كهرباء دايت !

كهرباء دايت !
بقلم  إبراهيم محمد ماضي
في غمرة تصفحي لموقع الفيسبوك قرأت تعليقاً استفزني حتى النخاع لشخص ما يصف فيه السعادة الغامرة التي يعيشها هو وأسرته بجدول قطع الكهرباء، وكيف أنه بات يشعر برومانسية المشاعر تجاه زوجته نتيجة ضوء الشموع ، بل أن أواصر عرى عائلته ازدادت متانة وقوة بعد أن ودّعوا التلفاز والانترنت والفيسبوك ووسائل الترفيه واستبدلوها بجلسات الأنس الأندلسية على موسيقى بابور الكاز السويدي!! وهنا ألتمس من القراء عذراً- خصوصاً أهل غزة الحقيقيين - لعدم إكمال باقي كلام صاحبنا حرصاً على مشاعرهم ومراعاة للظرف الصعب الذي يمرون فيه.
إن ما يحز في النفس ويندى له الجبين أن يستمرأ البعض الحال المقلوب ، ويعتاد الظلم ويتعايش معه بل ويستهويه .
فمشكلة الكهرباء التي يرزح تحتها شعبنا في غزة تفرض نفسها على تفكير الناس وتتحدى النسيان، ليس لأنها مشكلة يومية فقط، بل لأنها ذات تأثير مباشر على كل شيء المنازل، المستشفيات, المراكز الصحية، المياه، الصرف الصحي و... وكل المصالح الحيوية، و تلمس أغلب شرائح المجتمع من المهندس إلى الإعلامي والطالب وصاحب الحرفة والمطعم وربة البيت ..
وما يزيد الضغط النفسي هو عدم انتظام جدول إدارة الأزمة الذي تعده شركة توزيع الكهرباء لا من حيث الوقت ولا من حيث المنطقة الجغرافية، فكل شيء متغير وكل شيء متوقع مما يضطر المرء إلى أن يجعل من الكهرباء محور حياته ومركز اهتمامه ويكون جدول أعماله وزياراته وتنقلاته وطعامه ونومه متزامنًا مع مجيء التيار- الضعيف أصلاً -أو انقطاعه فجأة ودون سابق إنذار ما يجعل المرء عاجزًا عن التكيف مع الوضع ويجد نفسه أمام تعذيب بطيء ومن نوع مبتكر.
هذا إضافة لزيادة المصروفات - المنعدمة أساساً -الناتجة عن لجوء الناس لشراء المولدات الكهربائية بأنواعها ، ومن ثم رحلة البحث المكوكية عن وقود لتشغيلها ، انتهاءً بصيانتها المستمرة وإيجاد قطع غيارها الشحيحة ، والأخطر من ذلك كله ازدياد حوادث احتراق و انفجار هذه المولدات منخفضة الجودة.
ودعونا نتحدث بصراحة لماذا لا تستطيع شركة الكهرباء التعامل مع فاتورة الكهرباء المستوردة من إسرائيل إلى قطاع غزة، والتي تغطي حوالي 120 ميغاواط، هل يعقل أن 45 مليون شيقل شهرياً لا تستطيع شركة كهرباء غزة أن تدفع منها أي شيء ،هذا الكلام غير منطقي وغير مقبول ،إلا إذا كانت شركة الكهرباء تحاول استغلال معاناة شعبنا , وإدخاله في مهاترات سياسية وتصفية حسابات .
ولو قدر لك السير هذه الأيام في شوارع غزة والاستماع لحديث مجالسها فستقف على حقائق مفزعة ومواقف فكاهية في آن معاً ، فربما قد تستمع لبكاء خليل الذي فقد أولاده الثلاثة وزوجته بسبب الشموع الرومانسية الإجبارية التي أحرقت البيت بمن فيه .
ويا ويلك إذا لمحك معتز في وجهه وهو خارج يبحث عن سيارة نقل الماء لتملأ له التنك الفاضي منذ يومين ب 300 شيكل كان قد استدانها أصلاً ليطعم بها أولاده بقية الشهر .
واحذر توفيق الذي انتظر مشاهدة برنامج (من قتل ياسر عرفات) على قناة الجزيرة بفارغ الصبر ، وفقسته الكهرباء وهو مستعد لقتلك الآن .

وستضحك من حديث علا التي غسلت أسنانها بمعجون حلاقة أخيها أحمد ،
ومن يدري فقد تضطر لأن تسد أذنيك حتى لا تستمع للعنات ابوأحمد الخيّاط ، وأبو العبد صاحب مزرعة الدجاج ، وسعيد طالب التوجيهي ، وسهام الكوافيرة ، وصبحي المهندس ، وعلاء المبرمج ، وخليل صاحب القهوة.
وبعدها يا عزيزي سيحل عليك ظلام الشتاء ، وتستمع لصرير الأبواب وأصوات الرياح وضربات الشبابيك وكأنك في فيلم رعب ثلاثي الأبعاد لا ينقصه سوى ظهور الشبح المخيف في أية لحظة .
عندها وعندها فقط ستعلم أن الفكرة ليست مجرد كهرباء تنقطع ، الفكرة هي أنك تتجرد شيئاً فشيئاً من إنسانيتك حينما تشعر أن كل آلات الدنيا وتكنلوجيتها تختزل بضوء صغير في جوالك الحديث يبدد بعضاً من عتمة الحياة المُرة التي يحتسيها أهلنا في غزة كل يوم .