مؤرخ يكتب بالتفاصيل: "أحمد عبد العزيز" بطل مصري حارب في فلسطين
ياسين السعدي
لازمتني عادة منذ تفتح مداركي وميولي المبكرة لحب القراءة، وهي أنني كنت أحتفظ بما يعجبني من المواد التي تنشر في الصحافة, وعندما انتشر استعمال الكمبيوتر صرت أنسخ ما يعجبني وأحتفظ به في ملف خاص سميته: ( مقالات كتاب مختارة). من ضمن هذه المقالات المختارة مقال بعنوان: (البطل الشهيد أحمد عبد العزيز)، إعداد الصحفي المصري عصام غزال، وتاريخ النشر 12112011م.
يبدأ عصام غزال مقاله بالحديث عن النصب التذكاري لهذا البطل في المقبرة الإسلامية بالقرب من قبة راحيل في بيت لحم فيقول: (أدت أعمال استيطانية متواصلة في ضريح قبة راحيل الإسلامي، شمال بيت لحم، الذي حولته سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى كنيس يهودي، إلى محاصرة نصب تذكاري في المقبرة الإسلامية التابعة للضريح، يعود لقائد المتطوعين المصريين في حرب فلسطين عام 1948م).
النصب التذكاري لهذا البطل محاط بأسلاك، بينما ترتفع بجانبه الأسوار العالية وفتحات المراقبة حيث الكنيس اليهودي الذي يشكل جيباً استيطانيا وسط محيط عربي.
التعريف بالبطل
يقول الصحفي عصام غزال: (ولد فى29 يوليو1907م بمدينه الخرطوم بالسودان، حيث كان والده قائدًا للكتيبة الثامنة فى مهمة عسكريه بالسودان، عاد بعدها إلى مصر).
ويتحدث عن نشأته وحبه للوطن والجندية منذ بداية شبابه حيث شارك في ثورة سنة 1919م وهو في الثانية عشرة من عمره, وفي 1923م أدخل السجن بتهمة قتل ضابط إنجليزي، وتم الإفراج عنه وأبعد إلى المنصورة.
ثم يصف هذا البطل: (وقد عُرف – بطلنا - بين زملائه وتلاميذه بالإيمان العميق، والأخلاق الكريمة، والوطنية الصادقة، وحب الجهاد، والشغف بالقراءة والبحث، وزادته الفروسية التي التحق بسلاحها نبل الفرسان وترفعهم عن الصغائر والتطلع إلى معالي الأمور).
ضمير عربي أصيل
ويتحدث عن المرحلة التي سبقت النكبة, وعن قرار التقسيم الظالم الذي صدر عن الأمم المتحدة، فكان، رحمه الله, من القلائل الذين حملوا الدعوة إلى الجهاد وتنظيم الأفراد المتطوعين، وقام هو بالتدريب والإعداد.
وبدلا من أن يلقى دعما رسميا من الدولة، فوجئ بمن يخيره بين ترك وظيفته في الجيش, وكان برتبة مقدم, أو ترك عمله التطوعي والبقاء في الجيش قائلا له: إذا أردت الجهاد فلتحل إلى الاستيداع، فأجابه دون تردد: ورتبتي أتنازل عنها إذا تطلب الأمر، ما دام في ذلك مصلحة البلاد.
جد وجهاد
بدأ أحمد عبد العزيز العمل على الفور، واستقبل المتطوعين، وتولى تدريبهم وإعدادهم، واعتمد في تسليحهم على ما أمدّته به قيادة الجيش من مدافع خفيفة وأسلحة وقدر من الذخائر بعد أن ألح في الطلب، واتخذ كل وسيلة لإقناع المسئولين بأهمية تزويد المتطوعين بالسلاح، كما اعتمد على ما جمعه من المتطوعين من الأسلحة التي خلَّفتها الحرب العالمية الثانية؛ فأصلح ما يُمكن إصلاحه منها.
يقول الكاتب: (وبعد أن اطمأنَّ على عملية التدريب تجهز للرحيل إلى فلسطين، وشارك قوات جماعة الإخوان المسلمين التي كان الشيخ الشهيد, محمد فرغلي, موجهها الديني).
قبل الدخول إلى فلسطين، وقبل أن تبدأ عمليات الجهاد, أخذ ينظم جنوده ويراجع معهم الخطط والمهام، وإعدادهم نفسياً وبث الثقة والإيمان في نفوسهم. وبعد مشقة استطاع دخول مدينة خان يونس في قطاع غزة.
كانت أولى العمليات مهاجمة مستوطنة قريبة مما أجبر مستوطنيها على الفرار مذعورين.
تحدى كل الصعاب
وبرغم صغر حجم قواته، وانخفاض مستواها من حيث التسليح والتدريب مقارنًة باليهود، إلا أن البطل أقتحم بهم أرض فلسطين، ودارت بين الجانبين معارك حاميه؛ بداية من دخول البطل والفدائيين المصريين مدينة العريش، مرورًا بمعركة خان يونس.
وبرغم مماطلة المسئولين فى القاهرة فى إرسال أسلحه للمتطوعين، إلا أن قوات الفدائيين بقياده البطل حققت انتصارات مذهله على اليهود، وساهمت فى الحفاظ على مساحات واسعة من أرض فلسطين، ودخلت مدينه القدس الشريفة ورفعت العلم الفلسطيني والعلم المصري جنبًا إلى جنب, وأعادت رسم الخرائط العسكرية للمواقع فى ضوء الوجود اليهودي، مما سهل من مهمة القوات النظامية العربية التي دخلت فيما بعد فى حرب 1948م.
قاتل الفدائيون المصريون إلى جانب القوات النظامية، وقام بنفسه يوم 16 مايو 1948م وقدم للقائد المصري العام كل ما لديه من معلومات عن العدو.
نصر لم يكتمل
وبدأ احمد عبد العزيز بشن عملياته ضد المستعمرات اليهودية، وأهمها مستعمرة (رمات راحيل)، التي كانت تشكل خطورة نظرا لموقعها الاستراتيجي الهام على طريق القدس - بيت لحم، لذا قرر احمد عبد العزيز احتلال المستعمرة وقاد هجوما عليها يوم الاثنين 24/5/1948م بمشاركة عدد من الجنود والضباط والمتطوعين الأردنيين.
بدأ الهجوم بقصف المدافع المصرية للمستعمرة، بعدها زحف المشاة يتقدمهم حاملو الألغام الذين دمروا اغلب الأهداف المحددة لهم، ولم يبق إلا منزل واحد احتمى فيه سكان المستعمرة.
يورد خبراً لمسناه وعرفناه في معركة (المزار - جنين) بلد كاتب هذه السطور، التي قادها القائد العراقي البطل، العقيد عمر علي، يوم كان الذين تدفقوا على المعركة غير مشاركين فعلياً, وإنما جاءوا لجني الغنائم ونهب البيوت التي تركها أصحابها بكل ما فيها من أثاث ومتاع.
حدثني الوالد، رحمه الله، وقد شارك في المعركة التي انتصر فيها الجيش العراقي انتصارا لم يكتمل بسبب المقولة المعروفة: (ماكو أوامر). قال الوالد, رحمه الله, أن عمر علي عندما رأى بعض الموجودين كانت حميرهم تسبقهم, لكي يحملوها بما ينهبونه, عندها أصدر أمراً بعدم وجود هؤلاء في ميدان المعركة.
ولذلك يورد الكاتب خبراً مخزياً فيقول: (على حين انتشر خبر انتصار احمد عبد العزيز، بدأ السكان العرب يفدون إلى منطقة القتال لجني الغنائم، وانتقلت العدوى للمقاتلين، وذهبت جهود احمد عبد العزيز في إقناع الجنود بمواصلة المعركة واحتلال المستعمرة أدراج الرياح، وأصبح هدف الجميع إرسال الغنائم إلى المؤخرة).
ويكمل الخبر الذي يدل على جشع بعض الناس فيقول: (ووجد احمد عبد العزيز نفسه في الميدان وحيدا إلا من بعض مساعديه، كما حدث للنبي، صلى الله عليه وسلم، حين تخلى عنه صحبه في معركة أحد، وكما تغيرت نتيجة المعركة التي قادها النبي محمد (ص)، وصلت التعزيزات لمستعمرة (رمات راحيل) وقادت العصابات الصهيونية هجوما في الليل على احمد عبد العزيز وصحبه الذين بقوا فيها، وكان النصر فيه حليف تلك العصابات).
موعد مع الشهادة
ولم يمهل القدر احمد عبد العزيز، ليرى ما حدث لفلسطين، فعندما كان في طريقه بصحبة اليوزباشي صلاح سالم, أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر فيما بعد, إلى القيادة المصرية في المجدل ليلة 22/8/1948م، ووصل بالقرب من مواقع الجيش المصري في الفالوجة، أطلق أحد الحراس، واسمه العريف بكر الصعيدي، النار على سيارة الجيب التي كان يستقلها احمد عبد العزيز، بعد اشتباهه في أمرها، فأصابت الرصاصة صدر عبد العزيز الذي ما لبث أن استشهد.
شهادة هيكل
وفي كتابه (العروش والجيوش) الذي عرض فيه محمد حسنين هيكل، ليوميات حرب عام 1948م، تظهر الكثير من صور بطولات احمد عبد العزيز والمتطوعين, كما يقول الصحفي المصري عصام غزال.
ويكتب هيكل عن منع وزارة الحربية المصرية لأي صحفي مصري من التواجد في مناطق عمل القوات المصرية، وتصميمها على أن تحصل الصحافة المصرية على ما تحتاجه من معلومات من إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة.
ويذكر هيكل بأنه تمكن ومصور جريدة (أخبار اليوم) من الوصول إلى قوات احمد عبد العزيز في بيت لحم والخليل مشيا على الأقدام عن طريق القدس، وكيف أن الرقابة العسكرية حذفت كل كلمة وكل صورة، وتم رفع الموضوع إلى وزير الحربية محمد حيدر باشا، الذي وافق في النهاية على نشر خمس صور كانت بينها الصورة الشهيرة لأحمد عبد العزيز، وكانت تلك الصورة هي المرة الأولى التي رأى فيها الناس وعرفوا شيئا عن الرجل الذي أطلقوا عليه وصف (البطل)، ولولا إذن الفريق حيدر باشا لما عرف الناس شيئا على الإطلاق عن أحمد عبد العزيز، لأن الرجل ما لبث أن قتل برصاصة مصرية طائشة أطلقها جندي مصري في موقع على طريق بيت جبرين قبل أن تتاح له الفرصة للعودة للقاهرة.
ثم يورد العبارات التي كان يرددها على مسامع جنوده يحرضهم على القتال والثبات وهي: (أيها المتطوعون، إن حربا هذه أهدافها لهي الحرب المقدسة، وهي الجهاد الصحيح الذي يفتح أمامنا الجنة، ويضع على هاماتنا أكاليل المجد والشرف؛ فلنقاتل العدو بعزيمة المجاهدين، ولنخشَ غضب الله وحكم التاريخ إذا نحن قصرنا في أمانة هذا الجهاد العظيم).
رحم الله أحمد عبد العزيز البطل المصري، وكل الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن فلسطين.
تقدير الرجال
عندما توفي المرحوم، مشهور حديثة الجازي يوم الثلاثاء بتاريخ 6112001م، هذا القائد الأردني البطل, الذي أنجد الفلسطينيين في معركة الكرامة سنة 1968م، كتبت مقالاً مستعجلاً في مساء اليوم الذي أذيع فيه خبر وفاته.
اتصلت تلفونيا بالمرحوم محمود أبو الزَّلَف, أبو مروان، رحمه الله, أخبره بأنني كتبت مقالاً في هذا الموضوع فقال لي بلهجة التقدير للرجل: (ارسله فوراً، هذا بطل عظيم يستحق التقدير). أرسلت المقال عن طريق الفاكس، وظهر على صفحات القدس الغراء في صباح اليوم التالي مباشرة.
لازمتني عادة منذ تفتح مداركي وميولي المبكرة لحب القراءة، وهي أنني كنت أحتفظ بما يعجبني من المواد التي تنشر في الصحافة, وعندما انتشر استعمال الكمبيوتر صرت أنسخ ما يعجبني وأحتفظ به في ملف خاص سميته: ( مقالات كتاب مختارة). من ضمن هذه المقالات المختارة مقال بعنوان: (البطل الشهيد أحمد عبد العزيز)، إعداد الصحفي المصري عصام غزال، وتاريخ النشر 12112011م.
يبدأ عصام غزال مقاله بالحديث عن النصب التذكاري لهذا البطل في المقبرة الإسلامية بالقرب من قبة راحيل في بيت لحم فيقول: (أدت أعمال استيطانية متواصلة في ضريح قبة راحيل الإسلامي، شمال بيت لحم، الذي حولته سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى كنيس يهودي، إلى محاصرة نصب تذكاري في المقبرة الإسلامية التابعة للضريح، يعود لقائد المتطوعين المصريين في حرب فلسطين عام 1948م).
النصب التذكاري لهذا البطل محاط بأسلاك، بينما ترتفع بجانبه الأسوار العالية وفتحات المراقبة حيث الكنيس اليهودي الذي يشكل جيباً استيطانيا وسط محيط عربي.
التعريف بالبطل
يقول الصحفي عصام غزال: (ولد فى29 يوليو1907م بمدينه الخرطوم بالسودان، حيث كان والده قائدًا للكتيبة الثامنة فى مهمة عسكريه بالسودان، عاد بعدها إلى مصر).
ويتحدث عن نشأته وحبه للوطن والجندية منذ بداية شبابه حيث شارك في ثورة سنة 1919م وهو في الثانية عشرة من عمره, وفي 1923م أدخل السجن بتهمة قتل ضابط إنجليزي، وتم الإفراج عنه وأبعد إلى المنصورة.
ثم يصف هذا البطل: (وقد عُرف – بطلنا - بين زملائه وتلاميذه بالإيمان العميق، والأخلاق الكريمة، والوطنية الصادقة، وحب الجهاد، والشغف بالقراءة والبحث، وزادته الفروسية التي التحق بسلاحها نبل الفرسان وترفعهم عن الصغائر والتطلع إلى معالي الأمور).
ضمير عربي أصيل
ويتحدث عن المرحلة التي سبقت النكبة, وعن قرار التقسيم الظالم الذي صدر عن الأمم المتحدة، فكان، رحمه الله, من القلائل الذين حملوا الدعوة إلى الجهاد وتنظيم الأفراد المتطوعين، وقام هو بالتدريب والإعداد.
وبدلا من أن يلقى دعما رسميا من الدولة، فوجئ بمن يخيره بين ترك وظيفته في الجيش, وكان برتبة مقدم, أو ترك عمله التطوعي والبقاء في الجيش قائلا له: إذا أردت الجهاد فلتحل إلى الاستيداع، فأجابه دون تردد: ورتبتي أتنازل عنها إذا تطلب الأمر، ما دام في ذلك مصلحة البلاد.
جد وجهاد
بدأ أحمد عبد العزيز العمل على الفور، واستقبل المتطوعين، وتولى تدريبهم وإعدادهم، واعتمد في تسليحهم على ما أمدّته به قيادة الجيش من مدافع خفيفة وأسلحة وقدر من الذخائر بعد أن ألح في الطلب، واتخذ كل وسيلة لإقناع المسئولين بأهمية تزويد المتطوعين بالسلاح، كما اعتمد على ما جمعه من المتطوعين من الأسلحة التي خلَّفتها الحرب العالمية الثانية؛ فأصلح ما يُمكن إصلاحه منها.
يقول الكاتب: (وبعد أن اطمأنَّ على عملية التدريب تجهز للرحيل إلى فلسطين، وشارك قوات جماعة الإخوان المسلمين التي كان الشيخ الشهيد, محمد فرغلي, موجهها الديني).
قبل الدخول إلى فلسطين، وقبل أن تبدأ عمليات الجهاد, أخذ ينظم جنوده ويراجع معهم الخطط والمهام، وإعدادهم نفسياً وبث الثقة والإيمان في نفوسهم. وبعد مشقة استطاع دخول مدينة خان يونس في قطاع غزة.
كانت أولى العمليات مهاجمة مستوطنة قريبة مما أجبر مستوطنيها على الفرار مذعورين.
تحدى كل الصعاب
وبرغم صغر حجم قواته، وانخفاض مستواها من حيث التسليح والتدريب مقارنًة باليهود، إلا أن البطل أقتحم بهم أرض فلسطين، ودارت بين الجانبين معارك حاميه؛ بداية من دخول البطل والفدائيين المصريين مدينة العريش، مرورًا بمعركة خان يونس.
وبرغم مماطلة المسئولين فى القاهرة فى إرسال أسلحه للمتطوعين، إلا أن قوات الفدائيين بقياده البطل حققت انتصارات مذهله على اليهود، وساهمت فى الحفاظ على مساحات واسعة من أرض فلسطين، ودخلت مدينه القدس الشريفة ورفعت العلم الفلسطيني والعلم المصري جنبًا إلى جنب, وأعادت رسم الخرائط العسكرية للمواقع فى ضوء الوجود اليهودي، مما سهل من مهمة القوات النظامية العربية التي دخلت فيما بعد فى حرب 1948م.
قاتل الفدائيون المصريون إلى جانب القوات النظامية، وقام بنفسه يوم 16 مايو 1948م وقدم للقائد المصري العام كل ما لديه من معلومات عن العدو.
نصر لم يكتمل
وبدأ احمد عبد العزيز بشن عملياته ضد المستعمرات اليهودية، وأهمها مستعمرة (رمات راحيل)، التي كانت تشكل خطورة نظرا لموقعها الاستراتيجي الهام على طريق القدس - بيت لحم، لذا قرر احمد عبد العزيز احتلال المستعمرة وقاد هجوما عليها يوم الاثنين 24/5/1948م بمشاركة عدد من الجنود والضباط والمتطوعين الأردنيين.
بدأ الهجوم بقصف المدافع المصرية للمستعمرة، بعدها زحف المشاة يتقدمهم حاملو الألغام الذين دمروا اغلب الأهداف المحددة لهم، ولم يبق إلا منزل واحد احتمى فيه سكان المستعمرة.
يورد خبراً لمسناه وعرفناه في معركة (المزار - جنين) بلد كاتب هذه السطور، التي قادها القائد العراقي البطل، العقيد عمر علي، يوم كان الذين تدفقوا على المعركة غير مشاركين فعلياً, وإنما جاءوا لجني الغنائم ونهب البيوت التي تركها أصحابها بكل ما فيها من أثاث ومتاع.
حدثني الوالد، رحمه الله، وقد شارك في المعركة التي انتصر فيها الجيش العراقي انتصارا لم يكتمل بسبب المقولة المعروفة: (ماكو أوامر). قال الوالد, رحمه الله, أن عمر علي عندما رأى بعض الموجودين كانت حميرهم تسبقهم, لكي يحملوها بما ينهبونه, عندها أصدر أمراً بعدم وجود هؤلاء في ميدان المعركة.
ولذلك يورد الكاتب خبراً مخزياً فيقول: (على حين انتشر خبر انتصار احمد عبد العزيز، بدأ السكان العرب يفدون إلى منطقة القتال لجني الغنائم، وانتقلت العدوى للمقاتلين، وذهبت جهود احمد عبد العزيز في إقناع الجنود بمواصلة المعركة واحتلال المستعمرة أدراج الرياح، وأصبح هدف الجميع إرسال الغنائم إلى المؤخرة).
ويكمل الخبر الذي يدل على جشع بعض الناس فيقول: (ووجد احمد عبد العزيز نفسه في الميدان وحيدا إلا من بعض مساعديه، كما حدث للنبي، صلى الله عليه وسلم، حين تخلى عنه صحبه في معركة أحد، وكما تغيرت نتيجة المعركة التي قادها النبي محمد (ص)، وصلت التعزيزات لمستعمرة (رمات راحيل) وقادت العصابات الصهيونية هجوما في الليل على احمد عبد العزيز وصحبه الذين بقوا فيها، وكان النصر فيه حليف تلك العصابات).
موعد مع الشهادة
ولم يمهل القدر احمد عبد العزيز، ليرى ما حدث لفلسطين، فعندما كان في طريقه بصحبة اليوزباشي صلاح سالم, أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مصر فيما بعد, إلى القيادة المصرية في المجدل ليلة 22/8/1948م، ووصل بالقرب من مواقع الجيش المصري في الفالوجة، أطلق أحد الحراس، واسمه العريف بكر الصعيدي، النار على سيارة الجيب التي كان يستقلها احمد عبد العزيز، بعد اشتباهه في أمرها، فأصابت الرصاصة صدر عبد العزيز الذي ما لبث أن استشهد.
شهادة هيكل
وفي كتابه (العروش والجيوش) الذي عرض فيه محمد حسنين هيكل، ليوميات حرب عام 1948م، تظهر الكثير من صور بطولات احمد عبد العزيز والمتطوعين, كما يقول الصحفي المصري عصام غزال.
ويكتب هيكل عن منع وزارة الحربية المصرية لأي صحفي مصري من التواجد في مناطق عمل القوات المصرية، وتصميمها على أن تحصل الصحافة المصرية على ما تحتاجه من معلومات من إدارة الشؤون العامة للقوات المسلحة.
ويذكر هيكل بأنه تمكن ومصور جريدة (أخبار اليوم) من الوصول إلى قوات احمد عبد العزيز في بيت لحم والخليل مشيا على الأقدام عن طريق القدس، وكيف أن الرقابة العسكرية حذفت كل كلمة وكل صورة، وتم رفع الموضوع إلى وزير الحربية محمد حيدر باشا، الذي وافق في النهاية على نشر خمس صور كانت بينها الصورة الشهيرة لأحمد عبد العزيز، وكانت تلك الصورة هي المرة الأولى التي رأى فيها الناس وعرفوا شيئا عن الرجل الذي أطلقوا عليه وصف (البطل)، ولولا إذن الفريق حيدر باشا لما عرف الناس شيئا على الإطلاق عن أحمد عبد العزيز، لأن الرجل ما لبث أن قتل برصاصة مصرية طائشة أطلقها جندي مصري في موقع على طريق بيت جبرين قبل أن تتاح له الفرصة للعودة للقاهرة.
ثم يورد العبارات التي كان يرددها على مسامع جنوده يحرضهم على القتال والثبات وهي: (أيها المتطوعون، إن حربا هذه أهدافها لهي الحرب المقدسة، وهي الجهاد الصحيح الذي يفتح أمامنا الجنة، ويضع على هاماتنا أكاليل المجد والشرف؛ فلنقاتل العدو بعزيمة المجاهدين، ولنخشَ غضب الله وحكم التاريخ إذا نحن قصرنا في أمانة هذا الجهاد العظيم).
رحم الله أحمد عبد العزيز البطل المصري، وكل الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن فلسطين.
تقدير الرجال
عندما توفي المرحوم، مشهور حديثة الجازي يوم الثلاثاء بتاريخ 6112001م، هذا القائد الأردني البطل, الذي أنجد الفلسطينيين في معركة الكرامة سنة 1968م، كتبت مقالاً مستعجلاً في مساء اليوم الذي أذيع فيه خبر وفاته.
اتصلت تلفونيا بالمرحوم محمود أبو الزَّلَف, أبو مروان، رحمه الله, أخبره بأنني كتبت مقالاً في هذا الموضوع فقال لي بلهجة التقدير للرجل: (ارسله فوراً، هذا بطل عظيم يستحق التقدير). أرسلت المقال عن طريق الفاكس، وظهر على صفحات القدس الغراء في صباح اليوم التالي مباشرة.
