فاطمة .. مُدرِسة لغة انجليزية تنام داخل الحمامات العامة .. تهرب من مستشفى الأمراض النفسية لشعورها بالملل ! .. شاهد الصور
رام الله -غزة -دنيا الوطن-من علاء الحلو
تختصر قارعة الطريق تناقضات الحياة، فتجمع شاباً جامعياً جلس على مقهى يرتشف شاي النعناع، وآخر يبيع السجائر وثالث يمسح زجاج سيارته، ورجل يقلب صفحات الجريدة برفقة مجموعة أخرى تلعب الشطرنج.
ذات القارعة تحوى سيدة عجوز تربعت ككومة عظم كستها ثياب رثة نتنة الرائحة، ظهر على ملامح وجهها المجعد الخوف من كل متحرك، بعد أن فقدت الثقة بأقاربها وبالجميع، تراها حذرة النظرات، لا يمكنها الايمان سوى بالله الذي لا تكف عن ذكره في حديثها الغريب.
"شيزوفرينيا" هذه هي الكلمة الوحيدة التي يمكن ان تصف حال "فاطمة م. ع. ب." المتناقضة بشكل لا يدع مجالاً للشك أمام محدثيها، فهي سيئة المظهر والهيئة والرائحة، لكنها قادرة على تبادل أطراف الحديث والإقناع والإمتاع بما لديها من مخزون ثقافي واسع، اضافة الى اجادتها اللغتين الانجليزية والعبرية.
عملت فاطمة التي تشكو ظلم القريب والبعيد مُدرِسة تدبير منزلي، وكانت تعطي دروس تقوية في اللغة الانجليزية التي تجيدها بشكل واضح طغى على حديثها مع مراسل "القدس" علاء الحلو، لكن ذلك لم يمنع البؤس عنها، حيث لاحقها برفقة الظلم حتى أوصلها للنوم على أرصفة الطرقات وفي حمامات البلدية العامة في ميدان فلسطين وسط غزة.
تلك الحمامات لا تصلح لنوم البشر أو حتى الحيوانات، فالرائحة لا يمكن لأحد تحملها طيلة الليل، إلا إذا كان مجبوراً نتيجة هذا الحد غير المعقول من الاهمال الواضح، ذلك الاهمال الذي لم يستثني المؤسسات الخيرية التي تعنى بهذه الفئة من المواطنين.
تجاعيد تلك العجوز الخمسينية ووجنتاها الحمراوتان أفصحت دون كلام عن الكثير من أسرار الألم والضيم والحرمان والقسوة التي لاقتها في حياتها، وأوصلتها الى ما هي عليه الآن، في انتظار رحمة مشفق، أو شفقة أجل.
العجوز رفضت في بداية الأمر التحدث بأي من تلك الكلمات إيمانا منها بعدم وجود أشخاص يمكن أن يساعدوها "دون مقابل" حسب وصفها، وبعد إلحاح وافقت الحديث، مشترطة أن نشتري لها السجائر والعشاء من الكشك المقابل.
وتقول فاطمة أنها تعرضت لضربة في رأسها من أحد الأقارب أخذت على اثرها سبعة عشر غرزة، وأنها تذهب الى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية لكنها تشعر بالملل هناك، لذلك تخرج من المستشفى وتنام على رصيف ميدان فلسطين أو في الحمامات "الاسمنتية الدافئة" حسب وصفها.
وتضيف: "لا يساعدني أحد إلا بعض المحسنين بقليل من الشواكل، ولا أتمكن من شراء كل ما يلزمني، ولا أتمكن كذلك من الحصول على الشئون لأن شقيقتي تأخذها ولا تعطيني شئ على الرغم من أن الشئون تأتي على اسمي".
زكمت أنفي كي أستطيع استكمال الاستماع الى فاطمة التي قالت: "أنا بطبعي خجولة ولا يمكنني أن أتسول، لكني أطالب الحكومة بتوفير شقة صغيرة تؤويني في أي مكان ومبلغ من المال يمكنني من العيش مثل باقي المواطنين".
بعد انتهاء حديثي مع فاطمة توجهت الى حمام البلدية الذي تنام فيه، أذهلني حجم قذارة المكان، هو لا يصلح حتى لنوم الفئران، لا يوجد فيه أي قط أو حتى عصفور، رائحته نتنة الى حد بعيد ولا يمكنك بعد دخوله أن تتناول فطورك بشهية كل صباح.
"فرج على" يعمل موظف ببلدية غزة مهمته تنظيف ذلك الحمام العام، قال: "منذ سنتين وأنا أرى فاطمة على أرصفة ميدان فلسطين، وأغلب الليالي تنام داخل الحمام، وتشعل النار داخل الحمام وتتناول المأكولات والمشروبات فيه".
ويضيف على: "أنا من يخرج فاطمة من الحمام، أتصرف معها بأسلوب هادئ لأنها عصبية ويمكن أن تشتمني، لا أحد يهتم بها أو يسأل عنها، وفي احدى المرات جاءت دورية شرطة وأخذتها الى احدى المستشفيات، لكنها رجعت مجدداً بعد شهرين، وبعد ذلك سقطت في الشارع وكسر حوضها، والآن لا تتمكن من المشي إلا بمساعدة كرسي".
وتبقى حالة "فاطمة" والكثير من الحالات المشابهة تنتظر على ذات القارعة، تنتظر فرجاً من الله أو شفقة من عباده، وحال لسانها يقول: "ظلمتني الدنيا بما يكفي، وآن الأوان كي أنعم بآخر أيام حياتي ببيت دافئ وحياة نظيفة ولو ليوم واحد".


تختصر قارعة الطريق تناقضات الحياة، فتجمع شاباً جامعياً جلس على مقهى يرتشف شاي النعناع، وآخر يبيع السجائر وثالث يمسح زجاج سيارته، ورجل يقلب صفحات الجريدة برفقة مجموعة أخرى تلعب الشطرنج.
ذات القارعة تحوى سيدة عجوز تربعت ككومة عظم كستها ثياب رثة نتنة الرائحة، ظهر على ملامح وجهها المجعد الخوف من كل متحرك، بعد أن فقدت الثقة بأقاربها وبالجميع، تراها حذرة النظرات، لا يمكنها الايمان سوى بالله الذي لا تكف عن ذكره في حديثها الغريب.
"شيزوفرينيا" هذه هي الكلمة الوحيدة التي يمكن ان تصف حال "فاطمة م. ع. ب." المتناقضة بشكل لا يدع مجالاً للشك أمام محدثيها، فهي سيئة المظهر والهيئة والرائحة، لكنها قادرة على تبادل أطراف الحديث والإقناع والإمتاع بما لديها من مخزون ثقافي واسع، اضافة الى اجادتها اللغتين الانجليزية والعبرية.
عملت فاطمة التي تشكو ظلم القريب والبعيد مُدرِسة تدبير منزلي، وكانت تعطي دروس تقوية في اللغة الانجليزية التي تجيدها بشكل واضح طغى على حديثها مع مراسل "القدس" علاء الحلو، لكن ذلك لم يمنع البؤس عنها، حيث لاحقها برفقة الظلم حتى أوصلها للنوم على أرصفة الطرقات وفي حمامات البلدية العامة في ميدان فلسطين وسط غزة.
تلك الحمامات لا تصلح لنوم البشر أو حتى الحيوانات، فالرائحة لا يمكن لأحد تحملها طيلة الليل، إلا إذا كان مجبوراً نتيجة هذا الحد غير المعقول من الاهمال الواضح، ذلك الاهمال الذي لم يستثني المؤسسات الخيرية التي تعنى بهذه الفئة من المواطنين.
تجاعيد تلك العجوز الخمسينية ووجنتاها الحمراوتان أفصحت دون كلام عن الكثير من أسرار الألم والضيم والحرمان والقسوة التي لاقتها في حياتها، وأوصلتها الى ما هي عليه الآن، في انتظار رحمة مشفق، أو شفقة أجل.
العجوز رفضت في بداية الأمر التحدث بأي من تلك الكلمات إيمانا منها بعدم وجود أشخاص يمكن أن يساعدوها "دون مقابل" حسب وصفها، وبعد إلحاح وافقت الحديث، مشترطة أن نشتري لها السجائر والعشاء من الكشك المقابل.
وتقول فاطمة أنها تعرضت لضربة في رأسها من أحد الأقارب أخذت على اثرها سبعة عشر غرزة، وأنها تذهب الى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية لكنها تشعر بالملل هناك، لذلك تخرج من المستشفى وتنام على رصيف ميدان فلسطين أو في الحمامات "الاسمنتية الدافئة" حسب وصفها.
وتضيف: "لا يساعدني أحد إلا بعض المحسنين بقليل من الشواكل، ولا أتمكن من شراء كل ما يلزمني، ولا أتمكن كذلك من الحصول على الشئون لأن شقيقتي تأخذها ولا تعطيني شئ على الرغم من أن الشئون تأتي على اسمي".
زكمت أنفي كي أستطيع استكمال الاستماع الى فاطمة التي قالت: "أنا بطبعي خجولة ولا يمكنني أن أتسول، لكني أطالب الحكومة بتوفير شقة صغيرة تؤويني في أي مكان ومبلغ من المال يمكنني من العيش مثل باقي المواطنين".
بعد انتهاء حديثي مع فاطمة توجهت الى حمام البلدية الذي تنام فيه، أذهلني حجم قذارة المكان، هو لا يصلح حتى لنوم الفئران، لا يوجد فيه أي قط أو حتى عصفور، رائحته نتنة الى حد بعيد ولا يمكنك بعد دخوله أن تتناول فطورك بشهية كل صباح.
"فرج على" يعمل موظف ببلدية غزة مهمته تنظيف ذلك الحمام العام، قال: "منذ سنتين وأنا أرى فاطمة على أرصفة ميدان فلسطين، وأغلب الليالي تنام داخل الحمام، وتشعل النار داخل الحمام وتتناول المأكولات والمشروبات فيه".
ويضيف على: "أنا من يخرج فاطمة من الحمام، أتصرف معها بأسلوب هادئ لأنها عصبية ويمكن أن تشتمني، لا أحد يهتم بها أو يسأل عنها، وفي احدى المرات جاءت دورية شرطة وأخذتها الى احدى المستشفيات، لكنها رجعت مجدداً بعد شهرين، وبعد ذلك سقطت في الشارع وكسر حوضها، والآن لا تتمكن من المشي إلا بمساعدة كرسي".
وتبقى حالة "فاطمة" والكثير من الحالات المشابهة تنتظر على ذات القارعة، تنتظر فرجاً من الله أو شفقة من عباده، وحال لسانها يقول: "ظلمتني الدنيا بما يكفي، وآن الأوان كي أنعم بآخر أيام حياتي ببيت دافئ وحياة نظيفة ولو ليوم واحد".
عن القدس




