حوار مع عقلية إرهابية

حوار مع عقلية إرهابية
عبدالجواد خفاجي

أحيانا تنطرح بعض الآراء والرؤى حول الإرهاب كمفهوم، تؤكد عدم الوعي به أوالاستسهال في استخدام المصطلح، وأحيانا تؤكد خلط المتحدث بين الأمن والسياسة، وأحيانا ـ وهذا هو الأخطر ـ تؤكد أن العقلية الإرهابية نفسها هي من تتصدى لما تزعم أنه إرهاباً.
يقول سيادة اللواء الشُّرطي :
ــ لو كانت الأنظمة التي حكمت مصر في السابق واللاحق شمولية لقطعت شأفة الإرهاب , وما وجدنا من يجرؤ علي فتح فمه , الآن لا تستطيع الحكومة أن تنظم أمورها من كثرة الثوار والمحتجين والمعارضين

فقلت له :
ـــ واضح من مضمون كلامك يا سيادة اللواء أنك تعتبر كثرة الثوار والمحتجين والمعارضين ظواهرة إرهابية يجب قتلها، لا لشيء إلا لأن النظام السياسي اعتبرها إرهابا، وهذا وحده دليل على أنك تستخدم مصطلح (إرهاب) في غير موضعه، وتعتبر الحق السياسي الإنساني الدستوري في التظاهر إرهابا وكذلك المعارضة إرهابا، والاحتجاج أرهابا .. إليس معني تساهلك في استخدام المصطلح إلى هذا الحد يؤكد تشوش رؤيتك لدلالات هذا المصطلح وأنك تصف معارضي الحكومة والنظام السياسي على أنهم إرهابيين لتحول بجرة قلم معظم الشعب المصري إلى إرهابيين يجب التخلص منه لمجرد أنهم ليسوا من خُدام النام السياسي أو من المعارضين له. وهذا الأمر هو الإرهاب نفسه الذي تمارسه الأجهزة البوليسية ضد المواطنين المحتجين والمعارضين، وهذه هي الرؤية الأرهابية التي ينظرون بها إلى الأمور .. هذا الخلط لديك ليس مستغربا من عقلية تنتمي في أساسها ـ ثقافيا ومهنياً ـ للجهاز الأمني الذي يخلط السياسة بالأمن ويحافظ على الخطاب السياسي ويحرسه ويطبقه، ويتولي تصفية المعارضين حماية للنظام السياسي بصرف النظر عن القانون والحقوق الإنسانية , ولعل عقليتك سيادة اللواء هي نفسها التي أدت إلى نشوب ثورة 25 يناير التي بدأت احتجاجا على التجاوز الشُّرطيَ لحقوق الإنسان والقانون في التعامل مع المواطنين العبيد، هي نظرة تسيُّدية استبدادية تزدري الشعب وثقافته وحقوقه وتنعته بالعبودية، وترى أن قتله واجبا وطنيا متى ما انتفض على عبوديته، أو إن لم يزعن لأسياده الشُّرطيين خدام النظام السياسي وحراسه.
دعني أؤكد لك يا سيادة اللواء أن كثرة المحتجين والمعارضين والثوار في الشارع المصري ليست دليل إرهاب، وإنما دليل مظلمة سياسية كبيرة تم على إثرها اغتصاب السلطة، وتبعتها عمليات قمعية إرهابية من الدولة أزهقت على أثرها أرواح كثيرة أدت إلى احتدام المظلمة وتحولها إلى مظلمة ثأرية اجتماعية سياسية.. كان يجب أن تلتفت إلى الأسباب السياسية الحقيقية للظاهرة، وتطرح بمواجهتها حلولا سياسية اجتماعية بدلا من الاكتفاء بنعتها بالإرهاب.

ودعني أؤكد لك أيضاً أن الإرهاب ظاهرة وهمية و تصنيع محلي تخييلي سياسي ، من صناعة الأنظمة الشمولية الدكتاتورية لاستثمارها سياسيا ، ولا يوجد في مصر إرهاب إلا في ذاكرة سياسية تستعبط الشعب ، الموجود حقيقة في مصر معالجات أمنية غشيمة لمشكلات سياسية، ومنظومة أمنية تتسيد فوق رقاب الشعب لمجرد أنها تحمي النظام المستبد الدكتاتوري، وثمة تحدٍ من قوى رأسمالية عتيدة تجمع في يدها السلطة والثروة وتمارس قمع وإرهاب الشعب بقانون الطوارئ ووأد الحريات، معروف أن هذه الدوامة ليست لصالح الشعب لأنه هو دائما ضحية الأمن وغياب القانون والحريات ، وبالجملة نعته بالإرهاب .. الغريب أن بعض المثقفين يدعمون مواقف النظام المستبد المتعالي على الشعب الممتص لدمائه والقامع لحرياته ويرددون مثله أن ثقافة الشعب ثقافة إرهابية وأن الشعب إرهابي وأن كل معارضة إرهاب .. أسهل كلمة يقولها من لا يريد أن يجهد نفسه وعقله ويدعم بها سلطة النظام الدكتاتوري هي كلمة (إرهاب) .. إسطوانة قديمة مشروخة ملتها الإذن وعافتها النفس وعافت من يستخدومنها ، وما تراه الآن يا صديقي هو اغتصاب سلطة من الطبيعي والمنطقي أن يعقبه اضطراب أمنى اجتماعي اقتصادي سياسي .. أما القول (إرهاب) فهو تمييع لجوهر القضية واستسهال لا يتناسب مع رؤية روائي بحجم حمدي بطران ، الذي يجب أن ينظر إلى ما يحدث في الشارع كنتيجة طبيعية لانتصار ثورة مضادة للدولة العسكرية البوليسية الفاشية المباركية ـ التى هي امتداد لدولة عسكرية سابقة قبلها ـ على ثورة الشعب الحقيقية.

*******************
أما سؤاله النقاشي االثاني فقد كان سفرا في التاريخ القريب وتوقفا عند مقل السادات، حيث سأل:
ـ ألا ترى أن قتل الجماعات الإرهابية للسادات كان خطأ تاريخيا وجناية في حق الوطن؟

وقد أجبته:
ـــ السادات قتل نفسه ولم يقتله أحد ، عندما مضى إلى كامب ديفيد دون أن يحقق الرضا الشعبي الكافي، وهذه هي نهاية أي حاكم ـ في التاريخ ـ يلعب بمعزل عن شعبه بل عن أمته العربية كلها ، ربما حضرتكم تتذكر حجم المعارضة لهذه الاتفاقية وقتها، وهي معارضة ضمت كل ألوان الطيف: رجال دين مسلمون ورجال دين مسيحيون، وكتاب وأدباء وشعراء وإعلاميين وحزبيين ، وإسلاميين وماركسيين ، وما كان من السادات إلا أنه اعتقل الجميع بجرة قلم، ونعتهم بالكلاب المرمية في السجون .. الحاكم الذي يفعل هذا ويتحدى الجميع ولا يراعي المعايير الديمقراطية في اتخاذ القرارات المصيرية وحتى الأمنية حاكم يقتل نفسه.. أنت كرجل أمن سابق يمكنك أن تنظر إلى الحدث الأمني/ الجريمة [القتل] ، لكن تغيب عنك السياسة.
من جهة أخرى مقتل السادات ـ حتى الآن ـ موضع غموض ـ بصرف النظر عن اليد الفاعلة / الأداة ـ فنحن لا نعرف الجهة المدبرة والمخططة التي تقف وراء الحادث ولك أن تراجع تصريحات ومذكرات عائلة السادات نفسها وخاصة طلعت السادات عندما لمح إلى ذلك فسجنه مبارك لأنه يقترب من الممنوع.

*****************

فما كان منه إلا أن سألني:
ـ ما موقفه مما يحدث في سيناء ، خاصة أن محمد مرسي أطلق بعض إيادي الإسلاميين المعتقلين ليعطيهم حرية ممارسة الإرهاب في سيناء؟

وأجبته بالأتي:
ـ عليك أن تتجاوز عن كراهيتك لمحمد مرسي الذي تحب أنت أن تحمله أوزار اتفاقية كامب ديفيد ونتائجها الكارثية على مصر والشرق الأوسط كله.. هذا إذا أردت أن تناقش بموضوعية ، وفي الموضوع أقول لك:
إن ما يحدث في سيناء هو نفس ما يحدث طوال فترة حكم مبارك نتيجة الفراغ الأمني في سيناء، وهي ما هي جغرافيا ، وما في سيناء عصابات من كل ألوان الإجرام بما فيها المخدرات وتهريب السلاح، ومن ضمنها العصابات ذات المرجعية السياسية المتطرفة، وإذا ما أردت أن تسألني عن الحلول فإني سوف أجيبك بعقلية غير أمنية، لأن العقلية الأمنية لا تعرف غير تصعيد الجريمة واستثمارها سياسيا وهذا ما يحدث وسوف يحدث ليتغني الملحنون الإعلاميون وكارهي الأيديولوجيا الإسلامية بالموضوع على غير الحقيقة، أما الحلول:
أولا: مراجعة اتفاقية كامب ديفيد وبسط الأمن والقانون على سيناء، وعندما أقول القانون لا أقصد تجاوز القانون على يد أجهزة الأمن كما يحدث الآن في سيناء لأن هذا يخلف نتائج أمنية كارثية ولا يحل المشكلة.
ثانيا: تنمية سيناء ثقافيا واقتصاديا ، وتنشيط المجتمع السيناوي باتجاه تعزيز الانتماء بإعطائه مساحة أكبر من ذاكرة الوطن ومناصبه وإعلامه وميزانيته، وليس بنفيه وتجاهله ودكه بالطيران وتخريب حياة مواطنيه.
لا يرضيني ما يحدث في سيناء وألتفت إلى إرهاب المواطنين الأبرياء هناك من قبل أجهزة ومؤسسات تريد أن تصعد الشقاق مع الإسلاميين ابتداء بتصنيع ظواهر إرهابية في سيناء واستغلالها سياسيا، ويكفينا حتى الآن أن لا دليل لدينا على الفاعلين من أي نوع أو فصيل: ولدى كثير من الخيارات لا تستثني أجهزة المخابرات المصرية والإسرائيلية. وكنت أتمنى أن تكون لديك رؤية موسعة لما يحدث في سيناء بعيدا عن قولك: محمد مرسي.. إن أمن إسرائيل يستوجب تصعيد هذا الخلاف الأمني في سيناء ، وأقامة شقاق حاد بين مصر وحماس والإسلاميين والجيش، والمصريين وبعضهم (أهالي سيناء وأجهزة الأمن مثلا) ، قبل بسط إسرائيل تواجدها على أرض سيناء بموافقات دولية تجد مصر بضعفها وشقاقها مجبرة عليه مع غياب شعبها عن صناعة القرار، وقد تلهي الشعب بالرقص في الميادين للبطل القومي الملهم الجديد، أو الموت في الميادين من أجل الرئيس المعزول.. وهو مخطط صهيوني أمريكي غير خافٍ ومعلن ومعروف للجميع.