من ذكاء الفكاهة وعقلانية الضحك
فيينا النمسا-دنيا الوطن-ناصر الحايك
مرة أخرى يطل علينا الدكتور والمفكر نديم سراج الدين بإطلالة ولكن من نوع آخر.
إطلالة خالية من الهم والنكد والكدر والأمراض وأخبار الاكتشافات الطبية وبطولات الأطباء الذين يبذلون الغالي والنفيس من أجل تخفيف معاناة والآم البشرية قاطبة .
أطباء هم في حقيقة الأمر أو غالبيتهم يعملون بقصد أو بدون علم!! لصالح شركات أدوية نهمة تغدق عليهم بما تشتهى الأنفس وأحيانا أكثر بقليل...إذا ما وفق الله هؤلاء الأطباء في أداء مهامهم النبيلة و"العسيرة" ونجحوا في ترويج هذا المنتج أو ذاك بهدف "شفاء مرضى" يتعلقون أحيانا بسراب يسمونه الأمل .
ها هي دراسة فلسفية للفيلسوف والأستاذ الجامعي الثائر كما يصفه البعض ، سراج الدين ( طبيب عيون من أصل سوري مقيم في ألمانيا) ، دراسة تأخذنا في جولة على بساط المرح والفكاهة ، بعيدا عن أجواء ملغومة بالأوبئة والفيروسات ولو لحين.
من ذكاء الفكاهة و عقلانية الضحك
وعلاقتهم بالسياسة والعلم
دراسة فلسفية
د.نديم سراج
المقدمة :
إنه من البديهيات أن يأكل الإنسان 3 وجبات يومياً وأن ينام 7 إلى 8 ساعات وإلخ ،
ومن المعروف أيضاً أن الرجال لا يسمعون كلام زوجاتهم وأن النساء غير قادرات على صف السيارة على الرصيف .
ونلاحظ أيضاً أن الرجال يلعبون بأنوفهم عندما يقفون أمام الضوء الأحمر في السيارة وذلك من الملل والشعور بغير المراقبة ، والنساء ينظرون في المرآة ويراقبون اللون الأحمر في شفاههم والشعر الممشط....
ولكن ما هو المعروف عن الفكاهة والضحك ؟؟؟ وهل هناك كمية معينة أو قاعدة أو ميزان دقيق في ممارسة الفكاهة والضحك ؟؟
طبعاً لا يوجد قاعدة لذلك ..ولكن لماذا رغم ضرورة الضحك والسرور في الحياة اليومية ؟؟!! ويوجد مثل ألماني يقول : يوم من غير ضحك هو يوم ضائع .
إذاً :
قاعدة الفكاهة والمرح تتراوح وتتحرك بين قطبين هما قطب الضرورية وقطب الصدفة وبذلك تكون العلاقة بين الجدية والضحك علاقة غير منتظمة نستطيع القول عنها أنها علاقة فوضوية مزاجية عفوية وأيضا فردية.
ما هو المرح ولماذا قمنا بهذه الدراسة ؟؟؟!!!
إن للمرح وجهين :
أولا: وجه سطحي ملموس وإحساسه معروف عامة نقابله في حياتنا اليومية ويحصل على المستوى النفسي.
ثانياً : وجه عميق مجرد يصعب علينا ترجمته أو صياغته بلغة وكلمات واضحة ، لذلك نحاول رفع هذه الدراسة على الصعيد الفلسفي العالي وبلورة مبادئه حتى لا نغوص بالتفاصيل ونفقد المعنى .
إن دراسة الفلسفة عامة تكون إما عن طريق البحث في تاريخ المفكرين ، من اليونانيين إلى العصور الوسطى إلى العصر الحديث ، ويعبر عنها شخصيات تاريخية هامة أرسطو أو أفلاطون وغيرهم ....
أما الطريق الثاني فهو البحث عن طريق الأسلوب المنظم التالي :
أولا: الفلسفة النظرية : نتداول فيها المنطق والنظرية العلمية (Methodology)
ونبحث فيها أيضاً علاقة النظرية وتطبيقها على الواقع أو وصف علاقة الشكل والمحتوى (Form and Content) .
ثانياً : الفلسفة العملية تبحث في علم الأخلاق وعلم القيم(Values) .
ثالثاً : فلسفة الفنون وتعني علم الجمال (Esthetics) ويُدرس فيها موضوع الدراما والشعر ونقد التصرف وعلاقته مع مبدأ اللذة والكيف .
والآن إذا طرحنا السؤال على أحد ما : ما هي الفكاهة؟؟!!
هذا السؤال يسبب أحياناً مفاجأة وبسمة وحيرة حتى السكوت وكل ما ركزنا على هذا الحديث ينقلب جو الفكاهة والمرح إلى جو الجدية والانعكاس ، ولكن بالنهاية نستطيع القول أن هذا الموضوع يستحق التحليل والحديث عنه لأنه بالنهاية وبالجوهر ما هو إلا شيء جميل فتّان وإيجابي .
إذاً يكون تعريف الفكاهة : هي تغيير الحديث العادي أو الحوار بفكرة جديدة من وضع مألوف عادي إلى حدث خاص يبقى طويلاً في الذاكرة .
الفكاهة =حوار + فكرة جديدة
وهذا يعني أن الفكاهة تدخل فوضى في النظام اللغوي والتصرف الاجتماعي المعروف لأن محتوى الفكاهة مبدئياً هو تحريك الحوار إلى مستوى أعلى وتدويره حتى يكون خارج المنطق اليومي وخارج عن القياس ويكون بذلك الحوار فردي شخصي فريد من نوعه .
فالفكاهة تظهر كإشارة أو رمز يربط فيه السؤال بالجواب مما يدفع الإنسان للإحساس والاستمتاع بالموضوع نفسه .
ففي هذا النوع من الحوار الفكاهى تتداخل العقلانية مع العاطفة وبذلك نستطيع أن نعمق و نميز ماهية تركيب العلاقة الإنسانية ، وكما سيرد إن الذكاء هو من أهم الصفات التي تميز الإنسان عن الحيوان لذلك يظهر بوضوح بأن المرح والفكاهة هي من صفة المجتمعات الذكية عكس الجدية الحيوانية وكما نعرف يقال "وجه ناشف" وأصل كلمة (Humor) لاتيني ومعناها اللغوي هو الرطوبة والرطوبة من الناحية النفسية وكما هو معروف هي المزاج "Temperament" وهي تعبر عن وجود توازن بين العناصر الدم واللعاب والعصارة الصفراوية .
وهنا نريد أن نذكر أن الدراسات النفسية للفكاهة تأثرت بنظريات سيغموند فرويد "S.Freud" وغيره التي تعبر عن إظهار الفكاهة كنوع من المعالجة النفسية لتخفيف الآلام.
وبتطبيق الفكاهة يبرهن الإنسان بأنه قادر على لقط وفهم الوضع الراهن ورفعه إلى مستوى جديد وعالي الأمر الذي يجبرنا على الشعور بالسرور والسعادة .
وكما نعرف بأن هذا من أهم أهداف الحياة والوجود الإنساني .
إذاً : الفكاهة هي قلب التوازن بين السبب والفعل وخلق توتر نفسي اجتماعي الأمر الذي يغير وجهة نظرنا للأمور ويدفعنا إلى التعلم .
إذاً : إذا طورنا الدراسة من التركيب الشكلي إلى المحتوى فيمكننا القول أن الفكاهة هي إظهار ما هو المعقول والغير معقول وذو المعنى وعديم المعنى وبذلك نزيل القناع عن وجه الإنسان لإظهار حقيقته الأصلية .
أما المحتوى الثاني للفكاهة فهو عامل الوقت الذي هو عنصر مهم فإذا أدليت بملاحظة أو تعليق فيكمن السؤال هنا هل فهمها الآخر بسرعة أو أنه إحتاج إلى وقت أو ضاعت عليه الفرصة .
طبعاً هذا يحتاج إلى سرعة بديهة وقوة لغوية ومستوى أدبي الذي هو من العناصر الأساسية للفكاهة .
وإن فهم الفكاهة تابع للثقافة الوطنية واللغة المحلية بحيث لايمكن بشكل عام ترجمة النكتة أو المزحة من لغة إلى لغة أخرى بسبب وجود تقاليد معينة للشعوب وعلى سبيل المثال المرح والفكاهة في النقاش الأوروبي أصله أنكلترا وليس ألمانيا .
الذكاء هو أحد الصفات التي تميز الإنسان عن الحيوان ، وبذلك يكون المرح من صفات المجتمعات الذكية بعكس الجدّية الحيوانية .
والمرح هو البرهان الواضح لاستيعاب الشخص للوضع الراهن " Situation "
ورفعه إلى مستوى عالي يستلذ فيه بالحوار الجميل الذي يجلب السرور والسعاده.
والسعاده هي جوهر الحياة .
إن التركيب الشكلي المنطقي للمرح هو حل العلاقة بين السبب والفعل "Cause - Effect Relation" أو إحلال توازن بين بعضهم البعض وإحداث توتر نفسي إجتماعي لخلق وضع جديد .
محتوى المرح هو تحريك المفاهيم و إظهار المعقول وغير المعقول ، ذو المعنى والمنطق وعديم المعنى وعديم المنطق ، أي أنّه يزيل القناع عن الوجه فميكانيكية الفرح هو الوقت ، ببطئه وسرعته ، لفهم ما هو موجود والإلمام بالحاضر، وكما يقول المثل: " الديك الفحيح من البيضة بيصيح ."
وبذلك نغير وجهة نظرنا من جهة إلى أخرى ، ونفتح آفاق جديدة نتعلم فيها مباشرة من تجاربنا اليومية ، وذلك يغلبنا على حياتنا الروتينية الممّلة .
هدف المرح على كل حال ليس الضحك ، بل خلق التفكير المتميز ، وخلق جو لطيف إيجابي ، والضحك لوحده كما يتبناه البعض كنوع من السرور الاصطناعي بغياب أفكار ذكية ليس له معنى " كما يضع المهرج نقطة حمراء على أنفه " "ووجود يوم عالمي للضحك " هذا كله تهريج وليس مرحاً .
الضحك :
المرح يسبب أكثر الأحيان الضحك ، والضحك هو ظاهرة جسمية وخصوصاً بالوجه ، وفهم النكتة هو عمل عقلاني ، مجرّد صافي محض ، أي بعد التقاط نواة الحكاية نبدأ بالضحك وليس العكس ، وذلك يحتاج أحياناً إلى عدة ثواني التي هي حاسمة ، وهذا العمل الفكري المحض ليس له علاقة بالعواطف – وكما عبّر عن ذلك الفيلسوف هنري برغسون "H.Bergson": إن أكبر عدو للضحك هو العاطفة "Emotion" . ففي ثقافتنا العربية يُقال "الضحك الكثير يعمي الفؤاد "
وبذلك نستطيع القول بأن الضحك هو تفكير بصوت عالي ، وينتج عنه السرور والفرح والارتياح ، حيث أن الجسم يرتخي ،والضحك القوي يسبب خروج الدمع من العينين ، وهذا ما نعرفه عن البكاء والزعل ،
إذاً : البكاء والضحك لهما نفس التركيب الشكلي ، وقاسمهما المشترك هو بنج القلب " Anaestesy of Heart" كما عبر عنها برغسون .
إن المرح والضحك أكثر الأحيان هما احتجاج على الواقع المزعج ، وطريقة إيجابية للنضوج النفسي ، ومثال لتوازن القوى الفكرية والجسمية ، ويفيدا الصحة وينفعا الإنسان بتطويل حياته حتى ولو كم أسبوع .
وبالنهاية الأناني الخفيف هو الذي يضحك مطولاً ويبقى مشغول في نفسه ، والرجل ذو العزيمة يُضحك الغير ولا يضحك .
فالضحك له صفتين :
- أولاً : التقارب ." Communication " .
- ثانياً : تساوي القيمة الإنسانية ومعناها الشعور بالأخوة والرجوع إلى الطفولة .
الفكاهة والضحك في العلم :
من الناحية الثقافية الأدبية نستطيع القول بأن العلم والمعرفة مثل الدواء له طرف نافع ولكن أكثر الأحيان له عامل جانبي سلبي ، فالعلم من الناحية المنطقية هو تحليل وتحديد وتفريق الأفكار وبذلك يكون هذا النوع من التفكير مربوط بالانكماش على النفس والانعزال عن الآخر ، هذا الوضع الفكري عبر عنه الفيلسوف هيغل "Hegel" بأن العلم بصورة عامة له عامل سلبي وهو الاستغراب بالإنكليزية "Alienation" وبالألمانية "Entfremdung" وتعني بالإنكليزية خلل بالعقل وانكماش على النفس والابتعاد عن الآخر كما نراه في بعض الأحيان عند الفيلسوف المشتت .
شخصياً كنت أدرس في المكتبات بصورة منتظمة وعندما سألت أحد الموظفين المراقبين في المكتبة ما هي تجاربك مع الطلاب والزائرين وما هي ملاحظاتك قال لي :
عندما يدخل أحد ما إلى المكتبة في الساعة 9 صباحاً بوجه مبتسم لطيف وبشوش بعد ساعتين من الدراسة أو المطالعة يخرج ورأسه في الأرض وكأنما رأسه تحت كتفيه .
ما هي أسباب هذه التصرفات ؟
فرق الفيلسوف الألماني ماكس شيلر "Max Scheler" بين ثلاث أنواع من المعرفة :
· علم ديني سماوي ميتافيزيقي ويريد منه الإنسان الدخول إلى الجنة والتقرب من الآلهة "Salvation" .
· علم أدبي إنساني للتقارب مع الآخر وكسبه للحوار "Commnication" .
· علم السيطرة "Domination" .
كما عبر عن ذلك بوضوح الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبرس "Thomas Hobbes" حيث أن هذا النوع من التفكير لا يساعد على ممارسة الفكاهة والمرح ، فكلما زادت معلومات الإنسان عن المعرفة ما نسميه العالم الاختصاصي كلما دخل بالتفاصيل وكلما زاد فقدان التوجيه الفكري (أي النقص) فاللغة العلمية الخاصة كما نعرفها من المؤتمرات العلمية خارجة عن اللغة العادية وعن منطق العقل السليم الذي هو موجود عند كل إنسان عادي عاقل بغض النظر عن وضعه الاجتماعي .
وفي العصر الحاضر إن المحرك الفاعل في المجتمعات المتمدنة هو العلم ومنطق البحث العلمي ، وهذا النوع من التفكير هو تجريبي اصطناعي مكتسب وهذه الصفات العقلانية تكون كنوع جديد ثانوي متوازي مع الطبيعة الأصلية .
وبما أن التطور العلمي متسارع أكثر الأحيان فالواقع لا يمكن استيعابه من نظريات فكرية قادرة على التنبؤ.
إذاً القوة العلمية لا تسمح بسهولة بممارسة المرح والفكاهة ما نسميه في الفلسفة "instrumental Mind" أي التفكير الوظائفي أو الآلي .
المعادلة القديمة هي : المعقول هو الواقع والواقع هو المعقول
المعادلة الجديدة تكون : القوة هي المعرفة والمعرفة هي العقل .
ونستطيع القول أن هيمنة الاختصاص على التفكير والتخطيط العلمي جعل العالِم هو الوحيد صاحب الفكر والحكمة .
ويوجد مثل ألماني يقول : إنه قادر أن يأكل الحكمة بالملعقة .
الخاتمة:
إن التركيب المنطقي للفكاهة هي الجدلية " Dialectic " ومعناها الحركة الداخلية للمفاهيم ومعناها الحركة العفوية للأفكار والجمل إلى أبعاد عالية يصعب أحياناً التنبؤ بتطورها .
إذاً طابع الفكاهة هو المغامرة وهذا يعني التغلب على الخوف من الفكاهة التي أحياناَ تنقلب على العكس وتضع الإنسان في وضع محرج حتى البهدلة .
إذا كان علم الإنسان مع الوقت يتطور فيه إلى النضوج والحكمة وللتفتح وهذا ما نسميه بالجدلية الإيجابية ونتيجة تماسك الشخصية وقوة المنطق وثبات الأسلوب وبالنهاية هي طريقة تفكير مسالمة ومدنية .
أما إذا كانت الجدلية سلبية فتتطور إلى تشاؤم وحذر وهناك مثل ألماني يقول :
إذا كان الإنسان معقد نفسياً وأراد الضحك فلينزل إلى القبو لوحده ويضحك .
إن تأثير العلم على الوعي هو موضوع نفسية واجتماعية المعرفة
"Sociology + Psychology of Knowledge"
لذلك فإن تطور المجتمعات نحو المجتمعات العلمية من الأقلية إلى الأكثرية لها عوامل ذات صفات عامة .
فالعلم يفرق ويحلل ويتضارب حتى العنف كتحليل منطق البحث العلمي
" Logic of scientific Discovery" وهذا أدى إلى نتيجة فحواها :
أنه من الأحسن أن تموت نظريات من أن يموت أشخاص وهذا ما نراه في التلفزيون في مناقشات الأحزاب والبرلمانات.
وبالنهاية :
إن ممارسة الفكاهة هو تحقيق القيم الإنسانية العامة والعالمية مثل قيمة الجمال الطيبة والحقيقية والقدسية لذلك ندفع أنفسنا وغيرنا إلى التقدم والسمو الذي هو قاسمنا المشترك بغض النظر عن الجنس والوضع الاجتماعي والعلمي.
مرة أخرى يطل علينا الدكتور والمفكر نديم سراج الدين بإطلالة ولكن من نوع آخر.
إطلالة خالية من الهم والنكد والكدر والأمراض وأخبار الاكتشافات الطبية وبطولات الأطباء الذين يبذلون الغالي والنفيس من أجل تخفيف معاناة والآم البشرية قاطبة .
أطباء هم في حقيقة الأمر أو غالبيتهم يعملون بقصد أو بدون علم!! لصالح شركات أدوية نهمة تغدق عليهم بما تشتهى الأنفس وأحيانا أكثر بقليل...إذا ما وفق الله هؤلاء الأطباء في أداء مهامهم النبيلة و"العسيرة" ونجحوا في ترويج هذا المنتج أو ذاك بهدف "شفاء مرضى" يتعلقون أحيانا بسراب يسمونه الأمل .
ها هي دراسة فلسفية للفيلسوف والأستاذ الجامعي الثائر كما يصفه البعض ، سراج الدين ( طبيب عيون من أصل سوري مقيم في ألمانيا) ، دراسة تأخذنا في جولة على بساط المرح والفكاهة ، بعيدا عن أجواء ملغومة بالأوبئة والفيروسات ولو لحين.
من ذكاء الفكاهة و عقلانية الضحك
وعلاقتهم بالسياسة والعلم
دراسة فلسفية
د.نديم سراج
المقدمة :
إنه من البديهيات أن يأكل الإنسان 3 وجبات يومياً وأن ينام 7 إلى 8 ساعات وإلخ ،
ومن المعروف أيضاً أن الرجال لا يسمعون كلام زوجاتهم وأن النساء غير قادرات على صف السيارة على الرصيف .
ونلاحظ أيضاً أن الرجال يلعبون بأنوفهم عندما يقفون أمام الضوء الأحمر في السيارة وذلك من الملل والشعور بغير المراقبة ، والنساء ينظرون في المرآة ويراقبون اللون الأحمر في شفاههم والشعر الممشط....
ولكن ما هو المعروف عن الفكاهة والضحك ؟؟؟ وهل هناك كمية معينة أو قاعدة أو ميزان دقيق في ممارسة الفكاهة والضحك ؟؟
طبعاً لا يوجد قاعدة لذلك ..ولكن لماذا رغم ضرورة الضحك والسرور في الحياة اليومية ؟؟!! ويوجد مثل ألماني يقول : يوم من غير ضحك هو يوم ضائع .
إذاً :
قاعدة الفكاهة والمرح تتراوح وتتحرك بين قطبين هما قطب الضرورية وقطب الصدفة وبذلك تكون العلاقة بين الجدية والضحك علاقة غير منتظمة نستطيع القول عنها أنها علاقة فوضوية مزاجية عفوية وأيضا فردية.
ما هو المرح ولماذا قمنا بهذه الدراسة ؟؟؟!!!
إن للمرح وجهين :
أولا: وجه سطحي ملموس وإحساسه معروف عامة نقابله في حياتنا اليومية ويحصل على المستوى النفسي.
ثانياً : وجه عميق مجرد يصعب علينا ترجمته أو صياغته بلغة وكلمات واضحة ، لذلك نحاول رفع هذه الدراسة على الصعيد الفلسفي العالي وبلورة مبادئه حتى لا نغوص بالتفاصيل ونفقد المعنى .
إن دراسة الفلسفة عامة تكون إما عن طريق البحث في تاريخ المفكرين ، من اليونانيين إلى العصور الوسطى إلى العصر الحديث ، ويعبر عنها شخصيات تاريخية هامة أرسطو أو أفلاطون وغيرهم ....
أما الطريق الثاني فهو البحث عن طريق الأسلوب المنظم التالي :
أولا: الفلسفة النظرية : نتداول فيها المنطق والنظرية العلمية (Methodology)
ونبحث فيها أيضاً علاقة النظرية وتطبيقها على الواقع أو وصف علاقة الشكل والمحتوى (Form and Content) .
ثانياً : الفلسفة العملية تبحث في علم الأخلاق وعلم القيم(Values) .
ثالثاً : فلسفة الفنون وتعني علم الجمال (Esthetics) ويُدرس فيها موضوع الدراما والشعر ونقد التصرف وعلاقته مع مبدأ اللذة والكيف .
والآن إذا طرحنا السؤال على أحد ما : ما هي الفكاهة؟؟!!
هذا السؤال يسبب أحياناً مفاجأة وبسمة وحيرة حتى السكوت وكل ما ركزنا على هذا الحديث ينقلب جو الفكاهة والمرح إلى جو الجدية والانعكاس ، ولكن بالنهاية نستطيع القول أن هذا الموضوع يستحق التحليل والحديث عنه لأنه بالنهاية وبالجوهر ما هو إلا شيء جميل فتّان وإيجابي .
إذاً يكون تعريف الفكاهة : هي تغيير الحديث العادي أو الحوار بفكرة جديدة من وضع مألوف عادي إلى حدث خاص يبقى طويلاً في الذاكرة .
الفكاهة =حوار + فكرة جديدة
وهذا يعني أن الفكاهة تدخل فوضى في النظام اللغوي والتصرف الاجتماعي المعروف لأن محتوى الفكاهة مبدئياً هو تحريك الحوار إلى مستوى أعلى وتدويره حتى يكون خارج المنطق اليومي وخارج عن القياس ويكون بذلك الحوار فردي شخصي فريد من نوعه .
فالفكاهة تظهر كإشارة أو رمز يربط فيه السؤال بالجواب مما يدفع الإنسان للإحساس والاستمتاع بالموضوع نفسه .
ففي هذا النوع من الحوار الفكاهى تتداخل العقلانية مع العاطفة وبذلك نستطيع أن نعمق و نميز ماهية تركيب العلاقة الإنسانية ، وكما سيرد إن الذكاء هو من أهم الصفات التي تميز الإنسان عن الحيوان لذلك يظهر بوضوح بأن المرح والفكاهة هي من صفة المجتمعات الذكية عكس الجدية الحيوانية وكما نعرف يقال "وجه ناشف" وأصل كلمة (Humor) لاتيني ومعناها اللغوي هو الرطوبة والرطوبة من الناحية النفسية وكما هو معروف هي المزاج "Temperament" وهي تعبر عن وجود توازن بين العناصر الدم واللعاب والعصارة الصفراوية .
وهنا نريد أن نذكر أن الدراسات النفسية للفكاهة تأثرت بنظريات سيغموند فرويد "S.Freud" وغيره التي تعبر عن إظهار الفكاهة كنوع من المعالجة النفسية لتخفيف الآلام.
وبتطبيق الفكاهة يبرهن الإنسان بأنه قادر على لقط وفهم الوضع الراهن ورفعه إلى مستوى جديد وعالي الأمر الذي يجبرنا على الشعور بالسرور والسعادة .
وكما نعرف بأن هذا من أهم أهداف الحياة والوجود الإنساني .
إذاً : الفكاهة هي قلب التوازن بين السبب والفعل وخلق توتر نفسي اجتماعي الأمر الذي يغير وجهة نظرنا للأمور ويدفعنا إلى التعلم .
إذاً : إذا طورنا الدراسة من التركيب الشكلي إلى المحتوى فيمكننا القول أن الفكاهة هي إظهار ما هو المعقول والغير معقول وذو المعنى وعديم المعنى وبذلك نزيل القناع عن وجه الإنسان لإظهار حقيقته الأصلية .
أما المحتوى الثاني للفكاهة فهو عامل الوقت الذي هو عنصر مهم فإذا أدليت بملاحظة أو تعليق فيكمن السؤال هنا هل فهمها الآخر بسرعة أو أنه إحتاج إلى وقت أو ضاعت عليه الفرصة .
طبعاً هذا يحتاج إلى سرعة بديهة وقوة لغوية ومستوى أدبي الذي هو من العناصر الأساسية للفكاهة .
وإن فهم الفكاهة تابع للثقافة الوطنية واللغة المحلية بحيث لايمكن بشكل عام ترجمة النكتة أو المزحة من لغة إلى لغة أخرى بسبب وجود تقاليد معينة للشعوب وعلى سبيل المثال المرح والفكاهة في النقاش الأوروبي أصله أنكلترا وليس ألمانيا .
الذكاء هو أحد الصفات التي تميز الإنسان عن الحيوان ، وبذلك يكون المرح من صفات المجتمعات الذكية بعكس الجدّية الحيوانية .
والمرح هو البرهان الواضح لاستيعاب الشخص للوضع الراهن " Situation "
ورفعه إلى مستوى عالي يستلذ فيه بالحوار الجميل الذي يجلب السرور والسعاده.
والسعاده هي جوهر الحياة .
إن التركيب الشكلي المنطقي للمرح هو حل العلاقة بين السبب والفعل "Cause - Effect Relation" أو إحلال توازن بين بعضهم البعض وإحداث توتر نفسي إجتماعي لخلق وضع جديد .
محتوى المرح هو تحريك المفاهيم و إظهار المعقول وغير المعقول ، ذو المعنى والمنطق وعديم المعنى وعديم المنطق ، أي أنّه يزيل القناع عن الوجه فميكانيكية الفرح هو الوقت ، ببطئه وسرعته ، لفهم ما هو موجود والإلمام بالحاضر، وكما يقول المثل: " الديك الفحيح من البيضة بيصيح ."
وبذلك نغير وجهة نظرنا من جهة إلى أخرى ، ونفتح آفاق جديدة نتعلم فيها مباشرة من تجاربنا اليومية ، وذلك يغلبنا على حياتنا الروتينية الممّلة .
هدف المرح على كل حال ليس الضحك ، بل خلق التفكير المتميز ، وخلق جو لطيف إيجابي ، والضحك لوحده كما يتبناه البعض كنوع من السرور الاصطناعي بغياب أفكار ذكية ليس له معنى " كما يضع المهرج نقطة حمراء على أنفه " "ووجود يوم عالمي للضحك " هذا كله تهريج وليس مرحاً .
الضحك :
المرح يسبب أكثر الأحيان الضحك ، والضحك هو ظاهرة جسمية وخصوصاً بالوجه ، وفهم النكتة هو عمل عقلاني ، مجرّد صافي محض ، أي بعد التقاط نواة الحكاية نبدأ بالضحك وليس العكس ، وذلك يحتاج أحياناً إلى عدة ثواني التي هي حاسمة ، وهذا العمل الفكري المحض ليس له علاقة بالعواطف – وكما عبّر عن ذلك الفيلسوف هنري برغسون "H.Bergson": إن أكبر عدو للضحك هو العاطفة "Emotion" . ففي ثقافتنا العربية يُقال "الضحك الكثير يعمي الفؤاد "
وبذلك نستطيع القول بأن الضحك هو تفكير بصوت عالي ، وينتج عنه السرور والفرح والارتياح ، حيث أن الجسم يرتخي ،والضحك القوي يسبب خروج الدمع من العينين ، وهذا ما نعرفه عن البكاء والزعل ،
إذاً : البكاء والضحك لهما نفس التركيب الشكلي ، وقاسمهما المشترك هو بنج القلب " Anaestesy of Heart" كما عبر عنها برغسون .
إن المرح والضحك أكثر الأحيان هما احتجاج على الواقع المزعج ، وطريقة إيجابية للنضوج النفسي ، ومثال لتوازن القوى الفكرية والجسمية ، ويفيدا الصحة وينفعا الإنسان بتطويل حياته حتى ولو كم أسبوع .
وبالنهاية الأناني الخفيف هو الذي يضحك مطولاً ويبقى مشغول في نفسه ، والرجل ذو العزيمة يُضحك الغير ولا يضحك .
فالضحك له صفتين :
- أولاً : التقارب ." Communication " .
- ثانياً : تساوي القيمة الإنسانية ومعناها الشعور بالأخوة والرجوع إلى الطفولة .
الفكاهة والضحك في العلم :
من الناحية الثقافية الأدبية نستطيع القول بأن العلم والمعرفة مثل الدواء له طرف نافع ولكن أكثر الأحيان له عامل جانبي سلبي ، فالعلم من الناحية المنطقية هو تحليل وتحديد وتفريق الأفكار وبذلك يكون هذا النوع من التفكير مربوط بالانكماش على النفس والانعزال عن الآخر ، هذا الوضع الفكري عبر عنه الفيلسوف هيغل "Hegel" بأن العلم بصورة عامة له عامل سلبي وهو الاستغراب بالإنكليزية "Alienation" وبالألمانية "Entfremdung" وتعني بالإنكليزية خلل بالعقل وانكماش على النفس والابتعاد عن الآخر كما نراه في بعض الأحيان عند الفيلسوف المشتت .
شخصياً كنت أدرس في المكتبات بصورة منتظمة وعندما سألت أحد الموظفين المراقبين في المكتبة ما هي تجاربك مع الطلاب والزائرين وما هي ملاحظاتك قال لي :
عندما يدخل أحد ما إلى المكتبة في الساعة 9 صباحاً بوجه مبتسم لطيف وبشوش بعد ساعتين من الدراسة أو المطالعة يخرج ورأسه في الأرض وكأنما رأسه تحت كتفيه .
ما هي أسباب هذه التصرفات ؟
فرق الفيلسوف الألماني ماكس شيلر "Max Scheler" بين ثلاث أنواع من المعرفة :
· علم ديني سماوي ميتافيزيقي ويريد منه الإنسان الدخول إلى الجنة والتقرب من الآلهة "Salvation" .
· علم أدبي إنساني للتقارب مع الآخر وكسبه للحوار "Commnication" .
· علم السيطرة "Domination" .
كما عبر عن ذلك بوضوح الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبرس "Thomas Hobbes" حيث أن هذا النوع من التفكير لا يساعد على ممارسة الفكاهة والمرح ، فكلما زادت معلومات الإنسان عن المعرفة ما نسميه العالم الاختصاصي كلما دخل بالتفاصيل وكلما زاد فقدان التوجيه الفكري (أي النقص) فاللغة العلمية الخاصة كما نعرفها من المؤتمرات العلمية خارجة عن اللغة العادية وعن منطق العقل السليم الذي هو موجود عند كل إنسان عادي عاقل بغض النظر عن وضعه الاجتماعي .
وفي العصر الحاضر إن المحرك الفاعل في المجتمعات المتمدنة هو العلم ومنطق البحث العلمي ، وهذا النوع من التفكير هو تجريبي اصطناعي مكتسب وهذه الصفات العقلانية تكون كنوع جديد ثانوي متوازي مع الطبيعة الأصلية .
وبما أن التطور العلمي متسارع أكثر الأحيان فالواقع لا يمكن استيعابه من نظريات فكرية قادرة على التنبؤ.
إذاً القوة العلمية لا تسمح بسهولة بممارسة المرح والفكاهة ما نسميه في الفلسفة "instrumental Mind" أي التفكير الوظائفي أو الآلي .
المعادلة القديمة هي : المعقول هو الواقع والواقع هو المعقول
المعادلة الجديدة تكون : القوة هي المعرفة والمعرفة هي العقل .
ونستطيع القول أن هيمنة الاختصاص على التفكير والتخطيط العلمي جعل العالِم هو الوحيد صاحب الفكر والحكمة .
ويوجد مثل ألماني يقول : إنه قادر أن يأكل الحكمة بالملعقة .
الخاتمة:
إن التركيب المنطقي للفكاهة هي الجدلية " Dialectic " ومعناها الحركة الداخلية للمفاهيم ومعناها الحركة العفوية للأفكار والجمل إلى أبعاد عالية يصعب أحياناً التنبؤ بتطورها .
إذاً طابع الفكاهة هو المغامرة وهذا يعني التغلب على الخوف من الفكاهة التي أحياناَ تنقلب على العكس وتضع الإنسان في وضع محرج حتى البهدلة .
إذا كان علم الإنسان مع الوقت يتطور فيه إلى النضوج والحكمة وللتفتح وهذا ما نسميه بالجدلية الإيجابية ونتيجة تماسك الشخصية وقوة المنطق وثبات الأسلوب وبالنهاية هي طريقة تفكير مسالمة ومدنية .
أما إذا كانت الجدلية سلبية فتتطور إلى تشاؤم وحذر وهناك مثل ألماني يقول :
إذا كان الإنسان معقد نفسياً وأراد الضحك فلينزل إلى القبو لوحده ويضحك .
إن تأثير العلم على الوعي هو موضوع نفسية واجتماعية المعرفة
"Sociology + Psychology of Knowledge"
لذلك فإن تطور المجتمعات نحو المجتمعات العلمية من الأقلية إلى الأكثرية لها عوامل ذات صفات عامة .
فالعلم يفرق ويحلل ويتضارب حتى العنف كتحليل منطق البحث العلمي
" Logic of scientific Discovery" وهذا أدى إلى نتيجة فحواها :
أنه من الأحسن أن تموت نظريات من أن يموت أشخاص وهذا ما نراه في التلفزيون في مناقشات الأحزاب والبرلمانات.
وبالنهاية :
إن ممارسة الفكاهة هو تحقيق القيم الإنسانية العامة والعالمية مثل قيمة الجمال الطيبة والحقيقية والقدسية لذلك ندفع أنفسنا وغيرنا إلى التقدم والسمو الذي هو قاسمنا المشترك بغض النظر عن الجنس والوضع الاجتماعي والعلمي.

التعليقات