بوز آند كومباني :فهم الأجيال العربية : فرصة لتطوير السياسات
رام الله - دنيا الوطن
تشهد التركيبة السكانية في المنطقة العربية أجيالاً مختلفة تتمايز عن بعضها البعض سواء بمقوماتهاأوبتطلعاتها، وفي ظل هذا الواقع، تبرز ضرورة تعديل السياسات والخطط التنموية لتلبية الاحتياجات المختلفة لهذه الأجيال ومواكبتها من قبل الحكومات ورجال الأعمال من أجل تحقيق الإصلاح الاقتصادي والارتقاء بتنافسية دول المنطقة.
خاضتالمنطقة العربية فترةمليئة بالتغيرات الجذريةخلال السنوات الماضية، لكن تداعيات هذه الأحداث لم يكن لها ذات التأثير على جميع الشرائح العمرية من السكان، وبالتالي يزداد التمايز بين مختلف الأجيال العربية من حيث الأفكار والاحتياجات والأولويات.
وبينما تعمل الحكومات ورجال الاعمال على دفع عجلة النمو الاقتصادي، تبرز ضرورةتلبية الاحتياجات الخاصة بكل جيل من الأجيال العربية، ويمكن أن تكون البداية من خلال محاولة فهم وإدراك واقع كل جيل على حدة ونقاط الاختلاف والتشابه فيما بينها مع رصد نظرة الأجيال تجاه العالم.
وفي ضوء هذه المعطيات، أجرت شركة الاستشارات "بوز آند كومباني" استطلاعاً شمل 3000 شخص من 6 دول عربية بهدف معرفة آرائهم حول العديد من المحاورالحيوية، وأظهرت النتائج أن كل فئة من الأجيال العربية لديها مميزات خاصة سواء من حيث أسلوب العمل أو فيما يتعلق باستخدام التقنيات، مما يؤكد ضرورة مراعاة هذه الخصائصمن قبل الحكومات والشركات ضمن آلية وضع السياسات وبناء قوى عاملة أفضل.سوف يُنشر البحث الجديد بعنوان "الأجيال أ: نقاط الاختلاف والتشابه بين مختلف الأجيال العربية" خلال قمة أبوظبي للإعلام يوم الأربعاء الواقع فيه 22 أكتوبر.
سياسات مختلفة لفئات عمرية مختلفة
يهدف هذا التقرير الذي يركز على خصائص الفئات العمرية،إلى تحقيق فهم أفضل للأجيال المختلفة في العالم العربي، وإظهار تمايز آرائها ونظرتها للواقع والمستقبل نتيجة الأحداث الاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها المنطقة والمراحل التاريخية التي ساهمت في تكوين إدراك ووعي كل جيل. وتأتي هذه الدراسة بالتزامن مع بروز 3 أجيال رئيسية ضمن تركيبة القوى العاملة في المنطقة، وتهدف إلى تحديد نقاط الالتقاء والمفارقات بين مختلف هذه الأجيال.
يوضحريتشارد شدياق، شريك أول لدى "بوز آند كومباني" أن وعي ومدارك كل جيل تشكل الطرف المتغير في المعادلة، ومن هنا تبرز ضرورة أخذها بعين الاعتبار خلال وضع السياسات الاجتماعية والاقتصادية من قبل الحكومات ورجال الأعمال، ويضيف :"من أجل تلبية احتياجات جميع الفئات العمرية ضمن المجمتع، على واضعي السياسات تفهم الآراء والأولويات المتباينة لمختلف الأجيال في المنطقة".
وبينما يقوم قادة المنطقة بإعداد إصلاحات اقتصادية واجتماعية من أجل تحقيق نمو شامل ومستدام وتعزيز تنافسية الدول ضمن الاقتصاد العالمي، يتوجب عليهم تطوير سياسات تواكب وتدعم الميزات الخاصة لمختلف الفئات السكانية ضمن مجتمعات المنطقة، وقبل تحقيق ذلك، عليهم تفهممقومات الأجيال العربية.
الدراسة :
بهدف بناء فهم أفضل لتبيانات واختلافات الأجيال في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، قامت "بوز آند كومباني" بتوزيع القوى العاملة من الفئات العمرية بين 15 عاماً وصولاً إلى 65 عاماً ضمن 3 مجموعات عمرية تتوزع كالتالي :
· الجيل العربي القومي: تشمل هذه المجموعة الأفراد من مواليد ما بين 1948 حتى1964، أي من أعمارهم ما بين 49 حتى65 عاماً. ويشكل بروز القومية العربية الحدث الأساسي الذي شكل ملامح هذه المرحلة من التاريخ.
· الجيل العربي الإقليمي : وتضم المجموعة المواليد ما بين 1965 حتى1977، أي من أعمارهم ما بين 36 عاماً حتى48 عاماً، وقد نشأ هذا الجيل خلال الطفرة النفطية في عدد مندول المنطقة، خاصة في حقبة السبعينات والثمانينات.
· الجيل العربي الرقمي: تشمل المجموعة المواليد بعد عام 1978 وتضم فقط الأعمار ما بين 15 حتى35 عاماً، وقد دخل هذا الجيل عصر التقنيات الرقمية بالتزامن مع العولمة الاقتصادية.
شكلت "بوز آند كومباني" مجموعات عمل خاصة وأجرت استطلاعاً شمل 3000 شخص من 6دول عربية هي مصر والأدرن والكويت وقطر والسعودية بالإضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.كما تم جمع بيانات تكميلية من 649 مشاركاً في 5 دول عربيةأخرى هي الجزائر (170 مشارك)، لبنان (148 مشارك) ليبيا (73 مشارك) المغرب (163 مشارك) وسوريا (95 مشارك).
أظهر الاستبيان توافقاً بين المشاركين من مختلف فئات الأجيال حول بعض المحاور السياسية وأخرى مرتبطة بالقيم المجتمعية، لكن برزت تباينات حادة في العديد من المحاور الأخرى كالتقنية والعمل.
تم فرز النتائج النهائية ضمن 4 فئات رئيسيةتتضمنالقيم وخصائص كل جيل، والموقف الوطني، والنشاط المدني ضمن المجتمعبالإضافة إلى المواطنة وبيئة العمل إلى جانب التقنية والإعلام والنزعة الاستهلاكية.
القيم وخصائص الجيل :
تظهر النتائج بشكل عام تشابهالمجموعات العمرية الثلاث فيما يتعلق بالقيم الأساسية للأفراد، وبينما شكل "الكرم" و"الضيافة" قيماً مشتركة لجميع المجموعات، لكن يبدو أنها تتضائلمع األاجيال، وقد يكون ذلك نتيجة لما يشهده "الجيل الرقمي"من تحديات في ظل انتشار البطالة وسط الشباب وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الفرص الاقتصادية، فبعيداً عن الكرم والضيافة، تبرز أولويات أخرى أكثر أهمية لدى الأفراد في فتراتالاضطراب السياسي أو في الظروف الاقتصادية شديدة التنافسية.
ولدى سؤالهم عن مستوى الرضى عن الانجازات التي حققوها، بما في ذلك العمل والتعليم، أبدى "الجيل الرقمي"أقل مستويات من الرضى وخاصة في مصر والأردن والسعودية، وفي المقابل، أبدى "الجيل القومي"أعلى مستوى من الرضى خاصة بين مواطنيدول مجلس التعاون الخليجي.
وصلت البطالة بين الشباب العربي إلى معدلات مرتفعة تبلغ 25 % في العديد من دول المنطقة، كمالا يثق الكثير من الشباب بجودة التعليم المتوفرلهم، بالإضافة إلى غلاء تكاليف السكن بشكل متباين بين الدول مما يدفع الشباب (والمتزوجون منهم خاصة) للسكن مع والديهم، وأظهرت البيانات السكانية أن ما يقارب ثلثي المشاركين ضمن مجموعة الجيل الرقمي في جميع الدول يعيشون مع أهاليهم ضمن عائلات كبيرة.ولذا كانت "الخصوصية الفردية" الإجابة المشتركة لدى جميع المجموعات عند سؤالهم عن القيم التي لا تتوافر لهم.
وفيما يتعلق بالاختلافات، يفضل "الجيل الرقمي" الارتباط مع "المغامرة" والتبذير" مقارنة مع المجموعات الأخرى، فيما يرى "الجيل القومي" في "الإنجاز" صفة رئيسية للأفراد المنتمين إلى ذات الجيل، ويمكن ترجمة ذلك بأنهم كانوا أكثر طموحاً واندفاعاً في طموحاتهم ووصلوا إلى مرحلة من الحياة تؤهلهم لتذكر ما أنجزوه خلال تاريخهم.
الموقف الوطني، والنشاط المدني و المواطنة:
جاءت الآراء متشابهة بين المجموعات فيما يتعلق بالنظرة تجاه الوطن وموقعه في العالم، وكان التوجه إيجابياً بشكل ملحوظ حيث ينظر كل عربي إلى وطنه كمتصدر لباقي دول المنطقة بشكل عام، لكن تبرز التباينات لدى الدخول في التفاصيل،إذ لا يأتي التقييم إيجابياً لمكانة الوطن في قطاعات محددة كالتقنية أو التعليم، ويظهر هذا التوجه خاصة لدى الجيل الشاب، حيث جاء تقييم أفراد "الجيل الرقمي"لصدارة دولهم وسطدول المنطقة أقل مقارنة مع الجيل "القومي"و"الاقليمي"، وقد يكون ذلك بسبب تضاؤل الفرص الاقتصادية أمامهم.
سوق العمل:
تساعد المقاربة المعتمدةعلى منظور الأجيال والفئات العمرية المختلفة تحديد توجهات القوى العاملة وخصائصها بشكل أكثر عمقاً من أجل رصد أبرز تحديات سوق العمل، بما في ذلك البطالة وانخفاض الانتاجية وإشراك الموظفين وتضخم القطاع العام.
يواصل القطاع العام في المنطقة استقطاب الخريجين الجدد بفضل ما يوفره من رواتب مرتفعة وحماية الموظفين واستقرارهم الوظيفي، فضلاً عن المكانة الاجتماعية المرموقة للموظف الحكومي وخاصة في الشركات المملوكة من الحكومة.
لكن وفي ظل تقلص الميزانيات الحكومية، لا يمكن استدامة مثل هذه السياسات على المدى الطويل، حيث تزداد الضغوطات على القطاع الخاص لتوفير فرص عمل من شأنها الحد من انتشار البطالة وسط المواطنين، وخاصة الشباب منهم.
أظهرت نتائج الاستبيان وما توصلت إليه فرق العمل نتائج مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بتباين واقع ونظرة الأجيال نحو سوق العمل. ويوضح رامز شحادة، شريك في بوز آند كومباني، أن الاستبيان توصل إلى نتيجة مفادها أن الشركات المعتمدة على التقنية تبحثعن المميزات التي يتمتع بها أفراد "الجيل الرقمي"، وفي مقدمتها التفكير الابتكاري، ومع نمو أعمال هذه الشركات وازدياد مساهمتها في اقتصاديات المنطقة، فستتجه أكثر فأكثر للاستفادة من مميزات ومهارات "الجيل الرقمي".
جاءت معظم الصفات التي يتميز بها الجيل القديم إيجابية، بما في ذلك الدقة والانضباط، والاحترام والرغبة في تعليم الآخرين وغيرها، وفي ظل عدم وجود تداخل في خصائص الأجيال ضمنالمجموعات العمرية قيد الدراسة، فإن التباين في مميزات كل جيل قد يشكل ميزة تنافسية، حيث يمكن أن يضفي وجود موظفين من شرائح عمرية متنوعة قوة إضافية للشركات.
كانتحقيقالمساواةبينالجنسينفيمكانالعملأحدالمجالاتالرئيسيةللسؤال.وبشكلعام،كانت الأجيال الأكبر عمراً هيالأكثراعتقاداً بأنالمرأةتتمتعحالياًبفرصعملمتساويةمعالرجال، ولكن مع وجودبعضالاختلافاتبين المناطق،حيث يعتقد في صحة ذلك قرابة نصفالمشاركين من مجموعة الجيل العربي الإقليمي والجيل العربي القومي.ومعذلك،لا يوافق على ذلك تماماً الجيل الرقمي العربي،ويظهرهذاالاختلاف أكثرجلاءً بينالنساء في مجموعةالجيل الرقمي العربي، حيث تعتقد نسبة45%فقطمنتلكالمجموعةأنالمرأةلديهانفسفرصالعملالمتاحةللرجال.ومن بين التفسيراتالمحتملةلهذهالنتائجهوأنالشبابفيمنطقةالشرقالأوسطوشمال أفريقيا لديهمتوقعاتأعلى.وقد تبنّت العديدمنالبلدانخطواتنحوالمساواةبينالجنسينفيمكانالعمل،وفي حين قد يشعر العاملينالأكبرعمراً بأنتلكالتدابيرتمثلتقدماًكبيراً،يعتقدالشبابأنذلكلايكفي.
وقد ساند أكثرمن50%منجميعالمشاركين منالأجيالالثلاثالنساء الباحثات عن العمل، شريطة وجود قواعدوأنظمةمعمولبهالاحترامتقاليدوثقافةالبلاد.وتجدرالإشارةإلىأنغالبيةالمشاركين ليسوا علىدراية كافية بالأثرالإيجابيلمثلهذهالتدابيرعلىالاقتصادالكلي.ويمثل هذا الأمر فرصةمحتملةلتوعيةالمواطنين،حيث ثمة أدلةمقنعةعلىأنإدماج النساء فيالقوةالعاملةمن شأنه تحفيز النموالاقتصادي.
التقنية والإعلام والنزعة الاستهلاكية:
أظهرت نتائج الاستبيان تبيانات واضحة بين الأجيال فيما يتعلق باستخدام التقنيات الرقمية والمعلومات وأنماط الاستهلاك وتوجهات الشراء، مما يمكن تصنيفه في 3 مجالات رئيسية هي التقنية والإعلام والنزعة الاستهلاكية.
· التقنية :
لم يكن من المفاجئ وجود اختلافات كبيرة بين الفئات العمرية فيما يتعلق باستخدام التقنيات، لكنشحادة يوضح أن الفجوة في استخدام التقنية بين الأجيال تتقلص تدريجياً مما يعطي مؤشرات هامة للحكومات، حيث يزداد الوعي التقني لدى المواطنين مع ارتفاع وتيرة الاتصال في المجتمع، مما يفرض ضرورة تطوير خدمات حكومية الكترونية كجزء من خطة التنمية التقنية على النطاق الوطني مما يصب أيضاً في مصلحة الحكومات.
· الإعلام :
بالإضافة إلى الترابط والاتصال عبر الانترنت، تستخدمالمجموعات العربية التي شملها الاستطلاعوسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع، وفي ظل وجود جيل شاب يتقن اللغات الأجنبية ويتمتع بمهارت تقنية، تشهد المنطقة ارتفاعاً ملحوظاً في تطبيقات وسائل وشبكات التواصل الاجتماعي، وإلى جانب الأهداف الاجتماعية، تتوسع الأجيال العربية في استخداماتها لهذه الوسائط من أجل أهداف اخرى، وهنا يبرز الاختلاف بين الفئات العمرية وتحديداً فيما يتعلق بالإعلام والنزعة الاستهلاكية.
يشير جاينت بارغافا، مدير أول في "بوز آند كومباني"،إلى أن الاستبيان أظهرأن وسائل الإعلام والإعلان التقليدية باستثناء التلفزيون تعاني من تراجع في فعاليتها من حيث تدني قدرتها على الوصول إلى شرائح معينة من الجمهور مقارنة مع الإنفاق الكبير نسبياً الذي تتطلبه هذه الوسائل، ويشير بارغافا إلى ضرورة أن يواكب الإعلان عبر الوسائط الرقمية كيفية إقبال الأجيال العربية على الإعلام.
· النزعة الاستهلاكية:
يزداد تأثير وسائل التواصل الإعلامي على السلوك الاستهلاكي بحسب نتائج الاستبيان، وهنا يلفت شحادة إلى أن أكثر من ثلثي المستلطع آرائهممن مختلف المجموعات العمرية يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن توصيات أو نصائح استهلاكية من أجل اتخاذ قرار الشراء، لكن ولدى المقارنة مع الدول المتقدمة، لا يستفيدمسئولي التسويق في المنطقة من هذا التوجه بعد.
بالرغم من ازدياد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها من مجرد شبكات للتواصل إلى أدوات مؤثرة على أنماط الشراء والاستهلاك، لا تستغل الشركات المحلية في المنطقة هذه الفرصة، إذ تتطلب الاستفادة من هذه المعطيات التركيز على عدة جوانب، ويضيف بارغافا:"يجب على مسئولي التسويق تطوير استراتيجية تدمج وسائل التواصل الاجتماعي ضمن خطة التسويق العامة للشركات، ومن الضروري الاستثمار لفتح قنوات لخدمة العملاء من خلال فضاءات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقديم محتوى مبتكر مناسب بهذه الوسائل، فضلاً عن رصد إشراك العملاء والمستهلكين عبر فريق متخصص للتواصل مع الجمهور". ويشير إلى أن مسئولي التسويق في الدول المتقدمة بدأوا ببناء فرق عمل متخصصة بالتواصل الاجتماعي تتضمن مدراء متخصصين لكل منطقة وخبرات إبداعية ومحللي بيانات من أجل دراسة سلوك المستهلكين بشكل معمق والاستفادة منها.
خلال مراحل التغيير كالتي تشهدها المنطقة العربية حالياً، من الضروري أن تدرك الحكومات أن مواطنيها لديهم مدارك ومميزات وطرق تفكير خاصة بكل شريحة عمرية، ومن أجل بناء منصات اجتماعية للحوكمة لتحقيق التنمية الاقتصادية، يجب على الحكومات أن ترصد باستمرار التبيانات والتمايزات بين مختلف الشرائح العمرية والأجيال ضمن مجتمعاتها بهدف مواكبة متطلبات وأولويات مختلف الفئات المجتمعية للمواطنين، وفي الجانب المقابل، على الشركات أيضاً إدارك خصائص كل جيل على حدةمن أجل بناء قوى عاملة أفضلوتحفيز بناء القيمة المضافة عبر ترويج التجارة الالكترونية والتقنيات الرقمية.

تشهد التركيبة السكانية في المنطقة العربية أجيالاً مختلفة تتمايز عن بعضها البعض سواء بمقوماتهاأوبتطلعاتها، وفي ظل هذا الواقع، تبرز ضرورة تعديل السياسات والخطط التنموية لتلبية الاحتياجات المختلفة لهذه الأجيال ومواكبتها من قبل الحكومات ورجال الأعمال من أجل تحقيق الإصلاح الاقتصادي والارتقاء بتنافسية دول المنطقة.
خاضتالمنطقة العربية فترةمليئة بالتغيرات الجذريةخلال السنوات الماضية، لكن تداعيات هذه الأحداث لم يكن لها ذات التأثير على جميع الشرائح العمرية من السكان، وبالتالي يزداد التمايز بين مختلف الأجيال العربية من حيث الأفكار والاحتياجات والأولويات.
وبينما تعمل الحكومات ورجال الاعمال على دفع عجلة النمو الاقتصادي، تبرز ضرورةتلبية الاحتياجات الخاصة بكل جيل من الأجيال العربية، ويمكن أن تكون البداية من خلال محاولة فهم وإدراك واقع كل جيل على حدة ونقاط الاختلاف والتشابه فيما بينها مع رصد نظرة الأجيال تجاه العالم.
وفي ضوء هذه المعطيات، أجرت شركة الاستشارات "بوز آند كومباني" استطلاعاً شمل 3000 شخص من 6 دول عربية بهدف معرفة آرائهم حول العديد من المحاورالحيوية، وأظهرت النتائج أن كل فئة من الأجيال العربية لديها مميزات خاصة سواء من حيث أسلوب العمل أو فيما يتعلق باستخدام التقنيات، مما يؤكد ضرورة مراعاة هذه الخصائصمن قبل الحكومات والشركات ضمن آلية وضع السياسات وبناء قوى عاملة أفضل.سوف يُنشر البحث الجديد بعنوان "الأجيال أ: نقاط الاختلاف والتشابه بين مختلف الأجيال العربية" خلال قمة أبوظبي للإعلام يوم الأربعاء الواقع فيه 22 أكتوبر.
سياسات مختلفة لفئات عمرية مختلفة
يهدف هذا التقرير الذي يركز على خصائص الفئات العمرية،إلى تحقيق فهم أفضل للأجيال المختلفة في العالم العربي، وإظهار تمايز آرائها ونظرتها للواقع والمستقبل نتيجة الأحداث الاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها المنطقة والمراحل التاريخية التي ساهمت في تكوين إدراك ووعي كل جيل. وتأتي هذه الدراسة بالتزامن مع بروز 3 أجيال رئيسية ضمن تركيبة القوى العاملة في المنطقة، وتهدف إلى تحديد نقاط الالتقاء والمفارقات بين مختلف هذه الأجيال.
يوضحريتشارد شدياق، شريك أول لدى "بوز آند كومباني" أن وعي ومدارك كل جيل تشكل الطرف المتغير في المعادلة، ومن هنا تبرز ضرورة أخذها بعين الاعتبار خلال وضع السياسات الاجتماعية والاقتصادية من قبل الحكومات ورجال الأعمال، ويضيف :"من أجل تلبية احتياجات جميع الفئات العمرية ضمن المجمتع، على واضعي السياسات تفهم الآراء والأولويات المتباينة لمختلف الأجيال في المنطقة".
وبينما يقوم قادة المنطقة بإعداد إصلاحات اقتصادية واجتماعية من أجل تحقيق نمو شامل ومستدام وتعزيز تنافسية الدول ضمن الاقتصاد العالمي، يتوجب عليهم تطوير سياسات تواكب وتدعم الميزات الخاصة لمختلف الفئات السكانية ضمن مجتمعات المنطقة، وقبل تحقيق ذلك، عليهم تفهممقومات الأجيال العربية.
الدراسة :
بهدف بناء فهم أفضل لتبيانات واختلافات الأجيال في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، قامت "بوز آند كومباني" بتوزيع القوى العاملة من الفئات العمرية بين 15 عاماً وصولاً إلى 65 عاماً ضمن 3 مجموعات عمرية تتوزع كالتالي :
· الجيل العربي القومي: تشمل هذه المجموعة الأفراد من مواليد ما بين 1948 حتى1964، أي من أعمارهم ما بين 49 حتى65 عاماً. ويشكل بروز القومية العربية الحدث الأساسي الذي شكل ملامح هذه المرحلة من التاريخ.
· الجيل العربي الإقليمي : وتضم المجموعة المواليد ما بين 1965 حتى1977، أي من أعمارهم ما بين 36 عاماً حتى48 عاماً، وقد نشأ هذا الجيل خلال الطفرة النفطية في عدد مندول المنطقة، خاصة في حقبة السبعينات والثمانينات.
· الجيل العربي الرقمي: تشمل المجموعة المواليد بعد عام 1978 وتضم فقط الأعمار ما بين 15 حتى35 عاماً، وقد دخل هذا الجيل عصر التقنيات الرقمية بالتزامن مع العولمة الاقتصادية.
شكلت "بوز آند كومباني" مجموعات عمل خاصة وأجرت استطلاعاً شمل 3000 شخص من 6دول عربية هي مصر والأدرن والكويت وقطر والسعودية بالإضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.كما تم جمع بيانات تكميلية من 649 مشاركاً في 5 دول عربيةأخرى هي الجزائر (170 مشارك)، لبنان (148 مشارك) ليبيا (73 مشارك) المغرب (163 مشارك) وسوريا (95 مشارك).
أظهر الاستبيان توافقاً بين المشاركين من مختلف فئات الأجيال حول بعض المحاور السياسية وأخرى مرتبطة بالقيم المجتمعية، لكن برزت تباينات حادة في العديد من المحاور الأخرى كالتقنية والعمل.
تم فرز النتائج النهائية ضمن 4 فئات رئيسيةتتضمنالقيم وخصائص كل جيل، والموقف الوطني، والنشاط المدني ضمن المجتمعبالإضافة إلى المواطنة وبيئة العمل إلى جانب التقنية والإعلام والنزعة الاستهلاكية.
القيم وخصائص الجيل :
تظهر النتائج بشكل عام تشابهالمجموعات العمرية الثلاث فيما يتعلق بالقيم الأساسية للأفراد، وبينما شكل "الكرم" و"الضيافة" قيماً مشتركة لجميع المجموعات، لكن يبدو أنها تتضائلمع األاجيال، وقد يكون ذلك نتيجة لما يشهده "الجيل الرقمي"من تحديات في ظل انتشار البطالة وسط الشباب وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية الفرص الاقتصادية، فبعيداً عن الكرم والضيافة، تبرز أولويات أخرى أكثر أهمية لدى الأفراد في فتراتالاضطراب السياسي أو في الظروف الاقتصادية شديدة التنافسية.
ولدى سؤالهم عن مستوى الرضى عن الانجازات التي حققوها، بما في ذلك العمل والتعليم، أبدى "الجيل الرقمي"أقل مستويات من الرضى وخاصة في مصر والأردن والسعودية، وفي المقابل، أبدى "الجيل القومي"أعلى مستوى من الرضى خاصة بين مواطنيدول مجلس التعاون الخليجي.
وصلت البطالة بين الشباب العربي إلى معدلات مرتفعة تبلغ 25 % في العديد من دول المنطقة، كمالا يثق الكثير من الشباب بجودة التعليم المتوفرلهم، بالإضافة إلى غلاء تكاليف السكن بشكل متباين بين الدول مما يدفع الشباب (والمتزوجون منهم خاصة) للسكن مع والديهم، وأظهرت البيانات السكانية أن ما يقارب ثلثي المشاركين ضمن مجموعة الجيل الرقمي في جميع الدول يعيشون مع أهاليهم ضمن عائلات كبيرة.ولذا كانت "الخصوصية الفردية" الإجابة المشتركة لدى جميع المجموعات عند سؤالهم عن القيم التي لا تتوافر لهم.
وفيما يتعلق بالاختلافات، يفضل "الجيل الرقمي" الارتباط مع "المغامرة" والتبذير" مقارنة مع المجموعات الأخرى، فيما يرى "الجيل القومي" في "الإنجاز" صفة رئيسية للأفراد المنتمين إلى ذات الجيل، ويمكن ترجمة ذلك بأنهم كانوا أكثر طموحاً واندفاعاً في طموحاتهم ووصلوا إلى مرحلة من الحياة تؤهلهم لتذكر ما أنجزوه خلال تاريخهم.
الموقف الوطني، والنشاط المدني و المواطنة:
جاءت الآراء متشابهة بين المجموعات فيما يتعلق بالنظرة تجاه الوطن وموقعه في العالم، وكان التوجه إيجابياً بشكل ملحوظ حيث ينظر كل عربي إلى وطنه كمتصدر لباقي دول المنطقة بشكل عام، لكن تبرز التباينات لدى الدخول في التفاصيل،إذ لا يأتي التقييم إيجابياً لمكانة الوطن في قطاعات محددة كالتقنية أو التعليم، ويظهر هذا التوجه خاصة لدى الجيل الشاب، حيث جاء تقييم أفراد "الجيل الرقمي"لصدارة دولهم وسطدول المنطقة أقل مقارنة مع الجيل "القومي"و"الاقليمي"، وقد يكون ذلك بسبب تضاؤل الفرص الاقتصادية أمامهم.
سوق العمل:
تساعد المقاربة المعتمدةعلى منظور الأجيال والفئات العمرية المختلفة تحديد توجهات القوى العاملة وخصائصها بشكل أكثر عمقاً من أجل رصد أبرز تحديات سوق العمل، بما في ذلك البطالة وانخفاض الانتاجية وإشراك الموظفين وتضخم القطاع العام.
يواصل القطاع العام في المنطقة استقطاب الخريجين الجدد بفضل ما يوفره من رواتب مرتفعة وحماية الموظفين واستقرارهم الوظيفي، فضلاً عن المكانة الاجتماعية المرموقة للموظف الحكومي وخاصة في الشركات المملوكة من الحكومة.
لكن وفي ظل تقلص الميزانيات الحكومية، لا يمكن استدامة مثل هذه السياسات على المدى الطويل، حيث تزداد الضغوطات على القطاع الخاص لتوفير فرص عمل من شأنها الحد من انتشار البطالة وسط المواطنين، وخاصة الشباب منهم.
أظهرت نتائج الاستبيان وما توصلت إليه فرق العمل نتائج مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بتباين واقع ونظرة الأجيال نحو سوق العمل. ويوضح رامز شحادة، شريك في بوز آند كومباني، أن الاستبيان توصل إلى نتيجة مفادها أن الشركات المعتمدة على التقنية تبحثعن المميزات التي يتمتع بها أفراد "الجيل الرقمي"، وفي مقدمتها التفكير الابتكاري، ومع نمو أعمال هذه الشركات وازدياد مساهمتها في اقتصاديات المنطقة، فستتجه أكثر فأكثر للاستفادة من مميزات ومهارات "الجيل الرقمي".
جاءت معظم الصفات التي يتميز بها الجيل القديم إيجابية، بما في ذلك الدقة والانضباط، والاحترام والرغبة في تعليم الآخرين وغيرها، وفي ظل عدم وجود تداخل في خصائص الأجيال ضمنالمجموعات العمرية قيد الدراسة، فإن التباين في مميزات كل جيل قد يشكل ميزة تنافسية، حيث يمكن أن يضفي وجود موظفين من شرائح عمرية متنوعة قوة إضافية للشركات.
كانتحقيقالمساواةبينالجنسينفيمكانالعملأحدالمجالاتالرئيسيةللسؤال.وبشكلعام،كانت الأجيال الأكبر عمراً هيالأكثراعتقاداً بأنالمرأةتتمتعحالياًبفرصعملمتساويةمعالرجال، ولكن مع وجودبعضالاختلافاتبين المناطق،حيث يعتقد في صحة ذلك قرابة نصفالمشاركين من مجموعة الجيل العربي الإقليمي والجيل العربي القومي.ومعذلك،لا يوافق على ذلك تماماً الجيل الرقمي العربي،ويظهرهذاالاختلاف أكثرجلاءً بينالنساء في مجموعةالجيل الرقمي العربي، حيث تعتقد نسبة45%فقطمنتلكالمجموعةأنالمرأةلديهانفسفرصالعملالمتاحةللرجال.ومن بين التفسيراتالمحتملةلهذهالنتائجهوأنالشبابفيمنطقةالشرقالأوسطوشمال أفريقيا لديهمتوقعاتأعلى.وقد تبنّت العديدمنالبلدانخطواتنحوالمساواةبينالجنسينفيمكانالعمل،وفي حين قد يشعر العاملينالأكبرعمراً بأنتلكالتدابيرتمثلتقدماًكبيراً،يعتقدالشبابأنذلكلايكفي.
وقد ساند أكثرمن50%منجميعالمشاركين منالأجيالالثلاثالنساء الباحثات عن العمل، شريطة وجود قواعدوأنظمةمعمولبهالاحترامتقاليدوثقافةالبلاد.وتجدرالإشارةإلىأنغالبيةالمشاركين ليسوا علىدراية كافية بالأثرالإيجابيلمثلهذهالتدابيرعلىالاقتصادالكلي.ويمثل هذا الأمر فرصةمحتملةلتوعيةالمواطنين،حيث ثمة أدلةمقنعةعلىأنإدماج النساء فيالقوةالعاملةمن شأنه تحفيز النموالاقتصادي.
التقنية والإعلام والنزعة الاستهلاكية:
أظهرت نتائج الاستبيان تبيانات واضحة بين الأجيال فيما يتعلق باستخدام التقنيات الرقمية والمعلومات وأنماط الاستهلاك وتوجهات الشراء، مما يمكن تصنيفه في 3 مجالات رئيسية هي التقنية والإعلام والنزعة الاستهلاكية.
· التقنية :
لم يكن من المفاجئ وجود اختلافات كبيرة بين الفئات العمرية فيما يتعلق باستخدام التقنيات، لكنشحادة يوضح أن الفجوة في استخدام التقنية بين الأجيال تتقلص تدريجياً مما يعطي مؤشرات هامة للحكومات، حيث يزداد الوعي التقني لدى المواطنين مع ارتفاع وتيرة الاتصال في المجتمع، مما يفرض ضرورة تطوير خدمات حكومية الكترونية كجزء من خطة التنمية التقنية على النطاق الوطني مما يصب أيضاً في مصلحة الحكومات.
· الإعلام :
بالإضافة إلى الترابط والاتصال عبر الانترنت، تستخدمالمجموعات العربية التي شملها الاستطلاعوسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع، وفي ظل وجود جيل شاب يتقن اللغات الأجنبية ويتمتع بمهارت تقنية، تشهد المنطقة ارتفاعاً ملحوظاً في تطبيقات وسائل وشبكات التواصل الاجتماعي، وإلى جانب الأهداف الاجتماعية، تتوسع الأجيال العربية في استخداماتها لهذه الوسائط من أجل أهداف اخرى، وهنا يبرز الاختلاف بين الفئات العمرية وتحديداً فيما يتعلق بالإعلام والنزعة الاستهلاكية.
يشير جاينت بارغافا، مدير أول في "بوز آند كومباني"،إلى أن الاستبيان أظهرأن وسائل الإعلام والإعلان التقليدية باستثناء التلفزيون تعاني من تراجع في فعاليتها من حيث تدني قدرتها على الوصول إلى شرائح معينة من الجمهور مقارنة مع الإنفاق الكبير نسبياً الذي تتطلبه هذه الوسائل، ويشير بارغافا إلى ضرورة أن يواكب الإعلان عبر الوسائط الرقمية كيفية إقبال الأجيال العربية على الإعلام.
· النزعة الاستهلاكية:
يزداد تأثير وسائل التواصل الإعلامي على السلوك الاستهلاكي بحسب نتائج الاستبيان، وهنا يلفت شحادة إلى أن أكثر من ثلثي المستلطع آرائهممن مختلف المجموعات العمرية يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن توصيات أو نصائح استهلاكية من أجل اتخاذ قرار الشراء، لكن ولدى المقارنة مع الدول المتقدمة، لا يستفيدمسئولي التسويق في المنطقة من هذا التوجه بعد.
بالرغم من ازدياد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها من مجرد شبكات للتواصل إلى أدوات مؤثرة على أنماط الشراء والاستهلاك، لا تستغل الشركات المحلية في المنطقة هذه الفرصة، إذ تتطلب الاستفادة من هذه المعطيات التركيز على عدة جوانب، ويضيف بارغافا:"يجب على مسئولي التسويق تطوير استراتيجية تدمج وسائل التواصل الاجتماعي ضمن خطة التسويق العامة للشركات، ومن الضروري الاستثمار لفتح قنوات لخدمة العملاء من خلال فضاءات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقديم محتوى مبتكر مناسب بهذه الوسائل، فضلاً عن رصد إشراك العملاء والمستهلكين عبر فريق متخصص للتواصل مع الجمهور". ويشير إلى أن مسئولي التسويق في الدول المتقدمة بدأوا ببناء فرق عمل متخصصة بالتواصل الاجتماعي تتضمن مدراء متخصصين لكل منطقة وخبرات إبداعية ومحللي بيانات من أجل دراسة سلوك المستهلكين بشكل معمق والاستفادة منها.
خلال مراحل التغيير كالتي تشهدها المنطقة العربية حالياً، من الضروري أن تدرك الحكومات أن مواطنيها لديهم مدارك ومميزات وطرق تفكير خاصة بكل شريحة عمرية، ومن أجل بناء منصات اجتماعية للحوكمة لتحقيق التنمية الاقتصادية، يجب على الحكومات أن ترصد باستمرار التبيانات والتمايزات بين مختلف الشرائح العمرية والأجيال ضمن مجتمعاتها بهدف مواكبة متطلبات وأولويات مختلف الفئات المجتمعية للمواطنين، وفي الجانب المقابل، على الشركات أيضاً إدارك خصائص كل جيل على حدةمن أجل بناء قوى عاملة أفضلوتحفيز بناء القيمة المضافة عبر ترويج التجارة الالكترونية والتقنيات الرقمية.



التعليقات