الدراسات الاستراتيجية تصدر قراءة في العلاقات بين التركية المصرية

رام الله - دنيا الوطن
تتصاعد المواقف السياسية الراهنة بين مصر وتركيا في ضوء التوتر القديم الجديد بين البلدين لتصل الي طرد السفير التركي من القاهرة، وخفض التمثيل الدبلوماسي التركي  في مصر، واستدعاء  السفير المصري من تركيا، ويعتبر ذلك تصعيد سياسي دبلوماسي من ناحية مصر باتجاه تركيا التي غيرت سياستها بشكل كامل، كرد علي الانقلاب العسكري علي الرئيس  المنتخب محمد مرسي في 30 يونيو، وعلي الشرعية المنتخبة بشكل ديمقراطي، ومن أبرز تغيرات ملامح  السياسة التركية مع الادارة المصرية الانقلابية ما صرح به رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أمام البرلمان التركي "لن نتوقف عن قول الحق والوقوف بجانب الشعب المصري لمجرد أن الحكومة التي جاءت عن طريق الانقلاب في مصر منزعجة"

وأضاف "لن نكون شيطانًا أخرس وسنواصل إبلاغ العالم عن حكومة الانقلاب وعن المأساة الإنسانية التي تتكشف في مصر"، و قد انتقد عزل الجيش لأول رئيس منتخب في تاريخ مصر وأعتبر ما جرى انقلابا عسكريا واضحا.

تصريحات أردوغان منذ خمس شهور علي الانقلاب العسكري بمصر جعلت مصر في وضع حرج من خلال اعتبار حكومة الانقلاب المصرية تصريحات أردغان بمثابة تشهير بمصر و بالحكم  العسكري الانقلابي علي الصعيد الدولي.  

وفي ظل  العلاقات المصرية التركية تشهد أزمة سياسية دبلوماسية، معهد فلسطين لدراسات الاستراتيجية  ناقش أزمة العلاقات بين البلدين في حوار خاص مع الدكتور مخيمر أبو سعدة أستاذ العلوم السياسية، ومع  حسام الدجني الكاتب والمحلل السياسي.  

من خلال محاور تمثلت  في وصف العلاقات المصرية، وتصريحات الخارجية المصرية بمزيد من الخطوات، و الاسباب التي دفعت الادارة المصرية الحالية لطرد السفير التركي، وحول امكانية قيام القاهرة بخطوات مماثلة مع دولة أخرى، و ماهي قنوات ووسائل الرد التركية.

العلاقة المصرية التركية

عند الحديث عن العلاقة بين مصر وتركيا يجب أن نعرج على تاريخ العلاقة بينهما كي نقيم ما حصل من تخفيض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين  وصولاً لمستقبل العلاقات بينهما.

أن العلاقة التركية المصرية قد مرت في مراحل عدة عبر تاريخ البلدين، بين النمو والتحسن وبين الانحصار والتراجع وتعتبر علاقات غير مستقرة ومتقلبة، ولا تحكمها فقط المصالح وانما هناك قيم ومبادئ وتقاطعات أيديولوجية تحكم السياسة الخارجية التركية.

  فحادثة طرد السفير التركي من مصر لم تكون الحادثة الاولى، فقد شهد يوم الرابع من يناير 1954م قراراً مماثلاً يقضي بطرد السفير التركي فؤاد طوغاي من القاهرة بسبب حملاته المستمرة على قيادة ثورة 23 يوليو، وكان على سدة حكم تركيا في تلك الحقبة التاريخية رئيس الحزب الديمقراطي " عدنان مندريس "  وهو أول رئيس وزراء منتخب في تركيا.

بينما شهدت العلاقات بين أنقرة والقاهرة تحسناً ملحوظاً في حقبة السبعينات وتحديداً في ضوء القرار التركي بمنع الطيران الاسرائيلي باستخدام قواعده كنقطة انطلاق في حرب تشرين/1973م، وتدخلت القاهرة في تسعينيات القرن الماضي كوسيط لمنع اندلاع حرب كادت أن تكون وشيكة بين تركيا وسوريا نتيجة الصراع المتصاعد بين البلدين حول المياه ومشكلة الأكراد.

وفي العام 2006م شهدت العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر تحسناً ملحوظاً حيث تم تخصيص مليوني متر مربع كمنطقة صناعية تركية في مدينة السادس من أكتوبر للإسهام في زيادة حجم الاستثمارات بينهما.

ومع اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير/2011م أعلن رئيس الوزراء التركي موقفه الداعي للإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، وهذا زاد من توتر العلاقة بين البلدين، ولكن مع نجاح ثورة 25 يناير تحولت العلاقات المتوترة إلى علاقات جيدة بين الدولتين حيث شهدت مرحلة حكم المجلس العسكري زيارة تاريخية لرئيس الوزراء التركي أردوغان للقاهرة ولقاؤه بالمشير طنطاوي، وتوقيعها لعدة اتفاقيات ثنائية، ومع وصول الرئيس المعزول محمد مرسي لسدة الحكم بعد انتخابات شفافة ونزيهة تطورت العلاقات التركية المصرية بمنحى ايجابي، وشهدت تلك المرحلة تعاون استراتيجي واقتصادي وتنموي وعسكري، وتشهدت مناورات عسكرية مشتركة بين الجيشين التركي والمصري، إلا أن حراك 30 يونيو وما تبعه من خطوات لعزل الرئيس محمد مرسي عن سدة الحكم رأت به تركيا بأنه انقلاب على الديمقراطية وعلى القيم والمبادئ التي تؤمن بها تركيا، وتوترت العلاقات بينهما، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من اتخاذ الحكومة المصرية لقرارها المؤرخ  في الثالث والعشرين من نوفمبر 2013 ويقضي بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع تركيا من مستوى السفير إلى مستوى القائم بالأعمال، ونقل سفير جمهورية مصر العربية لدى تركيا نهائياً إلى ديوان عام وزارة الخارجية بالقاهرة، كما تم استدعاء السفير التركي في مصر إلى مقر وزارة الخارجية وإبلاغه باعتباره "شخصاً غير مرغوب فيه" ومطالبته بمغادرة البلاد.

  خطوات أخرى وحسابات الربح والخسارة   

تصريحات وزارة الخارجية المصري  وعلي لسان الوزير نبيل فهمي  بين  ان خطوه طرد السفير التركي هي ليست الاولي وقد تتخدد مصر قرارا بوقف الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع تركيا وتنشيط التحالفات مع الدول المجاورة لتركيا، التي من شأنها فرض مزيد من الضغط على الحكومة التركية، فضلا عن إمكانية قطع العلاقات بصورة تامة وإغلاق السفارة المصرية في أنقرة، إذا ما استمرت تركيا في دعم الإرهاب في مصر والتدخل في الشؤون الداخلية للقاهرة.

لكن المحلل السياسي حسام الدجني أرجع  قطع العلاقات بين البلدين لمحدد رئيس هو حسابات الربح والخسارة.

     حسابات الربح المصرية في قطع العلاقات الدبلوماسية بين تركيا ومصر، والتي تتمثل فيما يلي:

اولاً :  تعتبر خطوة مصر الاخيرة طرد السفير التركي، عبارة عن رسالة لكل الأطراف الاقليمية ودولية بأن مصر ماضية في خارطة المستقبل، وان أي تدخل في شؤونها سيقابل بقطع العلاقات معها، وتستند مصر في هذا الاطار على مكانتها الجيواستراتيجية ودورها المحوري في المنطقة.

ثانياً : رسالة قوة من النظام السياسي الذي يحكم مصر للرأي العام المصري وأحزابه السياسية بأن التعويل على العامل الخارجي لحسم الخلافات الداخلية لن يمر بسهولة وأن مصر تستطيع أن تتعامل بحسم مع اي خطوة في هذا الاتجاه.

ثالثاً :  تشكل الخطوة المصرية مساهمة في افشال استراتيجية السياسة الخارجية التركية التي تقوم على صفر مشاكل، وبذلك تدعم بشكل غير مباشر مواقف المعارضة التركية وتحديداً حزب الشعب التركي.   

رابعاً :  تعطل الخطوة المصرية طموحات تركيا بلعب دور اقليمي في كل الملفات العربية والاسلامية.

حسابات الخسارة المصرية من خطوة قطع العلاقات بين البلدين تتمثل فيما يلي:

اولاً : قد تدفع تركيا للعمل بكل طاقاتها لعزل النظام الحاكم في مصر، وقد تدفع تلك الخطوة إلى دعم تركيا     لسيناريو حكومة منفى مصرية بدأ الحديث عنها داخل اوساط اعلامية وسياسية.

ثانياً : قد توقف تركيا لاستثماراتها وهذا سينعكس سلباً على الاقتصاد المصري.

ثالثاً: مصر بحاجة لكل بلد عربي واسلامي وتركيا دولة هامة في المنطقة من الناحية السياسية والجيواستراتيجية والاقتصادية، وقطع العلاقات معها سيضعف مصر سياسياً واقتصادياً.

رابعاً : ستخلط الاوراق في المنطقة وقد تدفع المنطقة لتحالفات ومحاور جديدة. 

دوافع مصر وقيامها بطرد السفير

أكد الدكتور مخيمر أبو سعده  أن السبب الرئيس والدافع الرئيس لقيام مصر بطرد السفير التركي  بسبب أقصاء الرئيس محمد مرسي وتأييد تركيا للإخوان المسلمين، والتعاطف معهم علي المستوي الاعلامي والسياسي والرسمي أيضا ً، وفي العادة أن الدول تلجأ لخطوة سحب السفير أو طرد السفير لتعبير عن الاحتجاج عن سياسية  الدولة الأخرى أو الدولة المعنية  وما قامت به مصر يعبر عن رسالة احتجاج علي السياسة تركيا، كما وأوضح أبو سعده أن مصر تهدف من هذه الخطوة الضغط علي تركيا لتصحيح مسار العلاقة وتغير النهج والسياسة التركية اتجاه مصر، و الذي تعتبره مصر معادي لمصر وأحداث التغيير.

وبين المحلل الدجني أن هناك عدة دوافع أدت بالإدارة المصرية لسلوك بهذا الامر منها احتضان تركيا لمؤتمرات واجتماعات خاصة بالتنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين  ورفض تركيا اعتبار ان ما حدث يوم 30 يونيو و3 يوليو بأنهما ثوره شعب أطاح بدكتاتور، وان تركيا تعتبرهما انقلاباً على رئيس جاء بانتخابات ديمقراطية نزيهة عبرت عن ارادة الشعب المصري، وبسبب رفع أردوغان شارة رابعة التي تعبر عن الظلم والتي أصبحت كابوساً يؤرق النظام الحاكم بمصر بالإضافة  انطلاق مجموعة من الحقوقيين والمحاميين وخبراء القانون الدولي من الأرض التركية لرفع دعاوي قضائية لمحاكمة مسئولي الجيش في مصر على ارتكابهم جرائم ضد الانسانية.

  خطوة مماثلة مع دولة أخرى كقطر 

أستبعد دكتور أبو سعده قيام مصر بخطوة مماثله خطوة طرد السفير التركي مع قطر علي الرغم من عدم رضا قطر عن السياسية المصرية والادارة المصرية الحالية.

وأوضح ان قطر تعتبر من الدول الداعمة لحركة الاخوان المسلمين عالمياً وقد دعمت ثورة 25 يناير، وقد دعمت خزينة مصر في عهد الرئيس محمد مرسي بالمليارات الدولارات، لتغلب علي اللازمات الاقتصادية التي واجهة مصر آنذاك، لكن من الواضح ان بعد مجيئ  الأمير تميم  بن خليفة بعد أن تنحى الامير خليفة بن حمد أصبح هناك تحول في الموقف القطري وتغيير في السياسية القطرية من خلال التابع سياسة عدم الزج بنفسها في المشاكل الدولية والعربية  وأصبحت تسعى قطر الي أتباع سياسية خارجية هادئة مع كل دول الاقليم وأن تتبنا سياسية المهادنة والتوازن في العلاقات مع الدول العربية

من جانبه أعتقد المحلل الدجني  أن مصر ستقيم قرارها من تركيا وفي ضوء استخلاص العبر سيكون هو المحدد لخطوة مثيلة تجاه قطر، وهنا لا أميل بأن تتخذ مصر خطوة تجاه قطر نظراً لأنه من الامكان تحول الموقف القطري في حال حصل تحول ديمقراطي بمصر، وبذلك ستعمل مصر على الاستفادة من الدعم المالي والسياسي القطري لها.

قنوات ووسائل الرد التركية

أكد  كل من المحلل حسام الدجني والدكتور محمد أبو سعد ه أن قنوات ووسائل الرد التركية سوف لا تخرج عن أحد  الخيارين :

الاول : خيار التهدئة مع مصر واعادة المياه لمجاريها وان تسمح لقنوات دبلوماسية لرأب الصدع، وأن تلعب  تركيا دورا في تعزيز الحل السياسي بمصر بما يضمن استقرار مصر وأمنها.

الثاني :  خيار التصعيد مع مصر ويتم عبر الاستمرار بما هو عليه الان وزيادة الخطوات السياسية والاعلامية والقانونية والاقتصادية تجاه مصر.

التعليقات