ياسر عرفات والحركة الطلابية
بقلم الأسير المقدسي: حسام زهدي شاهين
سجن جلبوع المركزي
كثيرة هي الأحداث والمسميات التي انبثقت عن ثورتنا الفلسطينية المعاصرة، وتعيد تذكيرنا يوماً بعد يوم بأبي الوطنية الفلسطينية، ومستخرج هويتنا من تحت ركام النكبة، الرجل الذي شق طريقه نحو الوطن من أوساط الحركة الطلابية الفلسطينية في المنافي والشتات، والذي أسس بمعية نخبة من رفاقه وأخوته من رجالات الرعيل الأول في بداية الخمسينيات من القرن الماضي رابطة الطلبة الفلسطينيين التي ولد من رحمها الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي مثل النواه الطليعية الأولى لتبلور حركة التحرير الوطني الفلسطيني وفي مقدمتها حركة فتح.
فعلاقة ياسر عرفات بالحركة الطلابية الفلسطينية علاقة الفرع بجذوره، حيث لم تنقطع أواصرها منذ كان طالباً في جامعة عين شمس بالقاهرة وحتى اللحظات التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة –شهيداً- في مشفى "بيرسي" العسكري بفرنسا. فهو دائماً، كان يدرك بأن هذه الشريحة تلعب دوراً محورياً في مسيرة الكفاح الوطني والتحرري من جهة، وتعبر عن ثقل التنظيمات ووزنها الجماهيري من جهة ثانية، لدرجة أن انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية كانت ولا زالت تمنح المراقب مؤشراً دقيقاً حول توجهات الرأي العام في الشارع الفلسطيني كونها تمثل نبضه، ناهيك عن أنها الفئة الأكثر نقاءً وبراءة وعطاءً لانعدام انخراطها في مصالح ومنافع ذاتية مباشرة!!.
ان اهتمام ياسر عرفات بالواقع الطلابي كان اهتماماً مباشراً، حاله كحال بقية شرائح المجتمع ومؤسساته التمثيلية، التي لا تمر عبر قنوات بيروقراطية قاتلة لروح الفرد والجماعة، وهذه من سمات الكرزماتية العرفاتية التي انسجمت مع طبيعة الثورة الفلسطينية حد التماهي، واتسمت بالعمق الجماهيري الذي أكسبها صفة الزعامة. وأثناء وجودي في قيادة الشبيبة الفتحاوية كان يجمعنا بهذا القائد اجتماعات شبه دورية، نناقش معه فيها آخر التطورات على الساحة الطلابية، وأدق التفاصيل التي تساعد الذراع الشبابي لحركة فتح على الاستنهاض والتطور. فكيف يستوي أن يتابع هذا الرجل المنغمس في العبء الوطني شؤون الحركة في أصغر كلية ومدرسة بينما يتابع شؤون القضية الوطنية مع مختلف زعماء العالم لو لم يكن يمتلك عبقرية تنظيمية فذه، وعقلية فريدة وطاقة نادره، قادره على الجمع والتعاطي مع كل هذه المشاكل والهموم بما يثمر في النهاية عن حلول مُرضية.
وأذكر أنه استدعانا في ربيع 1999م، قبيل انتخاب مجلس اتحاد الطلبة في جامعة القدس لمعرفة عدد المقاعد المتوقع حصول كتلة الشبيبة عليها في ظل التنافس الحاد الذي كان يسيطر على الأطر الطلابية، فقلت له: كل المعطيات العددية بين أيدينا تشير إلى أننا سنحصد 21 مقعداً على الأكثر، فقال لي بلهجته المصرية اللطيفة: ده مش كفاية علشان نشكل مجلس، وأنا عندي كمان تقريرين، واحد بيقول 25 مقعد والثاني 27؟! وذكر لنا مصدريهما، فقلت له: أتمنى ذلك يا سيادة الرئيس، مع أن الأرقام لدينا لا تخدم هذه التقديرات.
بعد خروج النتيجة في ساعات المساء وحصولنا على 21 مقعداً تلقيت اتصالاً هاتفياً من مكتب الرئيس يخبرني بأن سيادته يريد لقاءَنا عند العاشرة مساءً أنا وقيادة الشبيبة في الجامعة، وبالفعل توجهنا اليه، وكان بصحبتي كل من الأخوة: ظافر الريماوي، شرحبيل ريان، سامر ربيع، محمد الريماوي، زياد أبوعواد، عيس النواجعة وسامر السلامين، ان لم تخني الذاكرة. وهناك بعد ان استقبلنا بحفاوة ومحبة واحتضننا وقبلنا كعادته الابوية، طلب من مدير مكتبه الأخ الدكتور رمزي خوري أن يحضر لنا "سفط الحلو المذهب" من غرفة نومه، فنظرنا إلى وجوه بعضنا البعض باستغراب ودهشة، فلم يسبق لنا أن تناولنا هذا الحلو الممزوج بالذهب. ولدى عودة الدكتور رمزي فإذا به يحمل بين يديه علبة شوكولاته من نوع "فيريرو" المغلفة حبتها بورقة تحمل لون الذهب، تناول الرئيس العلبة وطاف بها علينا، وعندما وصلني قال لي مداعباً: دنت ليك حبتين، بس ما تكونش زبطتها بـ 21 علشان يكون تقديرك هو الصحيح، وضحك: فقلت له: عندما يتعلق الأمر بمصلحة الحركة والمصالح الوطنية أتمنى دائماً أن يكون تقديري هو الخاطئ في مقابل التقدير الأفضل، وأنت تعلم يا سيادة الرئيس بأننا في هذه الجامعة نحرز تقدماً مستمراً، ففي العام الماضي حصلنا على 19 مقعداً. فقال لنا وبنبرة جدية أكثر؛ أنا مهندس وصاحب عقلية رقمية، الارقام ما تغبش عن بالي خالص، وتاريخ تقدم الشبيبة في الجامعة حافظه كويس، انتم كنتم سبعة مقاعد وبعدين حصلتم تسعة، فاطنعشر، سبع طعشر، تسع طعشر، واحد وعشرين!! فذهلنا من سعة اطلاعه على أدق التفاصيل، وغادرنا مكتبه مصدومين ولكن سعداء.
استذكر هذه القصة في الذكرى التاسعة لرحيله، ونحن لازلنا كشعب برمته ننتظر نتائج التحقيق الذي يكشف الحقيقة عن ملابسات اغتياله، ويؤدي الى محاسبة المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة النكراء، خاصة بعد أن نبش ضريحه في العام الماضي بحجة هذه الذريعة، ولأذكر قيادتنا السياسية بالأسلوب العرفاتي السلس الذي كان ينبذ فيه منطق الاقصاء، ويحافظ من خلاله على قنوات مفتوحة حتى مع معارضيه ومنتقديه، ايماناً منه بأن قضيتنا الوطنية بشكل عام، وحركة فتح كأحد أدوات التحرير فيها، تحتاجان لكل الجهود والطاقات المخلصة بعيداً عن الانتقام القائم على ردات الفعل الفردية ذات الانعكاسات السلبية على المدى البعيد. فالقائد الذي يهمل القضايا الصغيرة، بالضرورة سيسيء التعامل مع القضايا الكبرى والمصيرية، لأنه قائد طارئ، ويفتقر للجذور الشعبية الثورية التي تستمد نسق حياتها من تربة "التراكم"، وإلا كيف ترسخت مكانة "الختيار" في أعماق أعماق وعينا الوطني على مختلف المراحل والأجيال؟!.
سجن جلبوع المركزي
كثيرة هي الأحداث والمسميات التي انبثقت عن ثورتنا الفلسطينية المعاصرة، وتعيد تذكيرنا يوماً بعد يوم بأبي الوطنية الفلسطينية، ومستخرج هويتنا من تحت ركام النكبة، الرجل الذي شق طريقه نحو الوطن من أوساط الحركة الطلابية الفلسطينية في المنافي والشتات، والذي أسس بمعية نخبة من رفاقه وأخوته من رجالات الرعيل الأول في بداية الخمسينيات من القرن الماضي رابطة الطلبة الفلسطينيين التي ولد من رحمها الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي مثل النواه الطليعية الأولى لتبلور حركة التحرير الوطني الفلسطيني وفي مقدمتها حركة فتح.
فعلاقة ياسر عرفات بالحركة الطلابية الفلسطينية علاقة الفرع بجذوره، حيث لم تنقطع أواصرها منذ كان طالباً في جامعة عين شمس بالقاهرة وحتى اللحظات التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة –شهيداً- في مشفى "بيرسي" العسكري بفرنسا. فهو دائماً، كان يدرك بأن هذه الشريحة تلعب دوراً محورياً في مسيرة الكفاح الوطني والتحرري من جهة، وتعبر عن ثقل التنظيمات ووزنها الجماهيري من جهة ثانية، لدرجة أن انتخابات مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية كانت ولا زالت تمنح المراقب مؤشراً دقيقاً حول توجهات الرأي العام في الشارع الفلسطيني كونها تمثل نبضه، ناهيك عن أنها الفئة الأكثر نقاءً وبراءة وعطاءً لانعدام انخراطها في مصالح ومنافع ذاتية مباشرة!!.
ان اهتمام ياسر عرفات بالواقع الطلابي كان اهتماماً مباشراً، حاله كحال بقية شرائح المجتمع ومؤسساته التمثيلية، التي لا تمر عبر قنوات بيروقراطية قاتلة لروح الفرد والجماعة، وهذه من سمات الكرزماتية العرفاتية التي انسجمت مع طبيعة الثورة الفلسطينية حد التماهي، واتسمت بالعمق الجماهيري الذي أكسبها صفة الزعامة. وأثناء وجودي في قيادة الشبيبة الفتحاوية كان يجمعنا بهذا القائد اجتماعات شبه دورية، نناقش معه فيها آخر التطورات على الساحة الطلابية، وأدق التفاصيل التي تساعد الذراع الشبابي لحركة فتح على الاستنهاض والتطور. فكيف يستوي أن يتابع هذا الرجل المنغمس في العبء الوطني شؤون الحركة في أصغر كلية ومدرسة بينما يتابع شؤون القضية الوطنية مع مختلف زعماء العالم لو لم يكن يمتلك عبقرية تنظيمية فذه، وعقلية فريدة وطاقة نادره، قادره على الجمع والتعاطي مع كل هذه المشاكل والهموم بما يثمر في النهاية عن حلول مُرضية.
وأذكر أنه استدعانا في ربيع 1999م، قبيل انتخاب مجلس اتحاد الطلبة في جامعة القدس لمعرفة عدد المقاعد المتوقع حصول كتلة الشبيبة عليها في ظل التنافس الحاد الذي كان يسيطر على الأطر الطلابية، فقلت له: كل المعطيات العددية بين أيدينا تشير إلى أننا سنحصد 21 مقعداً على الأكثر، فقال لي بلهجته المصرية اللطيفة: ده مش كفاية علشان نشكل مجلس، وأنا عندي كمان تقريرين، واحد بيقول 25 مقعد والثاني 27؟! وذكر لنا مصدريهما، فقلت له: أتمنى ذلك يا سيادة الرئيس، مع أن الأرقام لدينا لا تخدم هذه التقديرات.
بعد خروج النتيجة في ساعات المساء وحصولنا على 21 مقعداً تلقيت اتصالاً هاتفياً من مكتب الرئيس يخبرني بأن سيادته يريد لقاءَنا عند العاشرة مساءً أنا وقيادة الشبيبة في الجامعة، وبالفعل توجهنا اليه، وكان بصحبتي كل من الأخوة: ظافر الريماوي، شرحبيل ريان، سامر ربيع، محمد الريماوي، زياد أبوعواد، عيس النواجعة وسامر السلامين، ان لم تخني الذاكرة. وهناك بعد ان استقبلنا بحفاوة ومحبة واحتضننا وقبلنا كعادته الابوية، طلب من مدير مكتبه الأخ الدكتور رمزي خوري أن يحضر لنا "سفط الحلو المذهب" من غرفة نومه، فنظرنا إلى وجوه بعضنا البعض باستغراب ودهشة، فلم يسبق لنا أن تناولنا هذا الحلو الممزوج بالذهب. ولدى عودة الدكتور رمزي فإذا به يحمل بين يديه علبة شوكولاته من نوع "فيريرو" المغلفة حبتها بورقة تحمل لون الذهب، تناول الرئيس العلبة وطاف بها علينا، وعندما وصلني قال لي مداعباً: دنت ليك حبتين، بس ما تكونش زبطتها بـ 21 علشان يكون تقديرك هو الصحيح، وضحك: فقلت له: عندما يتعلق الأمر بمصلحة الحركة والمصالح الوطنية أتمنى دائماً أن يكون تقديري هو الخاطئ في مقابل التقدير الأفضل، وأنت تعلم يا سيادة الرئيس بأننا في هذه الجامعة نحرز تقدماً مستمراً، ففي العام الماضي حصلنا على 19 مقعداً. فقال لنا وبنبرة جدية أكثر؛ أنا مهندس وصاحب عقلية رقمية، الارقام ما تغبش عن بالي خالص، وتاريخ تقدم الشبيبة في الجامعة حافظه كويس، انتم كنتم سبعة مقاعد وبعدين حصلتم تسعة، فاطنعشر، سبع طعشر، تسع طعشر، واحد وعشرين!! فذهلنا من سعة اطلاعه على أدق التفاصيل، وغادرنا مكتبه مصدومين ولكن سعداء.
استذكر هذه القصة في الذكرى التاسعة لرحيله، ونحن لازلنا كشعب برمته ننتظر نتائج التحقيق الذي يكشف الحقيقة عن ملابسات اغتياله، ويؤدي الى محاسبة المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة النكراء، خاصة بعد أن نبش ضريحه في العام الماضي بحجة هذه الذريعة، ولأذكر قيادتنا السياسية بالأسلوب العرفاتي السلس الذي كان ينبذ فيه منطق الاقصاء، ويحافظ من خلاله على قنوات مفتوحة حتى مع معارضيه ومنتقديه، ايماناً منه بأن قضيتنا الوطنية بشكل عام، وحركة فتح كأحد أدوات التحرير فيها، تحتاجان لكل الجهود والطاقات المخلصة بعيداً عن الانتقام القائم على ردات الفعل الفردية ذات الانعكاسات السلبية على المدى البعيد. فالقائد الذي يهمل القضايا الصغيرة، بالضرورة سيسيء التعامل مع القضايا الكبرى والمصيرية، لأنه قائد طارئ، ويفتقر للجذور الشعبية الثورية التي تستمد نسق حياتها من تربة "التراكم"، وإلا كيف ترسخت مكانة "الختيار" في أعماق أعماق وعينا الوطني على مختلف المراحل والأجيال؟!.
