية على الصحة العامة، على غرار تمويل حملات توعية الصحة العامة الواسعة النطاق وحملات التلقيح للحد من تهديدات الأمراض المعدية، كشلل الأطفال والحصباء والحصباء الألمانية وغيرها. إلا أنه في بلدان مجلس التعاون الخليجي كما في أي مكان آخر من العالم، يقابل هذه المكاسب للصحة العامة ورفاه الأفراد ازدياد تفشي الأمراض غير المعدية ومعدلات الوفيات المرتبطة بها. 

وقال غابرييل شاهين، شريك في بوز أند كومباني إنّ "النتيجة هي أن الأمراض غير المعدية باتت السبب الرئيسي للوفيات والإعاقة، ما يجعل مجلس التعاون الخليجي من أكثر المناطق تأثراً بازدياد الأمراض المزمنة عالمياً. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى تسبب الأمراض غير المعدية بأكثر من ثلاثة أرباع الوفيات عالمياً بحلول سنة 2030، أي بارتفاع من 63 في المئة في عام 2008، مع تداعيات كبيرة للتكلفة على أنظمة الرعاية الصحية".

مشكلة مزمنة

تترتب على الأمراض غير المعدية المعروفة أيضاً بالأمراض المزمنة تكاليف بشرية واقتصادية كبيرة، إذ إن تطورها التدريجي عموماً يؤثر سلباً في نوعية حياة الأفراد ويحدّ من قدرتهم على المساهمة الاقتصادية ويستنزف موارد الرعاية الصحية.

وتركز مقاربة بوز أند كومباني على الأمراض غير المعدية الخمسة الأكثر شيوعاً في مجلس التعاون الخليجي، وذلك من بين لائحة من 14 مرضاً أدرجتها دراسة منظمة الصحة العالمية عن العبء العالمي للأمراض.

ورغم تنوع العوارض، تتشاطر الأمراض غير المعدية الخمسة عناصر خطر مشتركة متصلة بنوعية الحياة أو السلوك على غرار استهلاك التبغ والوجبات المشبعة بالدهون وعدم الحركة الجسدية:

·                     أمراض القلب والشرايين مسؤولة عن 29 في المئة من الوفيات بسبب الأمراض غير المعدية عالمياً

·                     الأورام الخبيثة مسؤولة عن 13 في المئة من الوفيات بسبب الأمراض غير المعدية عالمياً

·                     الأمراض التنفسية المزمنة مسؤولة عن 7 في المئة من الوفيات بسبب الأمراض غير المعدية عالمياً

·                     الأمراض العصبية والنفسية مسؤولة عن 2 في المئة من الوفيات بسبب الأمراض غير المعدية عالمياً

·                     داء السكري مسؤول عن 2 في المئة من الوفيات بسبب الأمراض غير المعدية عالمياً

العبء الاقتصادي

يتخذ العبء الاقتصادي للأمراض غير المعدية شكليّ تكلفة: مباشرة وغير مباشرة.

وفي هذا الإطار، قال جاد بيطار، شريك في بوز أند كومباني، إنّ "التكاليف المباشرة هي عادة تلك المرتبطة بعلاج المرضى، على غرار الاستشارات والأدوية والعمليات السريرية. والأهم هو العبء الاقتصادي غير المباشر للأمراض المزمنة. وعلى الصعيد الوطني، تؤدّي الأمراض غير المعدية إلى خفض متوسط العمر المتوقع، ما يعني إنتاجية أقل. بالإضافة إلى العبء الكبير على المرضى، تؤثر الأمراض غير المعدية في عائلاتهم، وتحد من مساهمتهم في النشاط الاقتصادي. علاوة على ذلك، تستنفد الأمراض المزمنة ومعدلات العمر القصيرة القوة العاملة على صعيد النوعية والكمية".

وتتراجع إنتاجية اليد العاملة نظراً إلى تراجع كفاءة العمال، وتؤدي الأمراض غير المعدية إلى ارتفاع معدلات التغيب، بسبب العمل الضائع نتيجة أيام التغيّب.

واعتمدت بوز أند كومباني نموذج تكلفة المرض لجامعة هارفارد وصندوق النقد الدولي لقياس التكاليف المباشرة وغير المباشرة للأمراض غير المعدية في مجلس التعاون الخليجي. وتعتبر الطريقة الخاصة بتكلفة المرض شاملة وتقوم على بيانات ملموسة. كما جمعت بوز أند كومباني بيانات من الوزارات المحلية ومراكز الإحصاء والتقارير العامة الخاصة بالأمراض غير المعدية المختارة من الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

ومن خلال تطوير نموذج اقتصادي قياسي يستخدم نموذج تكلفة المرض وآخر الإحصاءات المتوفرة والموثوقة، تمكنت بوز أند كومباني من استخراج تقديرات للتكاليف المباشرة وغير المباشرة للأمراض غير المعدية في عام 2013، وتوقعات العبء المتوقع في سنة 2022.

ولفت شاهين في هذا الإطار إلى أن "إجمالي التكاليف المباشرة وغير المباشرة للأمراض المزمنة الخمسة الأكثر انتشاراً في مجلس التعاون الخليجي ستكون حوالى 36 مليار دولار في سنة 2013، وسترتفع إلى حوالى 68 مليار دولار بحلول سنة 2022. ويكون العبء أكبر وأقل استدامة بوضوح، عند مقارنة التكلفة الإجمالية للأمراض غير المعدية بالإنفاق على الرعاية الصحية. وفي سنة 2013، سوف تفرض الأمراض غير المعدية الخمسة الأولى عبئاً اقتصادياً يوازي حوالى 1.5 مجموع موازنات الحكومات الست المخصصة للرعاية الصحية هذه السنة".

وسوف يتراوح العبء الاقتصادي للفرد لمختلف البلدان الخليجية في سنة 2013 بين 516 دولاراً في المملكة العربية السعودية، أو 3.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي للفرد، و2.001 دولار في قطر، أي ما يوازي 4.1 في المئة من إجمالي الناتج المجلي غير النفطي للفرد. وبحلول سنة 2022، سوف تبلغ التكلفة الإجمالية للفرد 758 دولاراً في المملكة العربية السعودية و2.778 دولاراً  في قطر. أما العبء الاقتصادي الأدنى فسيسجل في عمان التي ستبلغ تكلفة الأمراض غير المعدية للفرد فيها 603 دولارات. في المقابل، بلغ إنفاق اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للفرد على الرعاية الصحية 3.327 دولاراً. 

معالجة المسألة

من أجل معالجة التكاليف المالية والبشرية للأمراض غير المعدية، يتعين على الحكومات الخليجية والجهات المعنية الأخرى تحديد عناصر الخطر المرتبطة بهذه الأمراض وفهمها.

ورأى بيار أسود، مدير مشاريع في بوز أند كومباني، أن "هناك نوعين من عناصر الخطر الأولية المرتبطة بالأمراض غير المعدية التي تعتبر من الأسباب الجوهرية لهذه الأمراض وهي العناصر غير القابلة للتعديل وتلك القابلة للتعديل. وبالنسبة إلى إجابات السياسة، تعتبر عناصر الخطر القابلة للتعديل الأكثر ملاءمة للتغيير ولديها أعلى تأثير على الأفراد. أما عناصر الخطر غير القابلة للتعديل فهي خارجة عن سيطرة الأفراد وترتبط بالسن والظروف الوراثية والجينية وعناصر أخرى اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية".

ومن خلال الأنظمة والسياسات المناسبة، تستطيع الحكومات تحسين بعض عناصر الخطر غير القابلة للتعديل، على غرار التأثيرات البيئية، بما في ذلك مستويات السموم في المنتجات ونوعية الهواء. وتعتبر عناصر الخطر القابلة للتعديل سلوكية بطبيعتها وتتضمن استهلاك التبغ وعدم الحركة الجسدية والوجبات غير الصحية.

استراتيجية فاعلة

"مع تنامي عناصر الخطر واستنفاد موازنات الرعاية، يتعين على الحكومات الخليجية دق ناقوس الخطر في مجتمعاتها واعتماد برامج وطنية لاحتواء وباء الأمراض غير المعدية"، بحسب رأي جاد بيطار الذي أضاف أن "هدف البرامج الوطنية التي تكافح الأمراض غير المعدية يجب أن يكون تعميم رسائل سلوكية إيجابية توعي السكان على المخاطر الصحية المحدقة، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز بشكل دفاعي على كبح ظهور الأمراض المزمنة".

وأضاف أسود أنه "على البلدان الخليجية أن تدرج بشكل طارئ الأمراض غير المعدية في التخطيط الصحي الطويل الأمد ويتعين عليها السعي إلى نوعية حياة أفضل للمقيمين والحد من التكاليف الطبية غير الضرورية وتحسين الإنتاجية".

1.      التنسيق والتوعية: التنسيق مهم بما أن طبيعة الخطوات المطلوبة وحجمها يتطلبان جهداً مركزياً وتنسيقياً يطاول الجهات المعنية الرئيسية من القطاعين العام والخاص. كما أن التوعية أساسية لإقناع جميع الجهات المعنية بقبول ضرورة إبطاء تطور الأمراض غير المعدية. وتشكل التوعية الأداة الأكثر فاعلية لتمكين المرضى وتشجيعهم على تغيير أساليب حياتهم.

2.      الوقاية والعلاج: عملياً، يجب أن تتطرق أي استراتيجية وطنية إلى الأمراض غير المعدية على مستويين مختلفين – الرعاية العلاجية المباشرة أو الإدارة والوقاية المبكرة من الأمراض.

3.      تشجيع التغييرات الهيكلية والسلوكية: تتطلب الخطوات الوقائية للحد من تفشي عناصر الخطر القابلة للتعديل، وضع وتنفيذ مجموعة من البرامج التنسيقية القصيرة والطويلة الأمد التي تستهدف التغييرات الهيكلية والسلوكية على السواء.

البرامج قصيرة الأمد

يجب أن تصمم الحكومات الخليجية البرامج القصيرة الأمد وتنفذها سريعاً. وتهدف هذه الجهود إلى تغيير أو تعزيز الهياكل الحالية للحد من وقع عناصر الخطر الأولية القابلة وغير القابلة للتعديل. وهناك ثلاثة مجالات رئيسية يمكن أن تحقق فيها الحكومات تغييرات فورية هي المجالات المالية والتنظيمية والعيادية.

-          المالية: تكافئ هذه التدابير أو تعاقب مالياً الأفراد للحد من وقع عناصر الخطر الأولية. وهذا يتضمن الضرائب على المنتجات غير الصحية على غرار الوجبات السريعة والمشروبات الخفيفة والسجائر، والإعانات للمنتجات الصحية كالمأكولات الصحية في المدارس مثلاً.

-          التنظيمية: تتضمن هذه الإجراءات اعتماد وتنفيذ قواعد وأنظمة تحدّ من توفر المنتجات غير الصحية وترويجها وتضمن توفر البدائل الصحية في مختلف المواقع، كالمدارس والمباني الحكومية.

-          العيادية: تهدف الإجراءات العيادية إلى الاستفادة من الخدمات والبنية التحتية الصحية الحالية للحد من وقع عناصر الخطر الأولية. وتتضمن البرامج العيادية برامج مسح وطنية شاملة لتحديد المجموعات المعرضة للخطر وضمان التحديد المبكر للأمراض غير المعدية.

البرامج الطويلة الأمد

يتعين على الجهات المعنية تصميم برامج طويلة الأمد وإطلاقها بالتوازي لضمان استمرارية الجهود واستدامة النتائج. وتركز البرامج الطويلة الأمد عادة على التغيير السلوكي على المستوى الفردي ومستوى نظام الرعاية الصحية، ويمكن أن يكون لها وقع على الأنظمة والتمويل. وهناك ثلاثة أنواع من البرامج الطويلة الأمد وهي الخاصة بالشباب والبالغين والمحترفين.

-          الشباب: تهدف هذه البرامج إلى توعية المعلمين وسواهم (مثلاً مدربي الرياضة) الذين يهتمون بالأجيال الشابة ويمكنهم توعية هذه الأجيال على مخاطر الأمراض غير المعدية وأساليب الحياة الصحية. ويمكن أن تحدد هذه البرامج سلوك الشباب في المدارس والمجتمعات.

-          البالغون: سوف تركز البرامج التي تستهدف البالغين على جماهير مختارة لتحسين معرفتها وقدرتها على إدارة ظروفها والحد من وقع عناصر الخطر الأولية.

-          المحترفون: تهدف البرامج المخصصة للمحترفين إلى توعية الموردين الصحيين على الأمراض غير المعدية وتوجيههم إلى موارد يمكنهم استخدامها للوقاية من هذه الأمراض وتحديدها وعلاجها.

يتعين على البلدان الخليجية اتخاذ خطوات طارئة للحد من الاتجاه المتصاعد للأمراض غير المعدية. فمن دون برامج شاملة تسمح بتخصيص أفضل لموارد الرعاية الصحية لمعالجة الأسباب الجوهرية للأمراض غير المعدية وعوارضها، سوف تصل الأعباء البشرية والمجتمعية والاقتصادية المتصلة بهذه الأمراض إلى مستويات معطِلة. وسوف يتعين على الحكومات إشراك مجموعة واسعة من الجهات المعنية من القطاعين العام والخاص في هذه البرامج للمساهمة في استحداث البيئة الممكنة الأمثل للتغييرات في أسلوب الحياة. كما يتعين عليها تنفيذ برامج مسح لجميع الأمراض غير المعدية واستخدام الكمية الكبيرة من المعلومات المجمعة لتصميم إجراءات أكثر فاعلية واستهدافاً. وتشتمل البرامج التي تحد من عناصر الخطر وتسمح بإدارة أفضل للأمراض غير المعدية، على مستوى معين من الابتكار والخبرة. ومن خلال المراقبة والقياس المناسبين، يمكن مأسسة المخططات الناجحة وتقليص البرامج ذات الوقع الأدنى. ومع الوقت، يجب أن يسمح استثمار الموارد في البرامج الفاعلة التي تعنى بالأمراض غير المعدية بضبط الإنفاق الخليجي على الرعاية الصحية وتحسين المشهد الصحي في المنطقة. 

التعليقات