بالصور: السوريّون في تركيا.. غربة الأطفال و بهجة مفتقدة

بالصور: السوريّون في تركيا.. غربة الأطفال و بهجة مفتقدة
رام الله - دنيا الوطن
محمد ميزر 
مضى العيد دون أن يترك خلفه أيّة بهجة مفترضة للسوريين في تركيا، حيثظلّت تلك البهجة مجبولة بحسرة الوطن ودمعة الغربة وفراق الأحبّة، كما أنّها كانت مفتقدة وفي طور التأجيل، فكان اللاجئون السوريّون مشتّتي الذهن شاردين، برغم أنّهم حاولوا التكيّف مع التشرّد الذي وجدوا أنفسهم في دوّامته، لأنّهم خارج الوطن ولا يعلمون كيف وإلى أين مصيرهم. ظلّت قلوبهم على بلدهم، كما بقيت عقولهم مشغولة بالأحداث الدموية التي تجري فيه.وقد تابعوا حمم الموت تقصف أرواح أهلهم وتشوّه معالم مدنهم وقراهم.

استقبل السوريّونالذين قارب عددهم في تركيا المليون، العيد بغصّة في داخلهم على أهلهم وذويهم ممّن لا زالوا يعانون،وهم في حالة إنسانيّة صعبة بدون ماء وكهرباء،وأسعار كلّالموادّ في غلاء وارتفاع مستمرّين وتصاعد دائم..ولم يغب الوطن وألمه عن بالهم في كلّ الأوقات، كما أنّ صعوبة اندماجهم مع المجتمع التركيّ أيضاً زادت من الحزن المخيّم عليهم وعلى أرواحهم في انتظار البهجة المرتقبة الحقيقيّة.

العيدُ لم يعنِ للسوريين إلا مزيداً من القهر والألم. استقبلوه بالذكر والأدعية الدينيّة لعلّ ذلك يهدئأرواحهم ويطمئن قلوبهم. استقبلوه بحالة إنسانيّة مريرة وهم يعانون مرارات الغربة بقلوبهم المحطّمة كحطام منازلهم التي تركوها مُرغمين، تحت قصف آلة النظام الهمجية لهم ولبيوتهم.

لم يوجّه السوريّون في ملاجئهم وأماكن نزوحهم لبعضهم بعضاً العبارات الروتينية المهنئة بالعيد، كما كانوا يفعلون عادة سابقاً، إنّما كانت معايداتهم لبعضهم بالتمنّي بعيد قادم في ظروف أفضل،حين يكونون في وطنهم معزّزين مكرّمين،وحين تكون الحرب قد وضعت أوزارها والنظام المستبدّ قد رحل إلى غير رجعة.

كما لم يشعر اللاجئون ببهجة العيد لأنّ الكثير منهم لا يملكون ما يقدّمون لعائلاتهم وأولادهم من مظاهر العيد ومستلزماته. لم يشعروا ببهجة العيد لأنّهم تركوا أحبّاء لهم تحت القصف وهجروا ديارهم، ولأنّهم لا يستطيعون زيارة قبور شهدائهم وموتاهم. ولهذا ظلّ شعور الفقد مستمرّاًمتفعّلاً مريراً في القلوب.

استقبال العيد:

لكلّ فرد لاجئ أو نازح مآسٍ متراكمة ومعاناة مديدة وأحبّاء ارتحلوا، فارقهم أو فارقوه. الكلّجمعهم وجع الوطن، في الأيام التي سبقت العيد، حاولت عائلات سوريّة إدخال نوع من بهجة العيد إلى أجواء العائلة، وذلك بشراء الألبسة الجديدة لأفراد الأسرة، وقام الأبناء بجولات في الأسواق المعروفة بأنّها تعرض تنزيلات في أسعارها بمناسبة العيد،وفي الأسواق الشعبيّة،وكذلك شراء بعض الحلويات المختلفة عن حلوياتهم التي كانوا يصنعونها في منازلهم سابقاً.لكنّ ذلك كلّهلم يساهم، ولو بجزء بسيط في تغيير حالة المرارة التي يعيشونها وشعور الغربة الملازم لهم، ولم يضفِعلى أجواء العيد وما يسبقه أيّ بهجة منشودة،كما أنّه ذكّر الجميع بما كان وما هم عليه.

غربة الأطفال:

كان من الصعب على أهالي الأطفال أن يقنعوا أطفالهم بأنّ هذا اليوم هو يوم عيد، فلا شيء يدلّ على ذلك، لا فرحة تغمرهم ولا تحضيرات تشي لهم بالعيد كالأيّام السالفة. فالأطفال الذين يحلو العيد بهم وبضحكاتهم ونشاطاتهم وقبلاتهم لم يكن لهم نصيب من تلك البهجة في العيد، أولئك الأطفال الذين كانوا في السابق يخرجون بأكياسهم الفارغة في الصباح الباكر في أوّل يوم من العيد، ليعودوا بها بعد ساعات مليئة بالحلويات بعد جولة معايدة على منازل الجيران والأقارب، وتهنئتهم بقدوم العيد، لم يستطيعوافي هذا العيد إلا البقاء متحسّرين في المنازل، واستذكار الأعياد السابقة، ونشاطاتهم فيها، والتحدّث عن رفاقهم الذين تشرّد معظمهم مع عائلاتهم، كلٌ في بلد أو بقي بعضهم في الداخل، وفي الحالتين كلّهم محرومون، ليس فقط من بهجة العيد، بل من بهجة الأيّام المفترضة.

عيدبدون زيارة المقابر:

بعض العائلات السوريّة التي تقيم في المدن الكبرى في تركيا، والتي تتمتّع بجوانب من الحياة الاجتماعية المريحة في المجتمع التركيّ،كما في إسطنبول مثلاً،وبعيداً عن مخيّمات اللاجئين،حاولت استغلال أيام العيدباعتبارها عطلة من العمل،وقام أفرادهابزيارة المعالم التاريخية والمعروفة في المدينة، وقاموا بجولات منذ الصباح الباكر، وحتّى وقت متأخّر من المساء، بالتنقّل بين الأماكن السياحيّة والحدائق والمتاحف والجوامع الشهيرة، ليخلقوا لأنفسهم خصوصيّة لأيام العيد، ويرفّهوا عن أنفسهم قليلاً، وخاصّة عندما صادف أن التقوا بسوريّين آخرين،حينها شعروا بفرحة في داخلهم. اللغة العربية واللهجات السوريّة والزيّ السوريّ وكلّ شيء فيهم عرّفهم على بعضهم بعضاً ومنحهم سعادة مؤقّتة وشعوراً بلقاء الأحبّاء.

قالت سيدة سورية كانت مع زوجها وطفليها في جامع السلطان أحمد الشهير في إسطنبول: "حاولنا ألّا نحرم أطفالنا من فرحة طفولتهم وخصوصيّة العيد برغم المعاناة والغربة، لذلك خرجنا اليوم نتنزّه بين الأماكن الشهيرة والمعروفة، لندخل إلى قلوبهم جزءاً يسيراً من بهجة العيد".وأضافت بحرقة وأسى: "لكنّنا لا نستطيع أن نخفي حزننا وخيبتنا لأنّنا لم نقم ككلّ عيد بزيارة قبر موتانا وقراءة الفاتحة على أرواحهم.كما أنّنا لم نستطع أن نتناسى الألم في داخلنا وفي وطننا، ولا أن نكفّ عن الحديث عن أهلنا في الداخل ووضعهم هناك، بالإضافة إلى أنّ المصاريف التي كلّفتنا الزيارات عادلت مصاريفعشرة أيام من أيامنا العاديّة".

أمّا العائلات التي فقدت في الأحداث السوريّة شهيداً أو أكثر فإنّها منّت النفسلو أنّ بمقدورها زيارة قبر شهيدها ووضع بعض الزهور عليه، ورشّه بقليل من الماء،لتقدّم له تهاني العيد. ولكن هيهات. لذلك لم يكفّ أفرادها عن تلاوة القرآن على روح الشهداء واستذكارهم ومواقفهم بحسرة وغصّة. وأيضاًالدعوة لله برحيل الحرب عن بلادهم من دون عودة، وقرب نهاية النظام المستبدّ. وكذلك فعل من لديهم معتقل في السجون السوريّة، دعوا له بالفرج والحريّة، وغابت عنهم كلّ مظاهر العيد واحتفالاته وفرحته.

العيد الحقيقي:

أجمع كلّ اللاجئين السوريّين على أنّ العيد الحقيقيّ لن يكون إلا حين عودتهم إلى وطنهم وقد زال الاستبداد والظلم عنه، لذلك لم يستطيعوا أن يحتفلوا بالعيد إلّا بشكل جزئيّ.

اللاجئ السوري إبراهيم العلي وزوجته وأطفاله الثلاثة،وهم منريف مدينة حلب،قال حول فرحة العيد المفتقدة:"نحن لم نستطع أن نحتفل بالعيد وكلّ يوم هناك مئات الشهداء في وطننا، وكلّ عدّة أيام هناك إمّا شهيد أو جريح أومعتقل تكون لي معرفة شخصيّة به، قلوبنا وعقولنا لن تستقبل الفرح أو العيد إلا حين يسقط الاستبداد ويرحل التطرّف ويحلّ السلام، ونكون بين أهلنا،لا لاجئين مبعدين قسراً عن منازلنا وأهلنا وبلدنا".

وأضافت زوجته السيدة إنعام: "بدأنا عيدنا في الصباح بإعادة متابعة مقطع الفيديو الذي يظهر فيه منزلنا مهدّماً بعد تعرّضه للقصف في ريف حلب، وبقراءة الفاتحة على أرواح شهداء وطننا.إنّالعيد جاء في ظروف فظيعة من الحزن والأسى فلم يزدنا إلا ألماً، حيث لاشيء من الفرحة لو لم يكن برفقة الأهل والأصدقاء وتبادل الزيارات والتهاني، ولكنّنا هنا لم نستطع حتّى التواصل مع أهلنا عبر الهواتف المقطوعة عنهم، لذلك أجّلنا الاحتفال بالعيد لحين العودة لبلدنا ولأهلنا حيث تكون الحرب قد انتهت إن شاء الله".

أيّ عيد..؟

عن أيّ عيد تتحدثون؟ بهذه الجملة ردّ لاجئ سوريّ حين سأله أحدهم عن العيد وبهجته. استغرب كيف يسأله عن العيد وكلّ أهله وأصدقائه ومعارفه في الداخل مشاريع شهداء أو معتقلين أو مهدّدين، وهم كلّ يوم عرضة للقصف والقتل والاختطاف، وأخبر بجملته تلك بأنّه في بلاد الغربة لاجئ مبعد عن وطنه قسراً مع من وبأي شكل له أن يحتفل بالعيد..؟

عيد اللاجئ السوري في إسطنبول يعتبر عدّة أيام من ألم نفسيّ مضاعف وحسرة وقهر على كلّ ما يجري في الداخل، وعلى شلالات الدماء المستمرّة في سوريا، وأيضاً من ناحية أخرى يعتبر أيام راحة للجسد بالنسبة للعمّال السوريّين، لأنّ أيّام العيد تعتبر إجازة من ضغط العمل الذي يكون عادةً بساعات طويلة وبدون إجازات،وبكثير من التقييد والاستغلال. ومع ذلك كلّه، يبقى اللاجئ السوري آملاًمتأمّلاً بالعيد القادم أن يعود عليه وهو بين أهلهليحتفلبه معهم بطعم الحريّة وزوال الاستبداد.




التعليقات