في "السدة" .. كومة ملابس وثلاجة مهترئة وثمانية أرواح !
غزة -خاص دنيا الوطن -من علاء الحلو
العنوان ليس نصاً من نصوص النثر أو مطلع قصيدة شعرية درويشية أو قصة خيالية، بل اختصار لحكاية عائلة غزية تقطعت بها السبل وحاصرها الفقر والعوز والحرمان ليصل بها البؤس حد السكن في سدة ضيقة لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار.
السدة وحسب العادة الفلسطينية هي المكان الضيق في احدى زوايا البيت، يتم فيها تخزين المخللات والأكلات الموسمية كقرون الشطة أو الملوخية المجففة، الى جانب الملابس الشتوية أو الصيفية، اضافة للخردة والأجهزة الكهربائية المعطلة وأمور خارجة عن حاجة البيت.
أبو جميل "فيصل ط." لم يستخدم السدة لأي من تلك الأغراض، بل استخدمها بيتاً يؤويه وزوجته وأبنائه وبناته الستة، لم يكترث لضيقها أو سوء تهويتها، فهي بالنسبة له ولعائلته المفر الوحيد من الشارع، ولسان حاله يقول "شو اللي رماني على المر غير العلقم".
سدة أبو جميل عبارة عن غرفة ضيقة جداً فوق محل لبيع السجائر بالكاد تتسع لشخص واحد، اكتظت بالملابس والفراش القديم، وسرداب طويل على هيأة نفق ضيق بآخره مطبخ، والصدمة هنا أن المطبخ يحتوي على الحمام بدون أي فواصل أو حواجز، فبإمكانك قضاء حاجتك وأنت تطهو عدس اليوم.
عزة نفس أبو جميل وعائلته المتعففة منعتهم من الظهور أمام عدسات كاميرات الإعلام، وفي بداية حديث مراسل دنيا الوطن اليه رفض اجراء المقابلة لأنه لا يرغب بظهور اسمه أو صوره أو صور أي من أفراد أسرته عبر الإعلام، لكنه وافق بعد أن أخذ وعداً من مراسلنا باحترام رغبته.
المكان الضيق ذات البناء القديم، وتكدس الفراش والملابس والثلاجة المهترئة والعفش القديم لا يمكنه أن يشعرك بأنك داخل بيت مكون من غرفة واحدة ويسكن فيها ثمانية أشخاص، بل يشعرك أنك في مخزن لا يمكنك الجلوس فيه كثيراً خشية الاختناق.
تنام جميلة 16 عام، وهبة 14 عام، وضحى 12 عام بجوار جميل 18 عام، وتامر 17 عام، وشقيقهم الأصغر، بدون أي حاجز بينهم، فلا مكان لحواجز في تلك الفسحة الصغيرة سيئة التهوية والإضاءة، ويفصل بين الأبناء ووالدهم ووالدتهم لوح خشبي سمكه سنتيمتر.
لحظة انقطاع التيار الكهربائي وانطفاء "اللمبة" يتحول المكان الذي لا يحتوي على أي شباك ليصبح أشبه بالقبر، ظلام دامس في وضح النهار، لا يمكن لساكنيه التنقل سوى بكشاف الانارة المحمول خوفاً من التعثر بأي جسد من الأجساد التي تعبئ المكان.
ويقول أبو جميل : الوضع أصعب من أن تصفه كلماتي، أنا أعمل طوال النهار في كشك السجائر عند جاري وبالكاد أحصل على 20 شيكل في اليوم لا تكفي لسد احتياجات أبنائي وبناتي ومتطلبات البيت، ولا يوجد عندي دخل آخر، ولا أتقاضى أي راتب من الشئون.
ويضيف: "نقتصر على شراء الأغراض الضرورية جدا، ونتغاضى عن الكثير من المكملات التي نحتاجها في البيت، أتمنى أن يتحسن حالنا وأن أجد عمل يحسن من وضعنا وأن نتمكن من الحصول على الشؤون، كذلك وأن يجد أبنائي الشباب عمل ينهي معاناتنا".
ويتابع أبو جميل ونظرة الحسرة لا تفارق عيناه: "يمكننا بناء بيت صغير على سطح المنزل الذي لا تتجاوز مساحته سبعين متراً فوق شقق إخوتي، لكنني لا أملك المال لبناء البيت الذي يمكنه أن يحل مشاكلنا، أتمنى على جميع المعنيين مساعدتنا في تحقيق حلم أبنائي بالعيش في بيت مناسب".
لم تتمالك زوجته سناء نفسها، فسال دمعها قبل أن تبدأ بالقول: "أخجل من زيارة الناس لنا، لأن المكان غير مناسب لاستقبال الضيوف، أبنائي وبناتي كبروا وما زالوا يناموا الى جانب بعض، أصبحت أكره قدوم العيد حتى لا يزورنا الناس، فأنا أشعر بغمزهم ولمزهم بسبب وضعنا التعيس".
وتضيف: "كما ترى المكان ضيق، وحار جداً في الصيف وحتى في الشتاء بسبب عدم وجود تهوية، لذلك نبقي الباب مفتوح غالب الأحيان، وبسبب ضيق المكان الذي نطهو فيه طعامنا تكثر الصراصير والحشرات، ودخل زوجي لا يكفي لسد احتياجاتنا الضرورية".
وتقول الابنة الكبرى "جميلة" والتي تدرس في الصف الأول الثانوي: "كل شئ هنا يزعجني، لا استطيع ممارسة حياتي بهدوء، أحب النوم مبكراً لكني لا أستطيع لأن اخوتي يحبوا السهر، ولا أتمكن من لبس ملابس خفيفة في الصيف بسبب نوم اخوتي الى جانبي، وهذا يضايقني".
بسمة الطفلة "ضحى" لم تشفع لها عند أي من المؤسسات التي تعنى بالأسر الفقيرة أو عند الوضع المأساوي، الذي لم يمكنها من العيش كبقية الأطفال وحرمها من أبسط مقومات الطفولة، فضحى ما زالت تنام الى جانب أشقائها الكبار ولحاجتها للهدوء ما زالت تدرس على الدرج.






العنوان ليس نصاً من نصوص النثر أو مطلع قصيدة شعرية درويشية أو قصة خيالية، بل اختصار لحكاية عائلة غزية تقطعت بها السبل وحاصرها الفقر والعوز والحرمان ليصل بها البؤس حد السكن في سدة ضيقة لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار.
السدة وحسب العادة الفلسطينية هي المكان الضيق في احدى زوايا البيت، يتم فيها تخزين المخللات والأكلات الموسمية كقرون الشطة أو الملوخية المجففة، الى جانب الملابس الشتوية أو الصيفية، اضافة للخردة والأجهزة الكهربائية المعطلة وأمور خارجة عن حاجة البيت.
أبو جميل "فيصل ط." لم يستخدم السدة لأي من تلك الأغراض، بل استخدمها بيتاً يؤويه وزوجته وأبنائه وبناته الستة، لم يكترث لضيقها أو سوء تهويتها، فهي بالنسبة له ولعائلته المفر الوحيد من الشارع، ولسان حاله يقول "شو اللي رماني على المر غير العلقم".
سدة أبو جميل عبارة عن غرفة ضيقة جداً فوق محل لبيع السجائر بالكاد تتسع لشخص واحد، اكتظت بالملابس والفراش القديم، وسرداب طويل على هيأة نفق ضيق بآخره مطبخ، والصدمة هنا أن المطبخ يحتوي على الحمام بدون أي فواصل أو حواجز، فبإمكانك قضاء حاجتك وأنت تطهو عدس اليوم.
عزة نفس أبو جميل وعائلته المتعففة منعتهم من الظهور أمام عدسات كاميرات الإعلام، وفي بداية حديث مراسل دنيا الوطن اليه رفض اجراء المقابلة لأنه لا يرغب بظهور اسمه أو صوره أو صور أي من أفراد أسرته عبر الإعلام، لكنه وافق بعد أن أخذ وعداً من مراسلنا باحترام رغبته.
المكان الضيق ذات البناء القديم، وتكدس الفراش والملابس والثلاجة المهترئة والعفش القديم لا يمكنه أن يشعرك بأنك داخل بيت مكون من غرفة واحدة ويسكن فيها ثمانية أشخاص، بل يشعرك أنك في مخزن لا يمكنك الجلوس فيه كثيراً خشية الاختناق.
تنام جميلة 16 عام، وهبة 14 عام، وضحى 12 عام بجوار جميل 18 عام، وتامر 17 عام، وشقيقهم الأصغر، بدون أي حاجز بينهم، فلا مكان لحواجز في تلك الفسحة الصغيرة سيئة التهوية والإضاءة، ويفصل بين الأبناء ووالدهم ووالدتهم لوح خشبي سمكه سنتيمتر.
لحظة انقطاع التيار الكهربائي وانطفاء "اللمبة" يتحول المكان الذي لا يحتوي على أي شباك ليصبح أشبه بالقبر، ظلام دامس في وضح النهار، لا يمكن لساكنيه التنقل سوى بكشاف الانارة المحمول خوفاً من التعثر بأي جسد من الأجساد التي تعبئ المكان.
ويقول أبو جميل : الوضع أصعب من أن تصفه كلماتي، أنا أعمل طوال النهار في كشك السجائر عند جاري وبالكاد أحصل على 20 شيكل في اليوم لا تكفي لسد احتياجات أبنائي وبناتي ومتطلبات البيت، ولا يوجد عندي دخل آخر، ولا أتقاضى أي راتب من الشئون.
ويضيف: "نقتصر على شراء الأغراض الضرورية جدا، ونتغاضى عن الكثير من المكملات التي نحتاجها في البيت، أتمنى أن يتحسن حالنا وأن أجد عمل يحسن من وضعنا وأن نتمكن من الحصول على الشؤون، كذلك وأن يجد أبنائي الشباب عمل ينهي معاناتنا".
ويتابع أبو جميل ونظرة الحسرة لا تفارق عيناه: "يمكننا بناء بيت صغير على سطح المنزل الذي لا تتجاوز مساحته سبعين متراً فوق شقق إخوتي، لكنني لا أملك المال لبناء البيت الذي يمكنه أن يحل مشاكلنا، أتمنى على جميع المعنيين مساعدتنا في تحقيق حلم أبنائي بالعيش في بيت مناسب".
لم تتمالك زوجته سناء نفسها، فسال دمعها قبل أن تبدأ بالقول: "أخجل من زيارة الناس لنا، لأن المكان غير مناسب لاستقبال الضيوف، أبنائي وبناتي كبروا وما زالوا يناموا الى جانب بعض، أصبحت أكره قدوم العيد حتى لا يزورنا الناس، فأنا أشعر بغمزهم ولمزهم بسبب وضعنا التعيس".
وتضيف: "كما ترى المكان ضيق، وحار جداً في الصيف وحتى في الشتاء بسبب عدم وجود تهوية، لذلك نبقي الباب مفتوح غالب الأحيان، وبسبب ضيق المكان الذي نطهو فيه طعامنا تكثر الصراصير والحشرات، ودخل زوجي لا يكفي لسد احتياجاتنا الضرورية".
وتقول الابنة الكبرى "جميلة" والتي تدرس في الصف الأول الثانوي: "كل شئ هنا يزعجني، لا استطيع ممارسة حياتي بهدوء، أحب النوم مبكراً لكني لا أستطيع لأن اخوتي يحبوا السهر، ولا أتمكن من لبس ملابس خفيفة في الصيف بسبب نوم اخوتي الى جانبي، وهذا يضايقني".
بسمة الطفلة "ضحى" لم تشفع لها عند أي من المؤسسات التي تعنى بالأسر الفقيرة أو عند الوضع المأساوي، الذي لم يمكنها من العيش كبقية الأطفال وحرمها من أبسط مقومات الطفولة، فضحى ما زالت تنام الى جانب أشقائها الكبار ولحاجتها للهدوء ما زالت تدرس على الدرج.






