الصفح عن القاتل احتراماً لذكرى المقتول !!

الصفح عن القاتل احتراماً لذكرى المقتول !!
بقلم : إبراهيم محمد ماضي

الآن وبعد تسع سنوات عجاف مرت على الذاكرة الفلسطينية التي تأبى أن تنسى ثاراتها ، ولا ترضى الاستكانة أو التفريط بحق شهدائها .
تسع سنوات وكل فلسطيني وحر في العالم يعلم أن ظروف وفاة الزعيم أبو عمار لم تكن طبيعية وأن وراء الأكمة ما ورائها .
تسع سنوات ولم يشك عاقل أن حكومة ارييل شارون قد حصلت على الضوء الأصفر - على أقل تقدير -من الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت للتخلص من (الختيار) باعتباره عائق أمام سير وتقدم عملية السلام والأمن في المنطقة .
الآن والآن فقط أصبح لدينا كفلسطينين أدلة دامغة ، وحقائق ملموسة ، وشهود ثقات على عملية الاغتيال الجبانة بحق رمز العودة وعنوان المقاومة وآخر الشرفاء .
ذلك الحاضر الغائب الذي شعر بدنو أجله ، واشتاق للقاء ربه وصرخ بهم : شهيداً .. شهيداً .. شهيداً .
الآن والآن فقط بإمكان الزعيم أن يبات قرير العين في مرقده ، وهو الذي علم -فور إحساسه بالسم يجري في جسده - أن ما حدث له عملية تصفية وخرج في الساعة الواحدة فجرا من غرفته والرغاوي تملأ فمه وقال لمن حوله : "طالوني ونجحوا في القضاء علي"
والحق يقال أن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق إلا بأمرين :
أولهما (قناة الجزيرة) التي نفضت الغبار عن هذا الملف والتي -اتفقنا حولها أو اختلفنا-تعاملت معه بمهنية واحترافية عالية ، وهي التي كان لها مع الفقيد ذاته منعرجات صعود وهبوط .
وثانيهما السيدة (سهى عرفات) أرملة الرئيس ورفيقة كفاحه ونضاله والتي بإصرارها وتفانيها أبقت جذوة التحقيق بوفاة "الختيار" مشتعلة ،فلم يمت الحق الذي طالبت به ، وعرف العالم كله اليوم وعلى لسان أطباء مختصين وعبر أرقى المعامل المختصة أن السبب الحقيقي لوفاة القائد هي وجود كميات كبيرة من مادتي (البولونيوم 210) و ( الرصاص المشع 210) .
لكن ما يثير الدهشة ، ويبعث على الاشمئزاز موقف بعض الأقلام الموتورة التي ساءها كشف الحقيقة ، وما أحدثه هذا التقرير من ردود فعل محلية ودولية واسعة، فباتت ملكية أكثر من الملوك باستماتتها في الدفاع عن السلطة الفلسطينية ورجالاتها ،التي لم يتهمها أحد صراحة ، على الرغم من أنه من أبجديات التحقيق في جريمة من هذا النوع عدم استثناء أحد من دائرة الشبهات حتى يثبت العكس ، وأن وجود يد عميلة ونفس منافقة ومريضة لا يضير السلطة ولا الفلسطينيين ، خصوصاً إذا علمنا أن الراحل ابوعمار كان شديد الحذر والحيطة في كل ما يأتيه من خارج المقاطعة .
وهذه الأصوات نفسها التي تباكت على فتح قبر الشهيد عرفات واستخراج عظامه ، والتي تنادي باحترام ذكرى الفقيد هي كمن يطلب من أهل الدم الصفح عن القاتل احتراماً لذكرى المقتول !!