موتوا لتخلدوا
بقلم / توفيق أبو شومر
إليكم هذه اللقطة يتحدث فيها كاتبها عن الرسائل البريدية الورقية:
"إني أرى الرسائل المكتوبة قد طال عليها الزمنُ، حتى أدركها البِلى، إنها الرسائل على اختلاف الحقب والعصور، منذ ضربت بها الإبلُ أرجاءَ الفيافي، إلى أن حملتها الباخرة والطائرةُ، من أقصى مكانٍ إلى أقصى مكان، إن الرسالةَ هي هي لا تتغير،ما أشوقني إلى اختراعٍ آخر يَحُلُّ محلَّ هذه الرسائل العتيقة! لمَ لا تكونُ للإنسان مِسَرَّةٌ لاسلكية، أو نحوها، ليقومَ التخاطبُ مقامَ التكاتُبِ، فتُغني الأصواتُ عن الأسطار، ويُغني اللسانُ عن القلم ، ويُغني الأثيرٌ عن ورقٍ ومِداد؟!!"
هل تصدقون أن كاتب هذه ( الأمنية) أو النبوءةِ هو الأديبُ المصري الكبير محمود تيمور المولود 1894، في كتابه ( أبو الهول يطير)، والغريب في ذلك، أنه تنبأ بالمِسَرَّةِ اللاسلكية أي [الجوال) عندما سافر لأمريكا بتاريخ 4 إبريل عام ألفٍ وتسعمائة وستة وأربعين؟!!
الأديب القصصي والمبدع محمود تيمور، هو من فئة المبدعين، على شاكلة أبي الطيب المتنبي، وأبي العلاء المعري، وابن سينا، وأديب الفلاسفة، وفيلسوف الأدباء، أبو حيان التوحيدي، وعبد الرحمن الكواكبي، وكل الفلاسفة والأدباء، ممن ينطبق عليهم قول عزرا باوند:
" المبدعون هم قرون استشعار الجنس البشري"
للأسف فإن مجايلي المبدعين لا يُقدِّرون مبدعيهم إلا بعد موتهم، بل إن كثيرين يُحقِّرونهم ويسخِّفون أفكارهم في حياتهم، ويستعجلون موتهم، ولا يمجدونهم إلا بعد غيابهم، وينطبق عليهم قول جمال الدين الأفغاني:
" يموتُ المبدعونَ أحياءً، ويحيونَ أمواتا"
وهم يتعرضون في حياتهم إلى التشويه والانتقاص، ويتعرضون للمهانة والضيق والهجوم.
كثيرون هؤلاء المبدعون، هاجمهم أتباعُهم، واحتقروهم وقتلوهم ، وما إن غيَّبتْهم القبورُ حتى صاروا أبطالا ورموزا، وما أكثر هؤلاء، فعذراء أورليان أو (جان دارك) قُتلت وأحرقتْ ثلات مراتٍ بتهمة الهرطقة، حتى لم يبقَ من رمادها شيئٌ في القرن الخامس عشر، ثم أعلنها أهلُها في القرن العشرين قِدِّيسةً، وتحولت بفعل الزمن من هرطيقةٍ إلى قديسة. وثار الناسُ كذلك على أحد أكبر المسرحيين (هنريك إبسن) لأنه كتب مسرحية بيت الدمية عام 1897، المسرحية التي تعالج قضية المرأة في المجتمع الرجولي، المرأة التي يريدها الرجل لعبةً يتسلى بها وقت فراغه، بدون أن يقيم لعقلها وزنا، وما أن توفي عام 1906، حتى اعتبروا المسرحية من أهم المسرحيات في العالم، واعتبروا كاتبها ثاني أكبر المسرحيين في العالم بعد شكسبير!
وكذلك فعلوا مع الفيلسوف توماس مور، مؤلف أشهر الروايات الخيالية (اليوتوبيا)، فقد نصبوه بطلا وقديسا، ولكن بعد قطع رأسه وتعليقه على أبواب المدينة بتهمة الخيانة العظمى، بأمر من الملك هنري الثامن في القرن السادس عشر!.
وهذا لا ينصرف على المبدعين والكتاب فقط، بل إنه يشمل الزعماء السياسيين أيضا، فقد كان معظم الزعماء ورؤساء الدول، وبخاصة العرب، طغاةً مستبدين قامعين أشرارا عند شعوبهم، وهم أحياءٌ يُرزقون، وما إن غيَّبتهم القبورُ، حتى تحولوا عند شعوبهم إلى أساطيرَ ورموزٍ، وكلما طال زمنُ غيابهم وموتهم رسَخَ تقديسُهم، وازدادَ الاعجابُ بهم، وهم يصبحون في النهاية كالخمور المعتَّقة، تُقاسُ جودتُهم بطول زمن موتهم!
فيا أيها المبدعون والعباقرةُ والمفكرون المضطهدون في حياتهم،بخاصة في الدول الصغيرة والفقيرة،ممن يعانون شظف العيش والتهميش والتسخيف والاحتقار من الأهل والعشيرة، موتوا لتُخَلَّدوا!
إليكم هذه اللقطة يتحدث فيها كاتبها عن الرسائل البريدية الورقية:
"إني أرى الرسائل المكتوبة قد طال عليها الزمنُ، حتى أدركها البِلى، إنها الرسائل على اختلاف الحقب والعصور، منذ ضربت بها الإبلُ أرجاءَ الفيافي، إلى أن حملتها الباخرة والطائرةُ، من أقصى مكانٍ إلى أقصى مكان، إن الرسالةَ هي هي لا تتغير،ما أشوقني إلى اختراعٍ آخر يَحُلُّ محلَّ هذه الرسائل العتيقة! لمَ لا تكونُ للإنسان مِسَرَّةٌ لاسلكية، أو نحوها، ليقومَ التخاطبُ مقامَ التكاتُبِ، فتُغني الأصواتُ عن الأسطار، ويُغني اللسانُ عن القلم ، ويُغني الأثيرٌ عن ورقٍ ومِداد؟!!"
هل تصدقون أن كاتب هذه ( الأمنية) أو النبوءةِ هو الأديبُ المصري الكبير محمود تيمور المولود 1894، في كتابه ( أبو الهول يطير)، والغريب في ذلك، أنه تنبأ بالمِسَرَّةِ اللاسلكية أي [الجوال) عندما سافر لأمريكا بتاريخ 4 إبريل عام ألفٍ وتسعمائة وستة وأربعين؟!!
الأديب القصصي والمبدع محمود تيمور، هو من فئة المبدعين، على شاكلة أبي الطيب المتنبي، وأبي العلاء المعري، وابن سينا، وأديب الفلاسفة، وفيلسوف الأدباء، أبو حيان التوحيدي، وعبد الرحمن الكواكبي، وكل الفلاسفة والأدباء، ممن ينطبق عليهم قول عزرا باوند:
" المبدعون هم قرون استشعار الجنس البشري"
للأسف فإن مجايلي المبدعين لا يُقدِّرون مبدعيهم إلا بعد موتهم، بل إن كثيرين يُحقِّرونهم ويسخِّفون أفكارهم في حياتهم، ويستعجلون موتهم، ولا يمجدونهم إلا بعد غيابهم، وينطبق عليهم قول جمال الدين الأفغاني:
" يموتُ المبدعونَ أحياءً، ويحيونَ أمواتا"
وهم يتعرضون في حياتهم إلى التشويه والانتقاص، ويتعرضون للمهانة والضيق والهجوم.
كثيرون هؤلاء المبدعون، هاجمهم أتباعُهم، واحتقروهم وقتلوهم ، وما إن غيَّبتْهم القبورُ حتى صاروا أبطالا ورموزا، وما أكثر هؤلاء، فعذراء أورليان أو (جان دارك) قُتلت وأحرقتْ ثلات مراتٍ بتهمة الهرطقة، حتى لم يبقَ من رمادها شيئٌ في القرن الخامس عشر، ثم أعلنها أهلُها في القرن العشرين قِدِّيسةً، وتحولت بفعل الزمن من هرطيقةٍ إلى قديسة. وثار الناسُ كذلك على أحد أكبر المسرحيين (هنريك إبسن) لأنه كتب مسرحية بيت الدمية عام 1897، المسرحية التي تعالج قضية المرأة في المجتمع الرجولي، المرأة التي يريدها الرجل لعبةً يتسلى بها وقت فراغه، بدون أن يقيم لعقلها وزنا، وما أن توفي عام 1906، حتى اعتبروا المسرحية من أهم المسرحيات في العالم، واعتبروا كاتبها ثاني أكبر المسرحيين في العالم بعد شكسبير!
وكذلك فعلوا مع الفيلسوف توماس مور، مؤلف أشهر الروايات الخيالية (اليوتوبيا)، فقد نصبوه بطلا وقديسا، ولكن بعد قطع رأسه وتعليقه على أبواب المدينة بتهمة الخيانة العظمى، بأمر من الملك هنري الثامن في القرن السادس عشر!.
وهذا لا ينصرف على المبدعين والكتاب فقط، بل إنه يشمل الزعماء السياسيين أيضا، فقد كان معظم الزعماء ورؤساء الدول، وبخاصة العرب، طغاةً مستبدين قامعين أشرارا عند شعوبهم، وهم أحياءٌ يُرزقون، وما إن غيَّبتهم القبورُ، حتى تحولوا عند شعوبهم إلى أساطيرَ ورموزٍ، وكلما طال زمنُ غيابهم وموتهم رسَخَ تقديسُهم، وازدادَ الاعجابُ بهم، وهم يصبحون في النهاية كالخمور المعتَّقة، تُقاسُ جودتُهم بطول زمن موتهم!
فيا أيها المبدعون والعباقرةُ والمفكرون المضطهدون في حياتهم،بخاصة في الدول الصغيرة والفقيرة،ممن يعانون شظف العيش والتهميش والتسخيف والاحتقار من الأهل والعشيرة، موتوا لتُخَلَّدوا!
