إشكالية التعليم بين الرسالة والحق والقانون

إشكالية التعليم بين الرسالة والحق والقانون
بقلم إيمان بدران 

يعيش مجتمعنا الفلسطيني بين الفينة والاخرى موجات من
الاحتجاج على واقع الحياة المعيشية خاصة مع نوبات الغلاء وارتفاع الاسعار التي تصيب جزء كبيرا من المواطنين بحمى الخوف من المستقبل وخاصة ما يسمون في عرف الاقتصاديين
بمحدودي الدخل ولعل موظفي الحكومة أكثر من يوصفون بذلك ومنهم ولعل على رأسهم المعلمين وموظفي وزارة التربية والتعليم الذين يخوضون اليوم إضرابات متواصلة بحثا عن تحسين أوضاعهم المعيشية أسوة بغيرهم من موظفي الحكومة الفلسطينية في رام الله .

التعليم بين الرسالية والمهنية :

تكمن الإشكالية الكبرى في مسالة إضراب المعلمين في
التشابك بين الرسالة التعليمية والتي تكبل المعلم كونه مسؤول عن جيل من العقول والاخلاق ومهمته الأساسية هي أن ينشئ جيلا متعلما مثقفا محبا لوطنه منتميا إليه وبين كون التعليم هو مهنته الأساسية والتي يطعم منها عياله ويربيهم ويسعى من خلالها أن يسد رمقهم ويكفيهم عن حاجتهم إلى أن يتكففوا أيدي الناس .

وهنا تكن المشكلة فحين يصمت المعلم عن حقوقه المهنية
ويلفت فقط إلى رسالية التعليم فهو ظالم لنفسه ولعل أبناء كثير من المعلمين أصبحوا ينظرون بعين الغضب لهذه المهنة نظرا لأنها لا تلبي حاجتهم المعيشية كغيرها من المهن الأخرى فهم أيضا أبناء الوطن وهم أيضا جزء من ابنائنا الذين يجب الالتفات إليهم أسوة بغيرهم من أبناء الوطن .

وحين ينظر المعلم إلى الجانب المهني المادي فقط دون غيره
حينها سيقع بين فكي كماشة فكها الأعلى ضميره الإنساني وواجبه الأخلاقي والوطني تجاه ابناء الوطن ومنهم أبناؤه الذين بالتأكيد لهم معلم هو أيضا واقع بنفس الإشكالية وفكها الأدنى ذلك الهجوم العنيف الذي تشنه ألسنة العامة الذين لا يدركون
حقيقة ما يعانيه المعلم في فلسطين من "ضنك العيش" بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ! 

المعلم بين الحق والقانون :

وحين نتحدث عن إشكالية الحق والقانون وسلسلة الأحكام
القضائية الخاصة بموضوع إضراب المعلمين والذي دأبت الحكومات المتعاقبة على اللجوء إليه كسيف مسلط على رقاب المعلمين في محاولة منها لثنيهم عن مواصلة مطالبتها
بتحسين وضعهم المهني والمادي هذه الإشكالية التي يدخل فيها إشكاليات قانونية ودستورية متعلقة بكون الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين مؤسسة تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وهي لا تخضع بهذه الصفة لقانون السلطة الفلسطينية التي تحكم به
المحاكمة العليا وربما تلجا المحكمة بهذا الوقت إلى مخارج قانونية بعيدة عن القانون الأساسي الفلسطيني المعمول به مما يعني ان أي خطوة قانونية ستكون مثار جدل قانوني محتدم لن يكون أثره على العملية التعليمية برمتها أثرا إيجابيا مطلقا .

وبعيدا عن الإشكاليات القانونية ولو حاولنا أن ننظر إلى
المعلمين نظرة واعية منصفة بعيدا عن التحريض الاجوف وعن التطرف في الحكم فيجب أن ننظر إلى أن العملية التعليمية كعملية تكاملية لا يمكن أن تستقيم وتؤتي اكلها كل حين
الا إذا كانت أركانها كلها قادرة على حمل العبء الملقى عليها .

العملية التعليمية كل لا بتجزأ :

حين ننظر إلى العملية التعليمية التربوية من زاوية واحدة
فإننا سنخطئ التقدير وحين يطغى الاهتمام بجزء منها على حساب آخر فإن توازنها سيختل اختلالا يجعلها تفقد البوصلة ولا تصل في نهايتها إلى الغايات الكبرى منها وهو تنشئة جيل وطني واع قادر على تحمل أمانة الوطن والحفاظ عليه .

ولعل كثيرين هنا يقولون "الطالب هو محور العملية
التعليمية " وهنا هذه المقولة وإن كانت محقة إلا أنها لا يصلح الاستشهاد بها على ما نحن بصدده فالطلب محور العملية التعليمية لانه غايتها ولان النتائج ستظهر عليه على المدى البعيد وهذا الا يعني ان نهمل الطريق الموصل هذه الغاية
وهو المحور الآخر من المعملية الا وهو المعلم ؛ فحين يكون المعلم منشغلا بتوفير لقمة العيش لطفله فكيف له أن يفكر كيف ينمو بأطفال الآخرين ؟ 

وحين ننظر أيضا إلى الواقع المدرسي فنحن نرى تراجعا
واضحا للتعليم في سلم أولويات الحكومات الفلسطينية المتعاقبة مما أحدث هوة واسعة بين قطاعات العاملين في الوظيفة العمومية والوظائف الصحية وغيرها من جهة وبين الوظائف
التعليمية من جهة اخرى مما أورث تراجعا عاما في المستوىلا التعليمي في مدارسنا .

فحين ننظر للأمر ينبغي ان ندرك أبعاده والتي ادت بنا إلى
ما نحن فيه الآن من تراجع تعليمي وثقافي وحتى تربوي وأن لا نحمل جزء آثار ما صنع الكل فالكل الفلسطيني مقصر في واجبه تجاه العملية التعليمية التربوية علينا ألا ننظر بعين واحدة وإن نغمض اعيننا عن واقع نعيشه بل يجب أن نواجه واقعنا بقوله
محاولين انتشال العملية التعليمة برمتها من آثار وخيمة قد تودي بها إلى مالا يحمد عقباه .

فلا بد إذن من العمل على رفع مستوى معيشة المعلم وزيادة
الميزانيات الحكومية الخاصة بالتربية والتعليم و العناية أكثر بما يحقق الاستقرار المنشود من قوانين وإجراءات تنظم حقوق الأطراف المختلفة في العملية التعليمية لانها عماد النهضة التي نحلم بها ولان وطننا فلسطين يحتاج منا الكثير لكي ينعتق من آلامه وينظر إلى المستقبل بعين مشرقة .