مؤيد حجة: منذ دخلت المعتقل اقضت الحرية مضجعي

مؤيد حجة:  منذ دخلت المعتقل اقضت الحرية مضجعي
رام الله -خاص دنيا الوطن كايد معاري

كان يجلس القرفصاء، وقع " الكلاشينكوف" الى جانبه، وفوهته بقيت تجاه العدو، ناديته مرة أولى، وثانية، وثالثة، لم يرد النداء فأدركت أن مدحت عمرو من دورا الخليل، التحق بيوسف من قرية القبية بالقرب من رام الله الذي تشنجت عضلاته عقب العوم 8  ساعات متواصلة في صراع مع امواج البحر الأحمر، فكان مصيره الغرق كمصير أبو أحمد اليمني الذي ابتلعه البحر في عملية دلال المغربي قبل 14 عاما من العملية الفدائية التي نفذها الأسير المحرر مؤيد حجة في العام 1992.

حجة نجت روحه من الموت المحقق في رحلة عابرة للقارات بدأت من اليمن حيث التقى برفاقه وتدربوا معا ل 7 شهور متتالية ضمن القطاع الغربي فيروي قائلا:  انتقلنا من اليمن الى روما، ثم تونس ، الى ليبيا الجماهير، فالسودان حتى مصر، وانتهاء بالعقبة أو " إيلات" عابرين بمعداتنا البحر الأحمر سباحة، في عملية فدائية تناصر الشعب الفلسطيني المنتفض في الداخل الفلسطيني.

ويمضي مؤيد حجة 47 عاما من قرية برقة الى الشمال من مدينة نابلس  بالقول: فقدنا يوسف وهو قائد المجموعة في البحر، حين تشنجح جسمه ولم يعد يقوى على السباحة، استشرناه هل نعود؟! ، فقال اذهبوا الى مبتغاكم وأتركوني سأتدبر الأمر، مضينا وقد امتلأت البطون بالمياه المالحة، وتسرب الماء الى " البراميل" البلاستيكية التي كنا نحتفظ فيها بالمعدات، حتى ما إن وصلنا شاطئ " ايلات"، اخذنا قسط من الراحة لم يتجاوز ال 30 دقيقة، وذهبنا في طريقنا فوجدنا امامنا مركزا للبحوث، فاعترضنا حارس هناك اطلق عليه الشهيد مدحت الرصاص فأرداه قتيلا.

ينقطع حجة عن الحديث ليتجرع نفسا عميقا من سيجارته، كأنه يسترجع لحظة تجمع شرطة الاحتلال والاشتباك الذي استمر اكثر من ساعة، اجبرت الاحتلال على استدعاء قواته الخاصة الذين اطلقوا قذيفة قتلت مدحت واصابتني اصابة بليغة، لا يمكن بعدها المضي قدما في المعركة خاصة بعد ان خذلتني قذيفة كانت معدة وموجهة على العدو فلم تنطلق، على ما يبدو ان تسرب المياه اعطبها".

مرة أخرى تخذل الطبيعة المجموعة الفدائية، ولم تسعف المياه يوسف ليبق على قيد الحياة، واوقفت صاعق القذيقة عن العمل، فوقع حجة اسيرا، توقعت والدته حسب قوله أن يُحكم 11 عاما، فقبع بالمعتقل عقدين كاملين، فقد خلالهما والدته بعدما كان قد فقد والده وهو في بداية شبابه.

يقول حجة : " إن الثائر انسان، و أول ما فكرت فيه منذ دخولي المعتقل هو الحرية، ومتى سأعتنقها من جديد، كان الأمل ان تكون في وقت قريب الا انها قد طالت، صعقت بنبأ وفاة والدتي لكننا نؤمن بقضاء الله وقدره" .

سألت مقاطعا: هل عاش مؤيد قصة حب قبل الاعتقال؟.

 بكل تأكيد، لكنها لم تتطور وبقيت عن بعد ودون اتصال.

ماذا لو عاد بك الزمن هل تختار السبيل ذاته؟.

نعم، واتجاوز الاخطاء ليكون عملي اكثر دقة ونجاعة.

استأذننا العامل في المقهى لنشرب شيئا ما، فليس من المعقول ان نحجز الطاولة دون ان " نُسببه" ببعض المال، اخذ طلباتنا وانصرف، وتابعنا الحوار الذي اخذ يتعمق رويدا رويدا في الحياة السياسية والثورة الفلسطينية وما وصلت له، خاصة بعد اتفاق اوسلو.

ويعبر حجة عن رأيه بإتزان: " في القطاع الغربي لم نكن فقط مشاريع شهادة وعمل فدائي، بل كنا نملك وعيا تاما بأن العمل السياسي هو مكمل للعمل العسكري، وادركنا منذ اللحظة الاولى ان اتفاق اوسلو هو نتيجة طبيعية في اطار تطور العملية السياسية والنضالية". لكنه استدرك قائلا:" نظرنا بسلبية إلى التصنيفات التي وضعتها اسرائيل على الاسرى كمصطلح " الاسرى الملطخة ايديهم بالدماء" كوسيلة لتأخير الافراج عن الاسرى.

الأسير المحرر مؤيد حجة قرأ لإدوارد سعيد ولمحمود درويش وكتب عددا من الدواوين الشعرية والكتابات الفكرية، يحاول تجميع ما تبقى منها لديه، وانهى حواره معنا وهو يردد المقطع الاخير من قصيدة القدس للشاعر درويش:

 يداي مثل حمامتين

على الصليب تحلقان وتحملان الأرض

لا أمشي، أطير، أصير غيري في 

التجلي. لا مكان ولا زمان . فمن أنا؟

أنا لا أنا في حضرة المعراج. لكني

أفكر: وحده النبي محمد

يتكلم العربية الفصحى. "وماذا بعد؟"

وماذا بعد؟ صاحت فجأة جندية:

هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟

قلت: قتلتني... ونسيت، مثلك، أن أموت

  

التعليقات