مسالخ و أحواش الذبح في عيد الأضحي في قطاع غزة ... هل تفي بالتزاماتها بيئيا و صحيا؟

مسالخ و أحواش الذبح في عيد الأضحي في قطاع غزة ... هل تفي بالتزاماتها بيئيا و صحيا؟
غزة- خاص دنيا الوطن
تقرير:د.عبد الفتاح نظمي عبد ربه - أستاذ العلوم البيئية المشارك في قسم الأحياء - الجامعة الإسلامية بغزة


طل علينا قبل أيام معدودة عيد الأضحى المبارك... فكل عام و أنتم بخير، حيث يتسابق أبناء شعبنا في هذا العيد الأغر (عيد النحر) بالتقرب إلى الله عز و جل بذبح الأضاحي راجين من المولى – عز و جل –  قبولها و أن يرزقهم التقوى ثمرة لهذا الفداء العظيم (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)، و لعل هذا التسابق يلزمه تسابقا ايضا في الحفاظ على البيئة و الصحة العامة خلال أيام هذا العيد، و كم أشارت الآيات القرآنية إلى أهمية الحفاظ على البيئة و إصلاحها من الفساد الذي قد يعتريها بفعل الإنسان (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). و لأهمية السلامة البيئية التي يحض عليها الإسلام دوما، فقد رأينا ضرورة توضيح بعض الجوانب البيئية و الصحية التي ترتبط بنشاطاتنا خلال أيام عيد الأضحى المبارك و منذ ساعاته الأولى حيث يمضي الناس في الغالب إلى نحر الأضاحي بعد أداء صلاة العيد (فَصَلِّ لِرَبِّكَ و َانْحَرْ) و التي نسأل الله العلي أن يتقبلها و يفرج بها كرباتنا.

مسالخ الحيوانات في قطاع غزة

تنتشر في قطاع غزة أنواع مختلفة من المسالخ أو مجازر الحيوانات (Slaughterhouses = Abattoirs) فمنها ما هو كبير مخصص لذبح العجول و الأبقار و الأغنام و منها الصغير المخصص للحيوانات الداجنة كالدجاج و الحبش و البط و الأرانب و غيرها. تعاني الكثير من المسالخ غير المركزية و العشوائية و التي تستخدم لذبح الحيوانات الكبيرة و الأضاحي من ضعف شديد في معايير الجودة و الرعاية البيئية و الصحية، و هي بهذا تفرض مشاكل صحية و مخاطر بيئية جمة نظرا لكمية و نوعية ما تطرحه من نفايات صلبة و سائلة خلال أيام العيد حيث تشكل هذه النفايات بمجملها خطرا على البيئة الفلسطينية و الصحة العامة إذا أسيئت إدارتها. تجدر الإشارة هنا إلى أن نفايات المسالخ تعتبر من النفايات الخطرة (Hazardous Wastes) التي تحتاج إلى إدارة سليمة و معالجة خاصة.

إن عمليات الذبح و السلخ و التجهيز للأضاحي غالبا ما تتم في قطاع غزة بواسطة جزارين (Butchers) متمرسين في هذه المهنة، و كثيرا ما يتم ذبح و سلخ الأضاحي و إزالة جلودها على أرضية المسلخ أو حوش الذبح فيسبب ذلك تلوثا للحم كما أن العظام و القرون و الأرجل و الجلود قد تبقى لفترات طويلة على أرضية المسلخ مما يزيد من عمليات التلوث. و من الملاحظ أيضا أنه يتم إزالة الأحشاء (Evisceration) التي تتضمن الكرش و الأمعاء و تنظيفها داخل المسالخ ذاتها فيتولد عنها كميات هائلة من النفايات التي قد تلقى في شبكات الصرف الصحي أو في حاويات القمامة و أحيانا في الشوارع و الطرقات فينجم عنها مكاره صحية متعددة.

النفايات السائلة للمسالخ

إن النفايات السائلة التي تنتجها المسالخ تشبه كيميائيا المياه العادمة المنزلية (Domestic Wastewater) إلا أن الحمل العضوي فيها أكثر تركيزا لاحتوائه على مواد ذائبة و أخرى عالقة تشمل الدم و الروث (Manure) و القاذورات و اللحوم و الشحوم و تفريغات الأحشاء و الكرش و السوائل اللزجة الأخرى و لعل أهم التأثيرات التي تحدثها مثل تلك النفايات في النظم البيئية المائية (Aquatic Ecosystems) في كل مكان في العالم هو استنزاف الأكسجين (De-oxygenation) الناجم عن التحلل الهوائي للمواد العضوية الغزيرة لها مما قد يسبب هلاكا و تدهورا في التنوع الحيوي فيها، فضلا عن نقلها للأمراض المعدية و غيرها مما يهدد جوانب الصحة البيئية و الصحة العامة شر تهديد. 


ذبح الأضاحي في الطرقات

كثيرا ما تتم عمليات ذبح الأضاحي في أيام عيد الأضحى المبارك في الطرقات العامة في قطاع غزة حيث يسيل و يتراكم و يتخثر دم الذبائح و الأضاحي في الطرقات العامة و الأزقة كما و تنتشر الجلود و العظام و المخلفات الأخرى (بقايا الكرش و الدهون و ...) في الطرقات و أماكن تجميع النفايات في الأحياء و المخيمات فتتلوث البيئة و تتكاثر الحشرات الضارة التي تجد في تلك البيئات الخصبة مرتعا لها و تفوح الروائح الكريهة بسبب التحلل السريع لتلك المخلفات العضوية و تنتشر الأمراض المختلفة بما فيها الأمراض الطفيلية بين عامة الناس و خصوصا الأطفال لكونهم الفئة الأكثر حركة و نشاطا في أيام العيد.

خلط النفايات في أماكن طرحها

إن عمليات إدارة النفايات الصلبة بمختلف أنواعها تواجه عجزا مستمرا و ضعفا شديدا في قطاع غزة، إذ أن اختلاط نفايات المسالخ و الأضاحي في عيد الأضحى المبارك مع باقي أنواع النفايات الخطرة الأخرى التي ينتجها قطاع غزة (الطبية و الزراعية و البيطرية و الأغذية الفاسدة و نفايات المصانع المعدنية و المعامل الخطرة و غيرها) و غير الخطرة (النفايات العضوية و الورق و الأخشاب و البلاستيك والمعادن) في حاويات القمامة و الشوارع و مكبات الطرح هو سمة بارزة ينتج عنها مكاره صحية و بيئية لا حصر لها كما قد يصعب التنبؤ بها و لهذا فمن الأهمية بمكان دفن مخلفات المسالخ و الأضاحي و المخلفات البيطرية بطريقة صحية حتى نقي أنفسنا و أهلينا أضرارا جسيمة.

إن كثيرا ما يرى أصحاب المسالخ و محلات الذبح و بيع اللحوم و هم ينتهزون كل الأوقات فيعمدون إلى جمع بقايا و فضلات العظام و اللحوم و الأوساخ الأخرى المتجمعة في محالهم التجارية، ثم يرمونها على جوانب الطرق التي أصبحت تنوء من ثقل تلك النفايات كما يعمد البعض في بعض الأحيان إلى حرق تلك النفايات داخل أو خارج حاوياتها فيتسببون بتلويث الهواء و الصحة البيئية.

كيف تكون لمسالخنا أن تغدو آمنة و صحية؟

تتطلب الإدارة السليمة للمسالخ و أماكن ذبح الحيوانات و الأضاحي إجراءات متعددة لتحقق مبدأ النظافة العامة و أمن اللحوم و جوانب الصحة البيئية:

1.  التهوية الجيدة للمسالخ و التعقيم المستمر لجدرانها و أرضيتها بالمطهرات غير السامة و استخدام مزيلات الرائحة الآمنة لتجنب الروائح الكريهة التي عادة ما تنبعث من تلك الأماكن نظرا للتحلل السريع للأنسجة الحيوانية.

2.     ضرورة الفحص المباشر للذبائح و الأضاحي قبل البدء بعمليات ذبحها و سلخها و توزيع لحومها.

3.     سلخ الجلود بالسحب السفلي لها و إزالة الأحشاء الداخلية بطريقة سليمة حتى لا تلوث محتوياتها اللحم.

4.  تعرض الذبائح و الأضاحي للماء الجاري و الساخن لتقليل حدوث البكتيريا المرضية كما يجب تبريد اللحوم لمنع نمو الكائنات الدقيقة و منع تدهور اللحوم بانتظار توزيعها.

5.  الطرح الآمن لمختلف النفايات الصلبة و الروث و مكونات الأحشاء الناجمة عن عمليات السلخ حتى لا تتراكم و تتسبب بانتشار الروائح و الأوبئة و الكائنات الممرضة.

 

التعليقات