جمعية البيارة الثقافية تحتفل باحياء مئوية الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود بمشاركة كوكبة من الشعراء والنقاد العرب
الشارقة - دنيا الوطن - نجاة الفارس
نظمت جمعية البيارة الثقافية حفل أحياء مئوية الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود وذلك مساء يوم الجمعة الموافق 15 نوفمبر 2013م في قاعة ملتقى الأدب في معرض الشارقة الدولي للكتاب بمشاركة كوكبة من الشعراء والنقاد العرب وبحضور الأستاذ عمار الكردي رئيس الهيئة الإدارية لجمعية البيارة الثقافية والشاعر عبد السلام عطاري مدير عام الاداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينة والاستاذ عبد المعز عودة أمين سر الهيئة الإدارية لجمعية البيارة الثقافية ،وجمع كبير من المثقفين والمثقفات والمهتمين بالشأن الثقافي والوطني .
قدمت الأمسية الشاعرة نجاة الفارس صاحبة هذه السطور حيث رحبت في الحضور بقولها " مساء الشعر ، مساء الكلمة الصادقة الحرة الأبية تلامس شغاف القلب والعقل وتسمو بالروح نحو مستقبل أجمل ، مساء الشارقة الباسمة النبيلة تحتضن بنقائها وصفائها هذا العرس الثقافي الرائع ، مساء فلسطين الحبيبة تجدد الوعد والعهد على الصمود والنضال حتى يعم الأمن والأمان أزقتها وشوارعها قراها ومدنها ، سلام على الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود ونحن نلتقي اليوم لإحياء مئويته ونحتفي بروحه الطاهرة ومداد قلمه الأبي " .
ثم قدم الأستاذ عمار الكردي كلمة جمعية البيارة الثقافية قائلا " عندما يُطلب منك ان تلقي كلمة بمثل هذه المناسبة وفي شهر تشرين ثاني/نوفمبر، تُصاب بخيبة الأمل، فماذا تقول في شاعر عظيم كان يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره عند استشهاده قرب الناصرة يوم الثالث عشر من تموز (يوليو) عام 1948، ماذا تقول في الشهر الذي صدر به وعد بلفور المشؤوم، وخُطف منا فيه رمز ثورتنا، وصدر به أيضا القرار الجائر بتقسيم فلسطين. ماذا تقول لروح الشاعر الشهيد القائل:
سَـأَحمِلُ روحـي عَلى راحَتي وَأَلـقي بِـها في مَهاوي الرَّدى
فَـإِمّا حَـياةٌ تَـسُرُّ الصَديقَ وَإِمّـا مَـماتٌ يَـغيظُ العِدى
ونحن نعيش اليوم حياة لا تسر الصديق ولا حتى تغيظ العدى.
ولكن شهر تشرين الثاني/نوفمبر يحمل أيضا في طياته موعدأ مع الحرية والاستقلال، موعدا سيُخلّد عبر التاريخ هو ذكرى اعلان قيام دولة فلسطين على أرضنا الفلسطينية.
وبعيدا عن خيبة الأمل وغوصا في قراءة سيرة ذلك المجاهد، الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود، الذي أقبل على الحياة دراسةً، وتدريساً، وجهاداً، وسَفراً، وشعراً، وترك لنا تُراثاً، يكاد المنطق يفترض أنّه يحتاج عشرات السنوات الأخرى لإنجازه، يعود الأمل لك من جديد، فإذا كان الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود قد قام بالتدريس في مدرسة النجاح في مدينة نابلس، من ضمن مدارس أخرى، منها مدرسة بلدته، عنبتا، فلعله يقر عيناً الآن وهو يرى أنّ هذه المدرسة باتت جامعةً وارفة تُدعى (جامعة النجاح الوطنية)، تثمر أجيالاُ من الخريجين والمجاهدين. وإذا كان قد قسّم أوقاته بين الأدب وتدريسه وبين الكليّات الحربية، فذهب إلى العراق ملتحقا بالكلية الحربية بين عامي 39 و 42، فلعله يطمئن قليلا إذا علم أنّه سار على الدرب أيضاً آلاف أو عشرات الآلاف من الثوّار لاحقاً، الذين قسّموا أوقاتهم بين العلم والعمل من جهة والنضال والمقاومة من جهة ثانية، يتخرجون من أهم الجامعات العالمية، ويلتحقون بالثورة في المنافي وداخل الوطن.
ثم أضاف عمار الكردي وبما أن البيارة حريصة على أن تستمر في نهجها في توثيق وإحياء التراث الفلسطيني الثقافي، فإنّها ارتأت استخدام أسلوب جديد في حالة الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود، يقوم على أسلوب المجاراة الشعرية، والتي استجاب لها 13 شاعرا لكتابة قصائد تُجاري قصائد محمود موضوعا ووزنا وقافية، إضافة إلى اثنين من النقاد المتمكنين.
ويطيب لنا في جمعية البيارة الثقافية أن نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لجميع الشعراء والنقاد الذين ساهموا في نجاح هذا العمل الوطني المتميز، المشاركون معنا في هذه الامسية والغائبون عنها لظروف قاهرة، والذي سيصدر قريبا في كتاب يحمل اسم (روحي على راحتي)، يضم مجاراة شعرية بعدة أقلام عربية، لمجموعة من قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، وبهذا نكون باذن الله قد استطعنا ترسيخ وإحياء الأعمال الشعرية المميزة لمحمود، والتأكيد على مكانته باعتباره مدرسة شعرية متميزة ورائدة.
عقب ذلك قدم الشاعر عبد السلام عطاري كلمة وزارة الثقافة الفلسطينية ، حيث تقدم بالشكر الجزيل إلى جمعية البيارة الثقافية على جهودها الدؤوبة في خدمة القضية الفلسطينية ، ثم ألقى الضوء على حياة الشاعر الشهيد مؤكدا على أهمية الخطاب الشعري الوطني وعلى أهمية الشعر الذي يكتب من أجل الوطن في ظل التهميش والتهشيم الذي يخيم على هذا النوع من الكتابة الشعرية الوطنية ، موضحا أن النصوص الشعرية للشهيد عبد الرحيم محمود تزرع الأمل لأطفال الغد .
وأضاف أن الاحتفال بذكرى ميلاد الشاعر الشهيد هو بشارة أمل وفرحة لأن الميلاد يعني العطاء ، ثم تقدم بالشكر إلى جميع الشعراء والنقاد الذين ساهموا في هذا العمل الجميل .
عقب ذلك قدم الدكتور ابراهيم الوحش من فلسطين قراءة نقدية في شعر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود موضحا ان الشاعر الشهيد علم وبطل ثائر، وشاعرٍ مناضل قرن القول بالعمل، ومارس النضال قولاً وفعلاً، فكتب أجمل الأشعار في فلسطين الحبيبة، ولم يكتفِ بالكلام، بل حوّل الكلمات إلى ممارسة وعمل، وكان نضاله بحد الكلمة والبندقية، حيث روّى بدمه الطاهر أرض فلسطين الحبيبة، فاستشهد على ثراها في معركة الشجرة شرقي مدينة الناصرة، وبين حياته القصيرة واستشهاده ترك آثاراً خالدةً لا تزول، فكان الشاعر الملتزم الباحث عن الكلمة الصادقة القوية المدافعة عن الحق في وقت انتشرت فيه الصراعات والنزاعات ابتداءً بالثورة العربية الكبرى، مروراً بثورة القسام عام 1936، وانتهاء بنكبة فلسطين بعد حرب 1948م.
كما توجه الدكتور ابراهيم الوحش بالشكر إلى الشاعر والباحث (عز الدين المناصرة ) الذي نوه عن كثير من الأمور التي نحن بحاجة إليها (في طبعات الشاعر السابقة) ..
واضاف بأن قامة عبدالرحيم محمود .. قامة كبيرة من حيث القول والفعل ..
شاعر طُرد من أرضه وأُبعد إلى العراق من قبل الإنجليز
لا بدّ أن تكون له بعض النصوص الشعرية حول هذا الطاغية المستبد ..
هذا الشاعر لم يقبل الضيم والذلة والهوان .. ولذلك سقط شهيداً على ثرى الوطن .. طالباً الشهادة والحرية ..
ولقد جمع الشاعر الشهيد في قصائده الشعرية بين الوجدانية والثورية من جهة، وبين الكلاسيكية التقليدية والرومانسية من جهة أخرى، إذ ظهرت التقليدية في قصائد له التزم فيها الجانب التقليدي ونظام الشطرين محافظاً على النسق اللغوي والقافية الموحدة، وأما الرومانسية فقد برزت في معجم شعري رومانسي ذي تعابير مزدوجة، وعواطف جيّاشة، وصور طبيعية تنطق بالحب والأحاسيس، ولعلّ السبب في هذا التنوع الشعري لدى الشاعر الشهيد مرده إلى عوامل عدة لعل من أهمها: بعده عن أرض الوطن، والشوق والحنين إليه، وهو ما انعكس في شعره ، صعوبة الأوضاع الاجتماعية التي عاشها،المشاكل والتعقيدات السياسية التي واكبها أثناء حياته القصيرة، واصطدامه بواقع سياسي مرير يعكس واقع الأمة المتهالك ،وقد تضافرت كل هذه العوامل وتشابكت لتشكل من الشاعر الشهيد نموذجاً للشاعر الثوري الرومانسي، ثوري آمن بالنضال والكفاح واقتران القول بالعمل من جهة، ورومانسي أحب وطنه وأحب الحب الإنساني فيه، فنبض قلبه وأحب وترجم حبه شعراً ووجداً.
أما الفقرة التالية من حفل إحياء مئوية الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود كانت قراءات شعرية في مجاراة بعض قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود قدمها عشرة من الشعراء العرب المشاركون في كتاب ( روحي على راحتي ) ، وتغيب عن الأمسية ثلاثة من شعراء فلسطين هم سعادة الدكتور المتوكل طه سفير دولة فلسطين والشاعر مراد السوداني الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينين ، ورئيس بيت الشعر الفلسطيني ،أما الشاعر الثالث محمد حسن حسن فقد شاء القدر أن يفارق الحياة الدنيا في شهر يوليو الماضي تاركا قصيدته التي كتبها في مجاراة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود والتي ستصدر عما قريب ضمن كتاب ( روحي على راحتي ) .
وافتتح القراءات الشعرية الدكتور إياد عبد المجيد من العراق بقصيدة تحمل عنوان (إلى رمز الكلمة المقاتلة الشاعر الكبير عبد الرحيم محمود) يقول في مطلعها :
ما كان يقبل مجدا دونه سكنا في القدس إلا أن نرتدي من طهرها الكفنا
ونلحق الموت في أحداقنا أملا يشب عزأ وفي أرواحنا ارتهنا
لا نشرب الماء في ذل إذا احتربت وجوفنا يصطلي من نارها الرسنا .
ثم قرأت الشاعرة ربا شعبان من فلسطين قصيدة بعنوان عباءة القصائد ..عباءة الذاكرة تقول فيها
مضى ستون عاما أي حقل يكون حصاده شوك الغلال
ومفتاحي بصدري مثل قلب حميم النبض عذري الوصال
عباءتك الحميمة دثرتني بأنفاس البنفسج والتلال
عقب ذلك شاركت الشاعرة نادية أليف من الأردن في قصيدة بعنوان (احملوني ) حيث جارت قصيدة الشاعر الشهيد التي تحمل العنوان ذاته ، تقول فيها
لفلسطين خذوني
وبأرضي ازرعوني
ولأمي سلموني
وبحبها دثروني
اكتبوني بسطور
وللتاريخ أضيفوني .
ثم شارك الشاعر نايف الهريس من الإمارت بقصيدة تحمل عنوان (جاهد واستشهدا ) وهي مجاراة لقصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( الشهيد ) يقول في مطلعها
بروق على الشعر بين الندى تحج ثرى شاعر خلدا
تراب فلسطين زف نهاه غناء بدمع الثرى رددا
رأى رحبه في جنان النعيم تمنى الحياة ليستشهدا
وكذلك الشاعر علي مي من فلسطين جارى نفس القصيدة في قصيدته التي تحمل عنوان (الفتى )والتي يقول فيها
حملت الخلود لنا إذ حملت على راحتيك صنوف الردى
وعلمتنا أن نقدس جرحا تعالى عن الآه يوم الوغى
فلم نحن هاماتنا من رصاص سوى كي نقبل هذا الثرى
أما الشاعر الدكتور محمد ولد عبدي من موريتانيا والشاعرة عطاف جانم من الأردن والشاعر نصر بدوان من الأردن فقد وقع اختيارهم على قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( المسجد الأقصى ) وقد جاراها الشاعر الدكتور ولد عبدي بقصيدة تحمل عنوان (رضاعة شعرية )يقول في خاتمتها
قرن على ذكراك حين ب " عنبتا " أشرقت نجما للحياة تطلعه
أعطيت للأرض السليبة حقها حتى قضيت وحلم شعبك تشرعه
فاهنأ فروحك لم تمت فينا وما زلنا قصيدك للبراعم نرضعه
أما الشاعرة عطاف جانم فقد حملت قصيدتها عنوان (في القدس وعد بالحياة )
تقول في مطلعها :
يا درة الشهداء يا عبد الرحيم
أأجزت شعرك حيث دمك ضارعه !
يا درة الشعراء والأمراء هل
برق الشهادة في عروقك نابش
سر الزمان وذائعه .
إلى أن تختم بقولها :
والقدس مغتسل ........... شراب بارد
فاضرب برجلك أيها المضري وامتشق الحياة .
وبالنسبة للشاعر نصر بدوان من الأردن فقد حملت قصيدته عنوان ( نبوءة الأقصى ) حيث يقول فيها :
لم تزل روحك الطهر تحوم هناك
تطلّ من خاصرة الكون عليها علينا
تتملاّها من البحر للنهر
من النهر للبحر
من أقصاها لأقصاها
وبالعينين تحرسهما
قدسك والشجرة
أما الشاعر عبد الرزاق درباس من سوريا فقد قرأ قصيدة بعنوان ( من دفتر الوطن ) جارى فيها قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( نداء الوطن ) .
يقول في مطلعها :
غريب كيف يا وطني تنادي ؟ وتحسب أنني شبل الجهاد
وتطلب أن أكون على ثغور وحالي حال مكسور الفؤاد
أحبك أيها الوطن المفدى فحبك في المدى مائي وزادي
من جهتها قرأت الشاعرة نجاة الفارس من فلسطين قصيدة بعنوان ( نبضات سلمى ) في مجاراة قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( يا لائمي في الحب )
تقول فيها :
متطرفة أنا في حبك
متورطة في عشقك
غارقة في ضيائك
هائمة في فضائك
نورك دليلي
وحروفك ترتيلي .
وعقب القراءات الشعرية قدم الدكتور الناقد السوري أحمد عقيلي قراءة نقدية موجزة في القصائد المشاركة في الأمسية موضحا كيف جارى معظم الشعراء قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود و كانت المجارة متباينة من حيث الالتزام في الوزن والقافية وشكل القصيدة ولكن توحدت أقلام الشعراء بمجاراة المضمون وهو الهم الوطني والجرح الفلسطيني .
وأضاف الدكتور أحمد عقيلي (بأن الشاعر عبد الرحيم محمود كان صاحب كلمة وموقف قوي، مارس النضال قولاً وفعلاً، ناضل في شعره من جهة، وحمل البندقية ثائراً مناضلاً من جهة أخرى، وقد دفع ثمن هذا الموقف حين روى تراب فلسطين الحبيبة من دمه، حيث قضى شهيداً في معركة الشجرة، شرقي مدينة الناصرة عام 1948م.
وقال إنها لفتة كريمة، وجهد مشكور، وعمل مبرور أن تقام مجاراة شعرية، تعتمد أساساً لها أشعار الشاعر الشهيد، ومعارضات الشعراء لها في عصرنا الراهن، مما يعيد هذه القامة الشعرية إلى الحياة في قلوبنا وأذهاننا وفكرنا، وإنه لشرف عظيم لي أن أكون أحد المشاركين في هذا العمل .
وفي ختام الأمسية كرم الأستاذ عمار الكردي رئيس الهيئة الإدارية لجمعية البيارة الثقافية والشاعر عبد السلام عطاري مدير عام الآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينية جميع المشاركين حيث سلموهم الدروع التذكارية .

نظمت جمعية البيارة الثقافية حفل أحياء مئوية الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود وذلك مساء يوم الجمعة الموافق 15 نوفمبر 2013م في قاعة ملتقى الأدب في معرض الشارقة الدولي للكتاب بمشاركة كوكبة من الشعراء والنقاد العرب وبحضور الأستاذ عمار الكردي رئيس الهيئة الإدارية لجمعية البيارة الثقافية والشاعر عبد السلام عطاري مدير عام الاداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينة والاستاذ عبد المعز عودة أمين سر الهيئة الإدارية لجمعية البيارة الثقافية ،وجمع كبير من المثقفين والمثقفات والمهتمين بالشأن الثقافي والوطني .
قدمت الأمسية الشاعرة نجاة الفارس صاحبة هذه السطور حيث رحبت في الحضور بقولها " مساء الشعر ، مساء الكلمة الصادقة الحرة الأبية تلامس شغاف القلب والعقل وتسمو بالروح نحو مستقبل أجمل ، مساء الشارقة الباسمة النبيلة تحتضن بنقائها وصفائها هذا العرس الثقافي الرائع ، مساء فلسطين الحبيبة تجدد الوعد والعهد على الصمود والنضال حتى يعم الأمن والأمان أزقتها وشوارعها قراها ومدنها ، سلام على الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود ونحن نلتقي اليوم لإحياء مئويته ونحتفي بروحه الطاهرة ومداد قلمه الأبي " .
ثم قدم الأستاذ عمار الكردي كلمة جمعية البيارة الثقافية قائلا " عندما يُطلب منك ان تلقي كلمة بمثل هذه المناسبة وفي شهر تشرين ثاني/نوفمبر، تُصاب بخيبة الأمل، فماذا تقول في شاعر عظيم كان يبلغ الخامسة والثلاثين من عمره عند استشهاده قرب الناصرة يوم الثالث عشر من تموز (يوليو) عام 1948، ماذا تقول في الشهر الذي صدر به وعد بلفور المشؤوم، وخُطف منا فيه رمز ثورتنا، وصدر به أيضا القرار الجائر بتقسيم فلسطين. ماذا تقول لروح الشاعر الشهيد القائل:
سَـأَحمِلُ روحـي عَلى راحَتي وَأَلـقي بِـها في مَهاوي الرَّدى
فَـإِمّا حَـياةٌ تَـسُرُّ الصَديقَ وَإِمّـا مَـماتٌ يَـغيظُ العِدى
ونحن نعيش اليوم حياة لا تسر الصديق ولا حتى تغيظ العدى.
ولكن شهر تشرين الثاني/نوفمبر يحمل أيضا في طياته موعدأ مع الحرية والاستقلال، موعدا سيُخلّد عبر التاريخ هو ذكرى اعلان قيام دولة فلسطين على أرضنا الفلسطينية.
وبعيدا عن خيبة الأمل وغوصا في قراءة سيرة ذلك المجاهد، الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود، الذي أقبل على الحياة دراسةً، وتدريساً، وجهاداً، وسَفراً، وشعراً، وترك لنا تُراثاً، يكاد المنطق يفترض أنّه يحتاج عشرات السنوات الأخرى لإنجازه، يعود الأمل لك من جديد، فإذا كان الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود قد قام بالتدريس في مدرسة النجاح في مدينة نابلس، من ضمن مدارس أخرى، منها مدرسة بلدته، عنبتا، فلعله يقر عيناً الآن وهو يرى أنّ هذه المدرسة باتت جامعةً وارفة تُدعى (جامعة النجاح الوطنية)، تثمر أجيالاُ من الخريجين والمجاهدين. وإذا كان قد قسّم أوقاته بين الأدب وتدريسه وبين الكليّات الحربية، فذهب إلى العراق ملتحقا بالكلية الحربية بين عامي 39 و 42، فلعله يطمئن قليلا إذا علم أنّه سار على الدرب أيضاً آلاف أو عشرات الآلاف من الثوّار لاحقاً، الذين قسّموا أوقاتهم بين العلم والعمل من جهة والنضال والمقاومة من جهة ثانية، يتخرجون من أهم الجامعات العالمية، ويلتحقون بالثورة في المنافي وداخل الوطن.
ثم أضاف عمار الكردي وبما أن البيارة حريصة على أن تستمر في نهجها في توثيق وإحياء التراث الفلسطيني الثقافي، فإنّها ارتأت استخدام أسلوب جديد في حالة الشاعر الشهيد عبدالرحيم محمود، يقوم على أسلوب المجاراة الشعرية، والتي استجاب لها 13 شاعرا لكتابة قصائد تُجاري قصائد محمود موضوعا ووزنا وقافية، إضافة إلى اثنين من النقاد المتمكنين.
ويطيب لنا في جمعية البيارة الثقافية أن نتقدم بجزيل الشكر والتقدير لجميع الشعراء والنقاد الذين ساهموا في نجاح هذا العمل الوطني المتميز، المشاركون معنا في هذه الامسية والغائبون عنها لظروف قاهرة، والذي سيصدر قريبا في كتاب يحمل اسم (روحي على راحتي)، يضم مجاراة شعرية بعدة أقلام عربية، لمجموعة من قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، وبهذا نكون باذن الله قد استطعنا ترسيخ وإحياء الأعمال الشعرية المميزة لمحمود، والتأكيد على مكانته باعتباره مدرسة شعرية متميزة ورائدة.
عقب ذلك قدم الشاعر عبد السلام عطاري كلمة وزارة الثقافة الفلسطينية ، حيث تقدم بالشكر الجزيل إلى جمعية البيارة الثقافية على جهودها الدؤوبة في خدمة القضية الفلسطينية ، ثم ألقى الضوء على حياة الشاعر الشهيد مؤكدا على أهمية الخطاب الشعري الوطني وعلى أهمية الشعر الذي يكتب من أجل الوطن في ظل التهميش والتهشيم الذي يخيم على هذا النوع من الكتابة الشعرية الوطنية ، موضحا أن النصوص الشعرية للشهيد عبد الرحيم محمود تزرع الأمل لأطفال الغد .
وأضاف أن الاحتفال بذكرى ميلاد الشاعر الشهيد هو بشارة أمل وفرحة لأن الميلاد يعني العطاء ، ثم تقدم بالشكر إلى جميع الشعراء والنقاد الذين ساهموا في هذا العمل الجميل .
عقب ذلك قدم الدكتور ابراهيم الوحش من فلسطين قراءة نقدية في شعر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود موضحا ان الشاعر الشهيد علم وبطل ثائر، وشاعرٍ مناضل قرن القول بالعمل، ومارس النضال قولاً وفعلاً، فكتب أجمل الأشعار في فلسطين الحبيبة، ولم يكتفِ بالكلام، بل حوّل الكلمات إلى ممارسة وعمل، وكان نضاله بحد الكلمة والبندقية، حيث روّى بدمه الطاهر أرض فلسطين الحبيبة، فاستشهد على ثراها في معركة الشجرة شرقي مدينة الناصرة، وبين حياته القصيرة واستشهاده ترك آثاراً خالدةً لا تزول، فكان الشاعر الملتزم الباحث عن الكلمة الصادقة القوية المدافعة عن الحق في وقت انتشرت فيه الصراعات والنزاعات ابتداءً بالثورة العربية الكبرى، مروراً بثورة القسام عام 1936، وانتهاء بنكبة فلسطين بعد حرب 1948م.
كما توجه الدكتور ابراهيم الوحش بالشكر إلى الشاعر والباحث (عز الدين المناصرة ) الذي نوه عن كثير من الأمور التي نحن بحاجة إليها (في طبعات الشاعر السابقة) ..
واضاف بأن قامة عبدالرحيم محمود .. قامة كبيرة من حيث القول والفعل ..
شاعر طُرد من أرضه وأُبعد إلى العراق من قبل الإنجليز
لا بدّ أن تكون له بعض النصوص الشعرية حول هذا الطاغية المستبد ..
هذا الشاعر لم يقبل الضيم والذلة والهوان .. ولذلك سقط شهيداً على ثرى الوطن .. طالباً الشهادة والحرية ..
ولقد جمع الشاعر الشهيد في قصائده الشعرية بين الوجدانية والثورية من جهة، وبين الكلاسيكية التقليدية والرومانسية من جهة أخرى، إذ ظهرت التقليدية في قصائد له التزم فيها الجانب التقليدي ونظام الشطرين محافظاً على النسق اللغوي والقافية الموحدة، وأما الرومانسية فقد برزت في معجم شعري رومانسي ذي تعابير مزدوجة، وعواطف جيّاشة، وصور طبيعية تنطق بالحب والأحاسيس، ولعلّ السبب في هذا التنوع الشعري لدى الشاعر الشهيد مرده إلى عوامل عدة لعل من أهمها: بعده عن أرض الوطن، والشوق والحنين إليه، وهو ما انعكس في شعره ، صعوبة الأوضاع الاجتماعية التي عاشها،المشاكل والتعقيدات السياسية التي واكبها أثناء حياته القصيرة، واصطدامه بواقع سياسي مرير يعكس واقع الأمة المتهالك ،وقد تضافرت كل هذه العوامل وتشابكت لتشكل من الشاعر الشهيد نموذجاً للشاعر الثوري الرومانسي، ثوري آمن بالنضال والكفاح واقتران القول بالعمل من جهة، ورومانسي أحب وطنه وأحب الحب الإنساني فيه، فنبض قلبه وأحب وترجم حبه شعراً ووجداً.
أما الفقرة التالية من حفل إحياء مئوية الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود كانت قراءات شعرية في مجاراة بعض قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود قدمها عشرة من الشعراء العرب المشاركون في كتاب ( روحي على راحتي ) ، وتغيب عن الأمسية ثلاثة من شعراء فلسطين هم سعادة الدكتور المتوكل طه سفير دولة فلسطين والشاعر مراد السوداني الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينين ، ورئيس بيت الشعر الفلسطيني ،أما الشاعر الثالث محمد حسن حسن فقد شاء القدر أن يفارق الحياة الدنيا في شهر يوليو الماضي تاركا قصيدته التي كتبها في مجاراة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود والتي ستصدر عما قريب ضمن كتاب ( روحي على راحتي ) .
وافتتح القراءات الشعرية الدكتور إياد عبد المجيد من العراق بقصيدة تحمل عنوان (إلى رمز الكلمة المقاتلة الشاعر الكبير عبد الرحيم محمود) يقول في مطلعها :
ما كان يقبل مجدا دونه سكنا في القدس إلا أن نرتدي من طهرها الكفنا
ونلحق الموت في أحداقنا أملا يشب عزأ وفي أرواحنا ارتهنا
لا نشرب الماء في ذل إذا احتربت وجوفنا يصطلي من نارها الرسنا .
ثم قرأت الشاعرة ربا شعبان من فلسطين قصيدة بعنوان عباءة القصائد ..عباءة الذاكرة تقول فيها
مضى ستون عاما أي حقل يكون حصاده شوك الغلال
ومفتاحي بصدري مثل قلب حميم النبض عذري الوصال
عباءتك الحميمة دثرتني بأنفاس البنفسج والتلال
عقب ذلك شاركت الشاعرة نادية أليف من الأردن في قصيدة بعنوان (احملوني ) حيث جارت قصيدة الشاعر الشهيد التي تحمل العنوان ذاته ، تقول فيها
لفلسطين خذوني
وبأرضي ازرعوني
ولأمي سلموني
وبحبها دثروني
اكتبوني بسطور
وللتاريخ أضيفوني .
ثم شارك الشاعر نايف الهريس من الإمارت بقصيدة تحمل عنوان (جاهد واستشهدا ) وهي مجاراة لقصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( الشهيد ) يقول في مطلعها
بروق على الشعر بين الندى تحج ثرى شاعر خلدا
تراب فلسطين زف نهاه غناء بدمع الثرى رددا
رأى رحبه في جنان النعيم تمنى الحياة ليستشهدا
وكذلك الشاعر علي مي من فلسطين جارى نفس القصيدة في قصيدته التي تحمل عنوان (الفتى )والتي يقول فيها
حملت الخلود لنا إذ حملت على راحتيك صنوف الردى
وعلمتنا أن نقدس جرحا تعالى عن الآه يوم الوغى
فلم نحن هاماتنا من رصاص سوى كي نقبل هذا الثرى
أما الشاعر الدكتور محمد ولد عبدي من موريتانيا والشاعرة عطاف جانم من الأردن والشاعر نصر بدوان من الأردن فقد وقع اختيارهم على قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( المسجد الأقصى ) وقد جاراها الشاعر الدكتور ولد عبدي بقصيدة تحمل عنوان (رضاعة شعرية )يقول في خاتمتها
قرن على ذكراك حين ب " عنبتا " أشرقت نجما للحياة تطلعه
أعطيت للأرض السليبة حقها حتى قضيت وحلم شعبك تشرعه
فاهنأ فروحك لم تمت فينا وما زلنا قصيدك للبراعم نرضعه
أما الشاعرة عطاف جانم فقد حملت قصيدتها عنوان (في القدس وعد بالحياة )
تقول في مطلعها :
يا درة الشهداء يا عبد الرحيم
أأجزت شعرك حيث دمك ضارعه !
يا درة الشعراء والأمراء هل
برق الشهادة في عروقك نابش
سر الزمان وذائعه .
إلى أن تختم بقولها :
والقدس مغتسل ........... شراب بارد
فاضرب برجلك أيها المضري وامتشق الحياة .
وبالنسبة للشاعر نصر بدوان من الأردن فقد حملت قصيدته عنوان ( نبوءة الأقصى ) حيث يقول فيها :
لم تزل روحك الطهر تحوم هناك
تطلّ من خاصرة الكون عليها علينا
تتملاّها من البحر للنهر
من النهر للبحر
من أقصاها لأقصاها
وبالعينين تحرسهما
قدسك والشجرة
أما الشاعر عبد الرزاق درباس من سوريا فقد قرأ قصيدة بعنوان ( من دفتر الوطن ) جارى فيها قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( نداء الوطن ) .
يقول في مطلعها :
غريب كيف يا وطني تنادي ؟ وتحسب أنني شبل الجهاد
وتطلب أن أكون على ثغور وحالي حال مكسور الفؤاد
أحبك أيها الوطن المفدى فحبك في المدى مائي وزادي
من جهتها قرأت الشاعرة نجاة الفارس من فلسطين قصيدة بعنوان ( نبضات سلمى ) في مجاراة قصيدة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود التي تحمل عنوان ( يا لائمي في الحب )
تقول فيها :
متطرفة أنا في حبك
متورطة في عشقك
غارقة في ضيائك
هائمة في فضائك
نورك دليلي
وحروفك ترتيلي .
وعقب القراءات الشعرية قدم الدكتور الناقد السوري أحمد عقيلي قراءة نقدية موجزة في القصائد المشاركة في الأمسية موضحا كيف جارى معظم الشعراء قصائد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود و كانت المجارة متباينة من حيث الالتزام في الوزن والقافية وشكل القصيدة ولكن توحدت أقلام الشعراء بمجاراة المضمون وهو الهم الوطني والجرح الفلسطيني .
وأضاف الدكتور أحمد عقيلي (بأن الشاعر عبد الرحيم محمود كان صاحب كلمة وموقف قوي، مارس النضال قولاً وفعلاً، ناضل في شعره من جهة، وحمل البندقية ثائراً مناضلاً من جهة أخرى، وقد دفع ثمن هذا الموقف حين روى تراب فلسطين الحبيبة من دمه، حيث قضى شهيداً في معركة الشجرة، شرقي مدينة الناصرة عام 1948م.
وقال إنها لفتة كريمة، وجهد مشكور، وعمل مبرور أن تقام مجاراة شعرية، تعتمد أساساً لها أشعار الشاعر الشهيد، ومعارضات الشعراء لها في عصرنا الراهن، مما يعيد هذه القامة الشعرية إلى الحياة في قلوبنا وأذهاننا وفكرنا، وإنه لشرف عظيم لي أن أكون أحد المشاركين في هذا العمل .
وفي ختام الأمسية كرم الأستاذ عمار الكردي رئيس الهيئة الإدارية لجمعية البيارة الثقافية والشاعر عبد السلام عطاري مدير عام الآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة الفلسطينية جميع المشاركين حيث سلموهم الدروع التذكارية .



التعليقات