الدولة الفلسطينية وأوهام الأمة اليهودية
إميل أمين
هل بات إعلان الدولة الفلسطينية أمرا صعب المنال لا سيما في ظل التعقيدات التي تشهدها المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في الآونة الأخيرة؟ المؤكد أن العنت الإسرائيلي يحول دون قيام تلك الدولة، لكن في الوقت نفسه يقترب المجتمع الدولي من الاعتراف الرسمي شبه الكامل بتلك الدولة، وليس أدل على ذلك من الاحتفاء بالتصويت الأول لفلسطين في الأمم المتحدة الذي جرى الأسبوع الماضي. نحن إذن أمام مشهد ثنائي التوجه بين أوهام إسرائيلية في الداخل بلغت برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حد دعوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإلقاء كلمة في الكنيست يقر فيها بيهودية الدولة الإسرائيلية، وبين مشهد دولي ربما بلور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري جانبا منه عندما أشار إلى أن بلاده ربما ستتدخل بقوة إذا بقي حال المفاوضات متعثرا من جراء التسويف والمراوغة الإسرائيلية.
ماذا عن آخر تطورات المشهد بحسب مسار المفاوضات وجولتها الأخيرة؟
في يوليو الماضي تم استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعد طول توقف، ولم تكن هناك في الأفق بشائر أو دلائل تقود إلى مولد تحرك حقيقي على الصعيد المتعثر، وقد عبر مسؤولون إسرائيليون وفلسطينيون عن هذا التوجه بشكل رسمي في تصريحات استبقت وصول جون كيري إلى المنطقة، الأمر الذي دعا وزير الخارجية الأمريكي نفسه إلى الإشارة للصعوبات التي تواجهها محادثات السلام، وإن كان يرى أنه ما زالت هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق.. ما هي العقبة الرئيسية التي تهدد المحادثات؟
قطعا هي الاستيطان، ذلك الوحش الذي يقتطع كل يوم من مساحة الدولة الفلسطينية، والذي لا تلجمه أو تحكمه القيادة الإسرائيلية بل تشجعه سرا وعلانية، وقد كانت قضية الاستيطان المفجر الرئيسي لأول جلسة جرت الأسبوع الماضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بوجود الطرف الأمريكي، وقد عبر عن ذلك مسؤول فلسطيني كبير بالقول: المفاوضات تمر منذ فترة بأزمة عميقة لكن التوتر في جلسة الليلة أشتد بشكل كبير أدى لانفجارها لأن الوفد الإسرائيلي مصر على استمرار الاستيطان.
والشاهد أن الإسرائيليين كعادتهم في تزييف المشاهد والحقائق، كانوا قد سربوا لعدد من وسائل الإعلام أنباء عن وجود صفقة مع الجانب الفلسطيني يتم بموجبها الموافقة على الاستيطان واستمراره في مقابل الإفراج عن الدفعة الأخيرة من الأسرى الفلسطينيين، وهو ما أنكره الفلسطينيون شكلا وموضوعا.. هل يمكن لهذه الأرضية الخلافية أن تقود إلى إعلان دولة فلسطينية مستقلة على التراب الفلسطيني؟
بداية نشير إلى البون الشاسع بين مطالب الجهتين، فالفلسطينيون يطالبون بأن تعقد المفاوضات على أساس حدود ما قبل الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة في يونيو 1967، مع تبادل أراض متماثلة.
أما الإسرائيليون فاقترحوا كقاعدة للمفاوضات خط الجدار الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية وليس حدود 1967 كما يطالب الفلسطينيون بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
يتساءل المراقب للمشهد هل من فائدة ما للمحادثات بين الجانبين أم أن الأمر في حقيقته مضيعة للوقت ليس أكثر؟
ربما يكون الجواب ضمنا في الكلمات التي أطلقها بنيامين نتانياهو أمام الكنيست الإسرائيلي بحضور الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عندما قال قاصدا بكلامه الرئيس الفلسطيني أبو مازن: «أدعوه من هنا لكسر الجمود. تعال اصعد على هذه المنصة واعترف بالحقيقة التاريخية أن لدى اليهود رابطا ما عمره نحو أربعة آلاف عام مع أرض إسرائيل… ماذا يعني ذلك؟
باختصار غير مخل يعني عدم إيمان نتانياهو وقادة إسرائيل بأن هناك حضورا فلسطينيا تاريخيا في الأراضي الفلسطينية، وعليه فإن فكرة إقامة الدولة أمر بعيد المنال بالنسبة للفلسطينيين، وفي هذا السياق يضحى من الطبيعي أن يستقيل المفاوضون الفلسطينيون في المحادثات الأخيرة احتجاجا على عدم تحقيق تقدم في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، لا سيما وأنه منذ بداية المحادثات التي استؤنفت بعد توقف استمر ثلاث سنوات أعلنت إسرائيل خططا لبناء ألوف المساكن للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.
هل كانت هذه الصورة واضحة أمام الجانب الأمريكي وبخاصة في أعين وزير الخارجية «جون كيري» ؟
الثابت أن كيري قد حذر إسرائيل من خطر اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة في حال عدم تحقيق السلام، ودعا إلى حل مسألة المستوطنات وإنهاء الوجود الدائم للجنود الإسرائيليين في الضفة الغربية، وإلا فإن الفلسطينيين قد يعودون إلى العنف وتساءل كيري. هل تريد إسرائيل انتفاضة ثالثة؟
والجدير بالذكر أن كيري اعتبر الاستيطان غير شرعي داعيا إلى وقف أعمال البناء الجديدة، وكرر القول أن الاستيطان غير شرعي وبسببه ستجد إسرائيل نفسها معزولة عن المجموعة الدولية إذا لم تتمكن من صنع السلام… هل سيتوقف المشهد الأمريكي عند توصيف الحال أم سينتقل إلى لعب دور أكبر وأهم في الاستقبال على صعيد العقدة السيزيفية بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
صباح الثامن عشر من الشهر الجاري نقلت صحيفة.. هارتس الإسرائيلية عن موظف إسرائيلي وصفته بالكبير، أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال اجتماعهما في لندن قبل عشرة أيام، بتدخل أمريكي فاعل بالمفاوضات إذا بقيت حالة المراوحة على حالها ولم يحدث تقدم إلى حين كشف الدكتور محمد مصطفى نائب رئيس الوزراء عن أن الجانب الأمريكي سلم خطة تطوير الاقتصاد الفلسطيني مكتوبة للقيادة. وأكد الموظف الإسرائيلي بذلك، ما قاله وزير الخارجية رياض المالكي بأن كيري نقل للرئيس الفلسطيني رسائل تهدئة وطمأنة تتعلق بمستقبل المفاوضات.
يطرح حديث هارتس علامة استفهام عن حدود الدور الأمريكي حتى الساعة في تلك المفاوضات، فقد وصف مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى رفض الإفصاح عن هويته التدخل الأمريكي بالمفاوضات في الوقت الراهن بأنه تدخل الحد الأدنى وهو تدخل مقبول ويتضمن تلقي تقارير من طرفي المفاوضات قبل وبعد كل جولة مفاوضات فيما يشعر الموفد الأمريكي، مارتين أنديك بالإحباط لعدم مشاركته حتى الآن سوى بجلسة مفاوضات واحدة لا غير.
المسؤول الإسرائيلي عينه يضيف أن الإدارة الأمريكية التي تعلم تماما أن المفاوضات لا تحقق تقدما تسعى وتبحث خطوات قد تحقق اختراقا معينا حيث يدرس جون كيري ومستشاروه فكرة طرح أفكار أو اقتراحات معينة لجسر الهوة بين المواقف والتوفيق بينها وذلك على ضوء المأزق والطريق المسدود الذي وصلته المفاوضات.
على أن السؤال الحقيقي بأن يطرح وبعيدا عما يقصده كيري بالضغوطات الأمريكية أو تدخلها بقوة في مسار المفاوضات، وربما أيضا بعيدا عن القدرات الحقيقية لأمريكا المهترئة داخليا اليوم في التدخل، هو كيف نظرت إسرائيل لأحاديث جون كيري وهل عكست الكتابات الإسرائيلية التي واكبت الجولة الأخيرة رغبة حقيقية في التوصل إلى حل سلمي مع الفلسطينيين برعاية ومباركة أمريكية كما جرى الحال في معاهدة كامب ديفيد مع المصريين أم أن المشهد هذه المرة مختلف؟
الثابت أن انتظارنا للجواب لم يطل أمده، فقد عقب وزير الدفاع الإسرائيلي «موشيه يعلون» على تصريحات كيري بالقول.. لا حاجة للخوف من التهديدات الأمريكية، انتفاضة ثالثة أم لا انتفاضة ثالثة». وعلى حد قوله: «نحن ندير نزاعا مفتوحا ومستمرا من ناحية الفلسطينيين لا ينتهي في خطوط 67 ، هناك الشيخ مؤنس في تل أبيب والمجدل عسقلان. خرجنا من غزة وهم يواصلون مهاجمتنا. وهم يربون الجيل الشاب على أن حيفا وعكا هما ميناءان فلسطينيان وغير ذلك. لا يوجد هنا أي مؤشر على حل وسط ولهذا فنحن على ما يبدو لا نسير نحو حل على أساس ما اعتقدنا. هذا لا يعني أننا نريد أن نحكمهم، فلديهم استقلال سياسي وحسن إن هكذا. سندير ذلك بتعقل ولا حاجة إلى الخوف من تهديدات نعم انتفاضة ثالثة أو لا انتفاضة ثالثة».
أما نائب وزير الدفاع «داني دانون» فقد أشار من جهته إلى أنه لا يذكر متى حررت الولايات المتحدة إرهابيين، ويضيف :هي تطلب التحريض ويشجعون الجيل القادم من المخربين».
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اعتبرت بعض الأصوات الإسرائيلية وزير خارجية أمريكا «كيري» بأنه وسيط غير نزيه، فقد انتقد وزراء إسرائيليون آخرون سلوك كيري في المفاوضات، وقالوا إن الأجواء خلف الكواليس تظهر أن كيري لا يمكنه سوى أن يكون وسيطا نزيها بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
يتحدث وزير إسرائيلي كبير إلى الإعلام الإسرائيلي في نهاية جولة المحادثات بالقول: «هذه مواجهة جبهوية مع كيري، وليس مع أوباما، ويضيف: أن المفاوضات السياسية هي الطفل المدلل لوزير الخارجية، أفكاره ببساطة لا ترتبط بالواقع. وهو يعظنا ويهددنا بالانتفاضة الثالثة، العزلة الدولية، ومنح الشرعية للتوجه الفلسطيني أحادي الجانب إلى المنظمات المرتبطة بالأمم المتحدة. هذا الرجل يعطي شرعية للسلوك الفلسطيني الشاذ عن إطار الاتفاقات وهو ليس وسيطا نزيها».. هل من نتيجة لرؤية إسرائيل لجون كيري وكمحاولاته للتدخل الأمريكي هذه المرة بحزم وحسم في سياق إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟.
«كيري المنفصل عن الواقع غير مرغوب فيه»، هذه هي الخلاصة وعندهم إنه إذا كان كيري باع إسرائيل في لحظة الامتحان فكيف يمكن الاعتماد عليه في المستقبل؟ وعنه أيضا يقولون متسائلين.. هل يمكن أن يكون هذا الإنسان وسيطا أمينا بين إسرائيل والفلسطينيين؟
يجاوب أحدهم: «قد تكون حكومة إسرائيل أسيرة للولايات المتحدة وملزمة بأن تتابع التفاوض الذي أصبح في هذه الأثناء رسما كاريكاتيريا في حد ذاته. لكن الجمهور الإسرائيلي ما زال حرا متيقظا ونحن ندرك جيدا ما هو الصالح لنا وما هو الخطير»،، هل ينم هذا التفكير عن رغبة أو سعي في طريق حل الدولة الفلسطينية؟ بالقطع لا، فبمجرد أن أبدى وزير خارجية أمريكا شعورا مغايرا للاحتلال الإسرائيلي وجهت السهام للرجل حتى وإن كان ما لديه كلام مجرد عن التنفيذ الفعلي بحال من الأحوال.
ولعل المقطوع به أنه في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل تعقيد وسد المسارات للوصول للدولة الفلسطينية نجد إشارات مغايرة من المجتمع الدولي فقد حمل الأسبوع الماضي لمحة ومسحة هي الأولى من نوعها في طريق تلك الدولة، عندما أدلت دولة فلسطين لأول مرة في تاريخها بصوتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد حصولها على صفة .. دولة غير عضو، في الأمم المتحدة.
والثابت أن هذا التصويت قد حمل رمزية كبيرة بالنسبة للقضية الفلسطينية، رغم التأثير المادي المحدود لهذا الفعل جراء معارضة الولايات المتحدة إعطاء فلسطين العضوية الكاملة في المنظمة الدولية. ولعله من المفارقات أن يكون التصويت الأول يخص اختيار قاض في محكمة الجنايات الدولية التي تقوم بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في يوغوسلافيا السابقة، ومن هذه الزاوية حمل التصويت رؤية مشتركة لجهة واقعة التصويت بحد ذاتها، كونها خطوة رمزية هامة لعودة فلسطين إلى الخريطة الجغرافية السياسية بأغلبية دولية، ولجهة أن التصويت الأول شاءت الصدف أن يكون متعلقا بالمحكمة الجنائية الدولية التي يأمل الفلسطينيون أن تدرج على جدول أعمالها مستقبلا جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
يتعنت نتانياهو ويراوغ لمنع قيام الدولة الفلسطينية، لكن ما يجري في الأمم المتحدة يعد حقا لحظة خاصة جدا في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة، وهي خطوة رمزية نعم لكنها مهمة لأنها تعكس أن المجتمع الدولي وخاصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة ويتقبل فكرة الكيان والدولة الفلسطينية حتى تصبح دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
غير أن علامة الاستفهام قبل الانصراف: هل الأجواء العربية حاضرة وجاهزة ومؤهلة لدفع فلسطين والفلسطينيين على مسار الدولة المستقلة قبل أن نتحدث عن قبول أو رفض إسرائيل للفكرة، أم أن العالم العربي يعاني من حالة تفكك غير مسبوقة وتشرذم غير معتادة، وفي حاجة لمن يمد له يد العون قبل أن يفكر في طرح الدولة الفلسطينية المستقلة؟
هل بات إعلان الدولة الفلسطينية أمرا صعب المنال لا سيما في ظل التعقيدات التي تشهدها المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في الآونة الأخيرة؟ المؤكد أن العنت الإسرائيلي يحول دون قيام تلك الدولة، لكن في الوقت نفسه يقترب المجتمع الدولي من الاعتراف الرسمي شبه الكامل بتلك الدولة، وليس أدل على ذلك من الاحتفاء بالتصويت الأول لفلسطين في الأمم المتحدة الذي جرى الأسبوع الماضي. نحن إذن أمام مشهد ثنائي التوجه بين أوهام إسرائيلية في الداخل بلغت برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حد دعوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإلقاء كلمة في الكنيست يقر فيها بيهودية الدولة الإسرائيلية، وبين مشهد دولي ربما بلور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري جانبا منه عندما أشار إلى أن بلاده ربما ستتدخل بقوة إذا بقي حال المفاوضات متعثرا من جراء التسويف والمراوغة الإسرائيلية.
ماذا عن آخر تطورات المشهد بحسب مسار المفاوضات وجولتها الأخيرة؟
في يوليو الماضي تم استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بعد طول توقف، ولم تكن هناك في الأفق بشائر أو دلائل تقود إلى مولد تحرك حقيقي على الصعيد المتعثر، وقد عبر مسؤولون إسرائيليون وفلسطينيون عن هذا التوجه بشكل رسمي في تصريحات استبقت وصول جون كيري إلى المنطقة، الأمر الذي دعا وزير الخارجية الأمريكي نفسه إلى الإشارة للصعوبات التي تواجهها محادثات السلام، وإن كان يرى أنه ما زالت هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق.. ما هي العقبة الرئيسية التي تهدد المحادثات؟
قطعا هي الاستيطان، ذلك الوحش الذي يقتطع كل يوم من مساحة الدولة الفلسطينية، والذي لا تلجمه أو تحكمه القيادة الإسرائيلية بل تشجعه سرا وعلانية، وقد كانت قضية الاستيطان المفجر الرئيسي لأول جلسة جرت الأسبوع الماضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بوجود الطرف الأمريكي، وقد عبر عن ذلك مسؤول فلسطيني كبير بالقول: المفاوضات تمر منذ فترة بأزمة عميقة لكن التوتر في جلسة الليلة أشتد بشكل كبير أدى لانفجارها لأن الوفد الإسرائيلي مصر على استمرار الاستيطان.
والشاهد أن الإسرائيليين كعادتهم في تزييف المشاهد والحقائق، كانوا قد سربوا لعدد من وسائل الإعلام أنباء عن وجود صفقة مع الجانب الفلسطيني يتم بموجبها الموافقة على الاستيطان واستمراره في مقابل الإفراج عن الدفعة الأخيرة من الأسرى الفلسطينيين، وهو ما أنكره الفلسطينيون شكلا وموضوعا.. هل يمكن لهذه الأرضية الخلافية أن تقود إلى إعلان دولة فلسطينية مستقلة على التراب الفلسطيني؟
بداية نشير إلى البون الشاسع بين مطالب الجهتين، فالفلسطينيون يطالبون بأن تعقد المفاوضات على أساس حدود ما قبل الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة في يونيو 1967، مع تبادل أراض متماثلة.
أما الإسرائيليون فاقترحوا كقاعدة للمفاوضات خط الجدار الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية وليس حدود 1967 كما يطالب الفلسطينيون بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
يتساءل المراقب للمشهد هل من فائدة ما للمحادثات بين الجانبين أم أن الأمر في حقيقته مضيعة للوقت ليس أكثر؟
ربما يكون الجواب ضمنا في الكلمات التي أطلقها بنيامين نتانياهو أمام الكنيست الإسرائيلي بحضور الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عندما قال قاصدا بكلامه الرئيس الفلسطيني أبو مازن: «أدعوه من هنا لكسر الجمود. تعال اصعد على هذه المنصة واعترف بالحقيقة التاريخية أن لدى اليهود رابطا ما عمره نحو أربعة آلاف عام مع أرض إسرائيل… ماذا يعني ذلك؟
باختصار غير مخل يعني عدم إيمان نتانياهو وقادة إسرائيل بأن هناك حضورا فلسطينيا تاريخيا في الأراضي الفلسطينية، وعليه فإن فكرة إقامة الدولة أمر بعيد المنال بالنسبة للفلسطينيين، وفي هذا السياق يضحى من الطبيعي أن يستقيل المفاوضون الفلسطينيون في المحادثات الأخيرة احتجاجا على عدم تحقيق تقدم في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، لا سيما وأنه منذ بداية المحادثات التي استؤنفت بعد توقف استمر ثلاث سنوات أعلنت إسرائيل خططا لبناء ألوف المساكن للمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.
هل كانت هذه الصورة واضحة أمام الجانب الأمريكي وبخاصة في أعين وزير الخارجية «جون كيري» ؟
الثابت أن كيري قد حذر إسرائيل من خطر اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة في حال عدم تحقيق السلام، ودعا إلى حل مسألة المستوطنات وإنهاء الوجود الدائم للجنود الإسرائيليين في الضفة الغربية، وإلا فإن الفلسطينيين قد يعودون إلى العنف وتساءل كيري. هل تريد إسرائيل انتفاضة ثالثة؟
والجدير بالذكر أن كيري اعتبر الاستيطان غير شرعي داعيا إلى وقف أعمال البناء الجديدة، وكرر القول أن الاستيطان غير شرعي وبسببه ستجد إسرائيل نفسها معزولة عن المجموعة الدولية إذا لم تتمكن من صنع السلام… هل سيتوقف المشهد الأمريكي عند توصيف الحال أم سينتقل إلى لعب دور أكبر وأهم في الاستقبال على صعيد العقدة السيزيفية بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
صباح الثامن عشر من الشهر الجاري نقلت صحيفة.. هارتس الإسرائيلية عن موظف إسرائيلي وصفته بالكبير، أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال اجتماعهما في لندن قبل عشرة أيام، بتدخل أمريكي فاعل بالمفاوضات إذا بقيت حالة المراوحة على حالها ولم يحدث تقدم إلى حين كشف الدكتور محمد مصطفى نائب رئيس الوزراء عن أن الجانب الأمريكي سلم خطة تطوير الاقتصاد الفلسطيني مكتوبة للقيادة. وأكد الموظف الإسرائيلي بذلك، ما قاله وزير الخارجية رياض المالكي بأن كيري نقل للرئيس الفلسطيني رسائل تهدئة وطمأنة تتعلق بمستقبل المفاوضات.
يطرح حديث هارتس علامة استفهام عن حدود الدور الأمريكي حتى الساعة في تلك المفاوضات، فقد وصف مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى رفض الإفصاح عن هويته التدخل الأمريكي بالمفاوضات في الوقت الراهن بأنه تدخل الحد الأدنى وهو تدخل مقبول ويتضمن تلقي تقارير من طرفي المفاوضات قبل وبعد كل جولة مفاوضات فيما يشعر الموفد الأمريكي، مارتين أنديك بالإحباط لعدم مشاركته حتى الآن سوى بجلسة مفاوضات واحدة لا غير.
المسؤول الإسرائيلي عينه يضيف أن الإدارة الأمريكية التي تعلم تماما أن المفاوضات لا تحقق تقدما تسعى وتبحث خطوات قد تحقق اختراقا معينا حيث يدرس جون كيري ومستشاروه فكرة طرح أفكار أو اقتراحات معينة لجسر الهوة بين المواقف والتوفيق بينها وذلك على ضوء المأزق والطريق المسدود الذي وصلته المفاوضات.
على أن السؤال الحقيقي بأن يطرح وبعيدا عما يقصده كيري بالضغوطات الأمريكية أو تدخلها بقوة في مسار المفاوضات، وربما أيضا بعيدا عن القدرات الحقيقية لأمريكا المهترئة داخليا اليوم في التدخل، هو كيف نظرت إسرائيل لأحاديث جون كيري وهل عكست الكتابات الإسرائيلية التي واكبت الجولة الأخيرة رغبة حقيقية في التوصل إلى حل سلمي مع الفلسطينيين برعاية ومباركة أمريكية كما جرى الحال في معاهدة كامب ديفيد مع المصريين أم أن المشهد هذه المرة مختلف؟
الثابت أن انتظارنا للجواب لم يطل أمده، فقد عقب وزير الدفاع الإسرائيلي «موشيه يعلون» على تصريحات كيري بالقول.. لا حاجة للخوف من التهديدات الأمريكية، انتفاضة ثالثة أم لا انتفاضة ثالثة». وعلى حد قوله: «نحن ندير نزاعا مفتوحا ومستمرا من ناحية الفلسطينيين لا ينتهي في خطوط 67 ، هناك الشيخ مؤنس في تل أبيب والمجدل عسقلان. خرجنا من غزة وهم يواصلون مهاجمتنا. وهم يربون الجيل الشاب على أن حيفا وعكا هما ميناءان فلسطينيان وغير ذلك. لا يوجد هنا أي مؤشر على حل وسط ولهذا فنحن على ما يبدو لا نسير نحو حل على أساس ما اعتقدنا. هذا لا يعني أننا نريد أن نحكمهم، فلديهم استقلال سياسي وحسن إن هكذا. سندير ذلك بتعقل ولا حاجة إلى الخوف من تهديدات نعم انتفاضة ثالثة أو لا انتفاضة ثالثة».
أما نائب وزير الدفاع «داني دانون» فقد أشار من جهته إلى أنه لا يذكر متى حررت الولايات المتحدة إرهابيين، ويضيف :هي تطلب التحريض ويشجعون الجيل القادم من المخربين».
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اعتبرت بعض الأصوات الإسرائيلية وزير خارجية أمريكا «كيري» بأنه وسيط غير نزيه، فقد انتقد وزراء إسرائيليون آخرون سلوك كيري في المفاوضات، وقالوا إن الأجواء خلف الكواليس تظهر أن كيري لا يمكنه سوى أن يكون وسيطا نزيها بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
يتحدث وزير إسرائيلي كبير إلى الإعلام الإسرائيلي في نهاية جولة المحادثات بالقول: «هذه مواجهة جبهوية مع كيري، وليس مع أوباما، ويضيف: أن المفاوضات السياسية هي الطفل المدلل لوزير الخارجية، أفكاره ببساطة لا ترتبط بالواقع. وهو يعظنا ويهددنا بالانتفاضة الثالثة، العزلة الدولية، ومنح الشرعية للتوجه الفلسطيني أحادي الجانب إلى المنظمات المرتبطة بالأمم المتحدة. هذا الرجل يعطي شرعية للسلوك الفلسطيني الشاذ عن إطار الاتفاقات وهو ليس وسيطا نزيها».. هل من نتيجة لرؤية إسرائيل لجون كيري وكمحاولاته للتدخل الأمريكي هذه المرة بحزم وحسم في سياق إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟.
«كيري المنفصل عن الواقع غير مرغوب فيه»، هذه هي الخلاصة وعندهم إنه إذا كان كيري باع إسرائيل في لحظة الامتحان فكيف يمكن الاعتماد عليه في المستقبل؟ وعنه أيضا يقولون متسائلين.. هل يمكن أن يكون هذا الإنسان وسيطا أمينا بين إسرائيل والفلسطينيين؟
يجاوب أحدهم: «قد تكون حكومة إسرائيل أسيرة للولايات المتحدة وملزمة بأن تتابع التفاوض الذي أصبح في هذه الأثناء رسما كاريكاتيريا في حد ذاته. لكن الجمهور الإسرائيلي ما زال حرا متيقظا ونحن ندرك جيدا ما هو الصالح لنا وما هو الخطير»،، هل ينم هذا التفكير عن رغبة أو سعي في طريق حل الدولة الفلسطينية؟ بالقطع لا، فبمجرد أن أبدى وزير خارجية أمريكا شعورا مغايرا للاحتلال الإسرائيلي وجهت السهام للرجل حتى وإن كان ما لديه كلام مجرد عن التنفيذ الفعلي بحال من الأحوال.
ولعل المقطوع به أنه في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل تعقيد وسد المسارات للوصول للدولة الفلسطينية نجد إشارات مغايرة من المجتمع الدولي فقد حمل الأسبوع الماضي لمحة ومسحة هي الأولى من نوعها في طريق تلك الدولة، عندما أدلت دولة فلسطين لأول مرة في تاريخها بصوتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد حصولها على صفة .. دولة غير عضو، في الأمم المتحدة.
والثابت أن هذا التصويت قد حمل رمزية كبيرة بالنسبة للقضية الفلسطينية، رغم التأثير المادي المحدود لهذا الفعل جراء معارضة الولايات المتحدة إعطاء فلسطين العضوية الكاملة في المنظمة الدولية. ولعله من المفارقات أن يكون التصويت الأول يخص اختيار قاض في محكمة الجنايات الدولية التي تقوم بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في يوغوسلافيا السابقة، ومن هذه الزاوية حمل التصويت رؤية مشتركة لجهة واقعة التصويت بحد ذاتها، كونها خطوة رمزية هامة لعودة فلسطين إلى الخريطة الجغرافية السياسية بأغلبية دولية، ولجهة أن التصويت الأول شاءت الصدف أن يكون متعلقا بالمحكمة الجنائية الدولية التي يأمل الفلسطينيون أن تدرج على جدول أعمالها مستقبلا جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
يتعنت نتانياهو ويراوغ لمنع قيام الدولة الفلسطينية، لكن ما يجري في الأمم المتحدة يعد حقا لحظة خاصة جدا في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة، وهي خطوة رمزية نعم لكنها مهمة لأنها تعكس أن المجتمع الدولي وخاصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة ويتقبل فكرة الكيان والدولة الفلسطينية حتى تصبح دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
غير أن علامة الاستفهام قبل الانصراف: هل الأجواء العربية حاضرة وجاهزة ومؤهلة لدفع فلسطين والفلسطينيين على مسار الدولة المستقلة قبل أن نتحدث عن قبول أو رفض إسرائيل للفكرة، أم أن العالم العربي يعاني من حالة تفكك غير مسبوقة وتشرذم غير معتادة، وفي حاجة لمن يمد له يد العون قبل أن يفكر في طرح الدولة الفلسطينية المستقلة؟
