لعبة الأيام عوالق على جناحي اليمام بقلم:آصف قزموز

لعبة الأيام عوالق على جناحي اليمام بقلم:آصف قزموز
لُعبَةِ الأيامْ وعَوالِق على جَناحَيِّ اليَمامْ

بقلم:آصف قزموز

كان ذلك في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، إبان الانتفاضة الأولى، حين كانت القِيَمَ والمُثُل الوطنية النبيلَة تتسيَّد على شفاه وسلوكيات جُلّنا الفلسطيني، وكان النسيج الوطني والمجتمعي الفلسطيني ما زال صامداً متكافلاً متكاملاً يعاند الرياح الاحتلالية العاتية التي كانت تخطط بعناية لكيفية الإطاحَة بهذا الصمود والتماسك المتراصف بهدف تقويض الانتفاضة أولاً وعلى طريقَة "دودُه من عُودُه" أو "دود الخَل مِنو فيه"، ولزرع الفِتْنَة بين الناس كسبيلٍ ناسِف ومُدَمِّر لوحدَة الشعب وقواه الحيَّةِ التي لم تَتَلوث بعد وتتصدى للاحتلال.
يدخل ضابط المخابرات الاحتلالي مزهُواٍّ برفقَة جنوده المدججين بكل أسباب الموت والتخريب، بوابَةِ المخيم من واسِعها برداً وسلاماً وبترحابٍ صامتٍ من الناس المُثخَنين بترويع وتعديات الجماعات المندسَّة من الملثمين مجهولي الهوية الذين اختلطوا بحابِلِ الانتفاضة ونابِلِها وعاثوا جرائم وفساداً باسمها. وسرعان ما أقام لجيشهِ موقِعاً دائماً على سطح أحد المنازل المشرف والكاشف لمختلف حارات المخيم. ورغم أن هذه العملية كانت احتلالية بامتياز، إلا أن الضابط وجنوده لم يلاقوا اعتراضاً من أحد، وذلك بسبب طول معاناة الناس وترويعهم على أيدي المندسين ممن تلثموا بالكوفية الوطنية، حيث جاءَ هذا الإجراء في تلك اللحظة مستتراً تحت عباءة الحماية وتوفير الطمأنينة للمواطنين بعد طول عذابٍ وقلق، ممن كانوا ينتهكون حرمات الناس وحرياتهم، لا يعرف هويتهم أحَد ولم يقدر عليهم أحد. وبالتالي، تنفس الناس الصعداء بوجود هذه الحماية إلى حد أن الجنود كانوا ينعمون هم أيضا بالسلام والسكينة ويلاطفون المارة من الأطفال ويطعمونهم من طعامهم، أي أنهم استطاعوا أن يخلقوا مع الناس علاقة تعايش تحمل في مظهرها سمات الإنسانية والتعاطف والحرص والسهر على سلامة المواطنين. وقد مكثوا ردحا طويلا من الزمن وهم يلاعبون الناس ويلعبون بهم على جبهتين: الأولى عندما كان الأطفال يرشقون الحجارة على الجيش بالنهار فيبادلهم الجنود ذلك بإطلاق النار المطاطي والحي ما كان يلحق إضرارا في زجاج وممتلكات المواطنين، ليأتي ضابط المخابرات في جولة المساء أو عقب كل مواجهة ليطوف برفقة جنوده ومعاونيه على البيوت المتضررة، ليقدم لهم العون السخي المحمول على عبارات التعاطف والإنسانية والرثاء لحال هؤلاء المواطنين الذين تضررت منازلهم. ناهيك عن وعوده للناس بمعاقبة الجنود الذين تصرفوا أية تصرفات خاطئة بحقهم أثناء المواجهات. والجبهة الثانية بالتوازي مع الأولى، هي ظاهرة الملثمين مجهولي الهوية الذين كانوا يبتزون بعض المواطنين ويعتدون على ممتلكاتهم وأرواحهم أحيانا لأسباب وحسابات مأجورة أو شخصية ضعيفة لا وطنية، لا بل تطورت الأمور حدا أن تعتدي هذه الخفافيش حتى على الشخصيات والناس الوطنيين باسم الثورة ليشوهوا صورة المشهد الفلسطيني ويظهروا للعالم أن الثورة تقتل أبنائها وهي من أمثال هؤلاء براء، وهو ما جعل موضوع التلثيم والملثمين في لحظة من اللحظات محل جدل ونقاش على طاولة القيادة. وبالتالي سرعان ما كان يحضر الجنرال وصحبه ليدور على منازل المتضررين بحجة تقديم المساعدة والمؤازرة المادية والمعنوية وهنا يحق القول: برز الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا ...الخ، وهنا يصدق القول " بِقْتُلِ القتيل وْبِمْشِي بْجَنازْتُه". ثم تمر الأيام ويدور دولاب الزمن ليكمل دورته، وتمضي الانتفاضة بحلوها ومرها وضيقها وفرجها، ويسقط القناع عن وجوه غابرة، وتعدياتٍ سافرة، وتضع الانتفاضة أوزارها وأحمالها وأثقالها، لتحط رحال القاطفين خَراجها في مدريد الساحلة نحو أوسلو، فقد ذاب الثلج وبان المرج ليصحوا الناس على زعاف الحقيقة المرة، حين تبين أن الملثمين مجهولي الهوية في جلهم كانوا يعملون مع الاحتلال ولصالح الاحتلال وبتوجيهاته، ليأتي الضابط بعد كل فِعلَة في كل مرة، ويجمع حصاده من دمنا وتحت ركامنا المسفوح، من خلال تعمية الناس والظهور بمظهر الحامي لهم. وفي النهاية يدخل الملثمون الحقيقيون من أبناء الانتفاضة السجون والمعتقلات أو استشهدوا أو جرحوا، بينما الكثيرين من هؤلاء سادوا ومادو وبُشِروا بطول سلامةٍ وأمان، لا بل أن بعضهم امتطوا دور أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام، فكانت مفارقة عجيبة شهقت لها حناجر الشرفاء. فما أشبه اليوم بالبارحة، وبطش الضواري بالغزلان السارحة، ولكن بأشكال سلمية تقتل بصمتٍ غير جارحَة.
نعم يا سادتي هنا مكمن الحكاية، فقد كان ياسر يغذ الخطى المتعجلة نحو الحُلم الجميل، الذي طاولنا واستطال بنا، ولشدة وفائه ونقائه تكالب حوله المبغضون والحساد الفسائين من سيئي الذِّكْرْ، كيف لا والناس في زمنٍ يطارَدُ به المخلصين والمبدعين والكاظمين الغيظ المظلومين، فالناجح والمخلص يصلى بويلٍ وثبورْ، ولمن يكشف كفاءته على الجاهلين المتنفذين عظائم أمورْ. وتدور به رحى الانتفاضة آنذاك ويكبر ويكبر الحلم في قلبه، ويشتد الحصار على الغلابى والفقراء الذين لا يبارحهم عطفه ورعايته بكل المعاني والأوجه والدلالات، ففي سيارته كان ينقل المرضى والجرحى ويقضي حقهم، ويواسي المنكوبين في محنتهم، يترك مفاتيح سيارته لدى المستخدمين في مكتبه عندما يكون مشغولاً خارج المكتب. ثم ما تلبث أن تستعر حدة الانتفاضة، ويحاول الحاكم العسكري الضغط عليه لاستخدام صلاحياته ويأمر المعلمين بمنع التلاميذ من الخروج من المدارس كي لا يذهبوا لرشق الجيش بالحجارة فيجيبه في كل مرة: هذه ليست مهمة المعلمين ومن باب أولى أن تسحب جنودك من المخيم وترك الناس في حالهم. وهكذا تتكرر المحاولات والاستدعاءات للتحقيق بهدف الضغط عليه بالتهديد والوعيد وهو صامد في وجههم كالطَّود، وهنا تعود بي الذاكرة لتلك الأيام يوم زارتني في مكان عملي إحدى الأخوات وحدثتني عنه وهي تقول بحرقة: والله ثم والله إنو حرام علينا إنوما يكون ياسر مْأطَّر في أحد التنظيمات، يعني إلو سمعة طيبة وبحب الناس والناس بيحبوه، ونشيط وبخدم الناس أكثر من تنظيم بحالو، لازم انْنَظمو معانا بْفَتِح. فقلت لها يا ستي إنتي وشطارتِك أنا معك وبلغيه على لساني إنو لازم يكون مأطَّر، وكان ذلك في لقائي الأول بها، لأعود وألتقيها ثانيةً على أرض الوطن، لأجدها باكيةً على فقد بصرها وياسر، فاستقبلتني بدموعها وهي تقول: تآمروا عليه لكلاب واتخلَّصوا منوا لما كشف عوراتهم ورفض الرضوخ لرغباتهم ولصوصيتهم، استغلوا طيبتو واتهموه بما هو فيهم، اتشقلبت الأمور ونجح الاحتلال بقلب الانتفاضة على روسنا، مليح اللي انتهت هيك يا خُويْ وما طولت أكثر كان الله أعلم شوراح يصير بحالنا، والله ياخوي الانتفاضة ما بدأت هيك ولا كانت هيك، لكن خردقونا من جُواَّالمقاصيف، واتشعبطت الجواسيس عَ ظْهور خِيْلها، الله لا يوفقهم البُعَدا، بس فيش إشي بيظل مْخَبَّا وبكرا راح تِكشِفْهُم السلطة وراح تِفرِز مين الجاسوس ومين الوطني وقول ما قالت سُكَيْنَه، بتعرف يا ابو السعيد أنا عمري ما بَنْسا يوم ما أجا الحاكم عَلى مكتَبُه وقُداّمنا كلنا وْقُدام كل الناس صار يِضغَط عليه ويهَدِّده إذا ما أعطى تعليمات للمعلمين وِلِمعلمات يِمنَعوا لِولاد من الخروج من ساحة المدرسة علشان ما يراجْدُوا حْجار عالجيش، وبِالأخير سألنا طب شو رايكم كيف ممكن نمنع لِولاد، وْوِقِف أبوعمار مثل السبع جاوبوا بكلمتين وقاللو: يا خواجة في مثل عِنَّا بيقول" قاضي لِوْلاد شَنَق حالو" لا إنتِ ولا كل جيشك بِيْقدَر يمنَع هذه لانتفاضَة، الأفضل إنك تسحب جيشك وْتِتركونا بْحالنا بدل ما يظلوا داخلين طالعين عالمخيم يستفزوا الناس ويتحركشوا فيهم منشان بالآخر تيجي تقولنا امنعوا لولاد يْراجدوا!!
طبعاً زي ما قُلتِلكو، المرحومة سُكَينه ما كَذَّبت خَبَر، وْأطَّرَت أبو عمارفور عودتها، وصار أبو عمار يتلقى توجيهات من القيادة في إدارة أمور المخيَّم ، وسرعان ما بدأت الصراعات التنظيمية المصالحية تتزاحم لا سيما الساقطين الحاسدين من أصحاب النفوس المريضة، الذين باعوا ضمائرهم للشيطان والاحتلال، فجرفتهم أهواءهم حد الإجرام بحق النفس البشرية والوطنية والإنسانية، ولما شَعَر أبو عمار أن البعض من حوله يريد استغلال المساعدات القادمة من داخل الخط الأخضر والتصرف بها لحسبات شخصية وفردية وعائلية، قام على الفور بالترتيب مع وكالة الغوث بأن تودع المساعدات في مخازنها لتتولى توزيعها على الناس ويكون بذلك قد قطع دابر السارقين، ليترافق هذا الأمر مع مشكلة أخرى وهي وصول معلومات لأبو عمار كونه رئيس اللجنة عن مبلغ من المال أرسل له من الخارج لصالح المخيم، ويتبين أن المبلغ تصرف به أحدهم لجيبه الشخصي ولم يرد أن يعترف بفِعْلَتِهِ حفاظاً على بريستيجه الوطني وتلتقي المصالح الضيقة ويصطف آخرون بالتكتل مع السارق، وعلى طريقة رمانة وقلوب مليانة، ناس توكِلِ الجاجْ وْناس تِقَع في السْياج، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها أولئك اللصوص وبدأوا باستباق الأحداث يحيكون الفِتَن والدسائس حول أبوعمار ويُطلِقون الفِرى والشائعات المُغْرِضَة، وطبعاً هذيك الأيام لو كنت نَبِي أوأكبر زعيم وطني أو قائد ثوري راس مالْها يبعثولك حَدا يِكتِب عالحيطان العميل فُلان بتوقيع إسم أعمى زي قلوبْهُم، وْهات ساعتها كل صحافة العالم تِثْبِت بَراءتَك. ويستمر مسلسل الكتابة بالشائعات والتهديد، من قبل هؤلاء والطامعين بمنصبِهِ ومسؤولياتِه وإزاحته من وجههم الغابر، وللأسف أن كثيرين من هؤلاء الخفافيش وبائعي الضمائر والأخلاق كان إذا أراد أحدهم أن يَبْتَزَّ مواطن أويخطب عروساً بغير رضا أهلها، لا يكلفه ذلك سوى أن يتلثَّم وصحبه ويُهَدَّد باسم الثورة، والثورة منهم بَراءْ. وهكذا يتطور الحَدَث وتكبر كرة الثلج السوداء بسواد وجوههم وأرواحهم الميته، ويتخلَّصوا ممن أَرَّقَهُم وكشف عوراتهم وحقيقتهم. لقد كان ياسر متمسكاً بموقف التحدي لهم إيماناً منه ببراءته مما يحيكون واطمئناناً بأنهم لن يجرؤوا على إيذائه لأن القيادة تعلم الحقيقة ولن يجرؤوا على فِعْلتهم الشنعاء بعارهم الأبدي، فيقتحمون عليه روحه وتاريخه وانتمائه الوطني الناصع وأهله، في وضح الليل تحت الأضواء الكاشفة لجيش الاحتلال وحمايته الصامته على الجريمة، فتسدل الستارة على سيرةٍ طيبة بمشهَدٍ تراجيدي بكاه الكثيرون ممن لم يجرؤوا على النطق أو قول الحقيقة في لحظتها أمام البُغاثْ، وما لبثت أن خرجت السباع من عرائنها والخيول من أعنتها إلى جانب الجرذان والخفافيش، في مشهدٍ دامٍ وإطار انتصارٍ منقوصٍ وأملٍ مشْروخٍ بكل هؤلاء وأمثالهم.
فهل من دروسٍ وعِبَر لمن يدعون اليوم لانتفاضة ثالثة، بعد التورط في الثانية التي ما زلنا ندفع الثمن الباهظ ونحن غارقون بأوحال نتائجها وتبعاتها المكلفة التي أعادتنا سنين الى الوراء وهَبَّطت سقفنا السياسي على رؤوسنا ؟!
فكم من قاتلٍ رزيل سار بجنازةِ القتيل، وكم من خائنٍ عميل سار بجِلباب الدَّخيل، وكم من فاسِدٍ ضَلِّيلْ سار بقبَّعة الجَليلْ، وكم من داعِرٍ شِرِّيرْ يدَّعي النَّبْتَ الأصيلْ، وكم من مجرمٍ قاتل يهدم العُش الجميل. فلا نامت أعين الجبناء.
[email protected]

التعليقات