فضائح سفارة مدريد، أكاذيب وحقائق
د. ناصر عبد الرحمن الفرا
بتاريخ 22 سبتمبر نشرت الصحيفة الالكترونية "عرب تايمز" وغيرها مقال حول سفارة فلسطين فى مدريد بعنوان "فضائح سفارة فلسطينية". كنت قد تعرفت على هذه الصحيفة بالتحديد عن طريق أشخاص يعشقون الروايات التي تمزج عالم السياسية بعالم المال، الجنس والخيانة. بالنسبة لهم الروايات التي تسردها هذه الصحيفة هي مرجعيتهم الأساسية. كل ما تنشر هو شيء مقدس، خاصة أن كان يتعلق بشخصيات عامة. حين تجلس معهم تراهم يسردون الحكايات بشكل تلقائي، كما وكأنهم عاشوا هذه الحكايات بشكل مباشر، أو أن لهم معرفة بحياة أصحابها. الاندفاع الذي كانوا يرددون به هذه الحكايات جذب انتباهي بشكل قوي. عندما تسألهم من أين جاءوا بهذه الروايات وبكل هذه الدقة، يردون فوراً من صحيفة "عرب تايمز". كأي شخص مهتم بالشأن السياسي بدأت اتصفح هذا الصحيفة كمن يريد أن يقرأ قصص لم يسردها احداً من قبل. ما لفت انتباهي فعلاً هو أنها صحيفة جيدة العرض وذات لغة تجذب القاري. قرأت مقال بعد مقال وبعد مقال. لا أعلم لماذا بعد قراءة كل مقال كنت اشعر بإرهاق ذهني غريب لم يحصل لي في قراءات سابقه. نتيجة ذلك تركت قرأتها على ميعاد أن أعود لها بعد فترة. وهذا ما حصل. لا أعرف لماذا نفس الشعور عاد وانتابني مرة أخري بعد تصفحها مرة ثالثة. لا اتذكر كل ما قرأت ولكن بعد قراءة كل مقال كنت أشعر بشيء من الكراهية، الحقد والإنكار لكل ما هو عربي أو فلسطيني. مثل هذا الشعور جبرني أن أقوم بعملية تحليل الصحيفة والشعور الغريب الذي يولده عندي قراءة مقالاتها. منذ ذلك الحين ومن أجل الحفاظ على نوع من التوازن الفكري، تركت تصفحها بشكل نهائي حتى يومنا هذا. ولست نادم على ذلك، فعالم الصحافة مليء بالمقالات التحليلية التي تساهم فى تنمية درجة الذكاء والمقدرة على الاقتراب ومعرفة الحقيقة.
على مستوي شخصي استنتجت بأنها تشوش القيم والأفكار عند قرائها. نوعية المقالات التي تنشرها، اللغة، فحواها، أساليب العرض والجذب، النفر، البغض والحقد، يفقد الإنسان حقاً المقدرة على تحديد ما هو صواب مما هو عكس ذلك. تيقنت فعلاً أنها صحيفة تهدف إلى تدمير مقدرة الإنسان العربي على التمييز والتفكير، وفقط تفرض عليه أن يردد أقاويلها والأخبار التي تريدها بدون أن يتعمق فى الأسباب الخفية التي تقف خلف ذلك. بعدها استغربت كيف صحيفة بهذا التواضع تملك هذا الكم الهائل من المعلومات. مستحيل. كيف لمن يعمل فيها، وهم قلة قليلة، أن يملكوا يعرف كل الخفايا المتعلقة بغرف النوم، الحسابات المالية، المشاجرات العائلية، سرقة الأموال، الدعارة، تجارة المخدرات، الاغتيالات السرية، مؤامرات القصور والملاهي وأسرار وخبايا الحكومات. لو جمعنا عدة أجهزة مخابرات في جهاز واحد لما كان بمقدرته التوصل لهذا الكم الهائل من المعلومات. مع أني من الذين لا يضعون فى الاعتبار فكرة المؤامرة عند تحليل أي خبر أو مقال، إلا أني هذه المرة قلت فى نفسي بأن مثل هذه الصحيفة لا يمكن أن تكتب سوي في قسم سري مخفي، قائم عليه خبراء فى علم النفس السياسي يريدون تجميد عقل ومقدرة الإنسان العربي على الفكر السليم، وأن من يتفحصها ما عليه سوي حفظ الدرس وإعادته كما يعيد الببغاء الجمل الملقنه. أنها صحيفة تعمل على التلذذ فى جلد الإنسان العربي لنفسه ولوطنه ولشعبه. من المؤكد بأن من يعمل فى هذا القسم وخلف هذه الصحيفة هم من خيرة الخبراء فى عالم الثقافة والسياسية العربية ذات التوجه السلبي. إن وجد هذا القسم حقاً، فأكيد يوجد فى أحد المبني التي لا يدخلها النور ولا الهواء الطلق. هذا القول ليس محض الصدفة، خاصة وأنه بعدما يقرأ الإنسان مقالاتها تنتابه غمامة تحجب الرؤية وتسبب ضيق فى النفس.
لقد وصلني بالأيميل مقال صادر عن هذه الصحيفة متعلق بفضائح سفارتنا في مدريد. وقد وجب على قراءة بتمعن. لا يختلف أثنين على أن كثير من سفارتنا فى الخارج ينقصها الكثير من الحرفية المهنية وأن فيها من ليس على مستوي القضية والمسؤولية. وأنها تستحق كل النقد اللازم والبناء الذي يساهم فى الرقي بها. لقد قمت بكتابة مقال فى شأن الدبلوماسية والدبلوماسي العربي مستوحيه من واقع السفارات العربية فى العالم، بما فيهم إسبانيا. ولي رسائل كثيرة موجه بشكل مباشر لسفارتنا تنتقد عن معرفة وتقدير تقصير هذه السفارة في بعض الأوجه. رغم موقفي الناقد لتصرفات الدبلوماسي العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص فأنا هنا رغم ذلك من أجل الدفاع عن سفارتنا هنا، وبالتحديد الدفاع عن ما يمكن الدفاع عنه. لأن على ألإنسان أن ينتقد حين يحق ذلك ويذكر بالخير حين الواجب. سوف اقف هنا مدافعاً عن شخصان تناولهم المقال بشكل مباشر، صلاح أبو القاعود (صلاح أبو قعود) ومحمد عمرو، مع تقدير واحترامي ومعرفتي بنزاهة باقي من ذكرت أسمائهم وكتب عندهم، لكن عدم معرفتي الشخصية التامة بباقي الأشخاص تمنعني من التطرق لهم بشكل مباشر. مع ذلك كل ما يقال عندهم هنا من ناحية النزاهة لا جدال ولا غبار علية. ولو كان هنالك عكس ذلك لقلت فيهم بدون أي تردد أو أدني شك.
بالتحديد بصلاح أبو قعود تربطني علاقة معرفة وصداقة تقارب الخمسة وعشرون عاماً، وبمحمد عمرو العلاقة تقارب الخمس سنوات. عرفت الأخ صلاح عندما كنت طالب فى الجامعة وكان لقائي به شبه دائم وفى معظم المناسبات السياسية والاجتماعية المتعلقة بكل ما هو فلسطيني. عرفته بشكل شخصي وعائلي، ما يعني أن أحواله الخاصة كانت ومازالت مكشوفة تماماً بالنسبة لي ولغيري. انطلاقاً من ذلك كل من يمكن قوله هو أنه افنى معظم عمره فى خدمة السفارة والقضية التى تمثلها. عمل بصبر وبحس وطني كل ما يمكن القيام به أو سمحت له حياته الخاصة، المليئة بالظروف الإنسانية الشاقة، أن يفعل. منذ معرفتى به وأنا وغيري نتمتع بسماحة اخلاقة وتواضعه وبساطة تعامل والمودة التي يكنها اتجاه الصديق القريب والبعيد. لقد كان يعطي جل اهتمامه لقضية وطنه على حساب اهتمامه ببيته وأهلة، ما جعل لاحقاً يدفع ثمن ذلك، ثمن لا يستحقه بأي شكلاً كان. كموظف فى سفارة فلسطين بمدريد، كان يعمل المستحيل من أجل إظهار الاكتفاء وعزة النفس بما يملك. منذ معرفتى به لم أشاهد عليه جشع أو تغيير في ظروف الحياة يلفت الانتباه، بل كل ما أعرفه وغيري من الأصدقاء عنه هو العفة والقناعة بما قسم الله له من رزق. كان بإمكانه ترك وظيفته الرسمية والدخول مجال الاعمال الخاصة ليتسع ثروة وثراء، ولكن التزم بمنصة وبالدفاع عن قضية شعبه ووضعها فوق كل الاعتبارات.
كما يقال دائماً هنا، صلاح أبو قعود هو مندوب غزه الدائم فى سفارة فلسطين فى مدريد، لأن كل غزاوي يتوجه إلي السفارة كان يطرق باب مكتبة للتعارف، التحادث والعمل معه. شخصياً كنت أوصي من يسألني أن يفعل ذلك. فعلاً لقد كان يقوم بواجبة وبتقديم المساعده لمن يستطيع. وحين لم يكن يتمكن يبحث عن البديل من خلال طلب المساعدة ممن هم من حوله من الاصدقاء ليقوموا بذلك بدلاً عنه وعن السفارة. يفعل كل ذلك اعتقاداً من أن ذلك واجبه ليس سوي، وليس مقابل كلمة شكر أو التباهي أمام الغير بما فعل وبما يقال عنه أنه فعل. لقد عمل الكثير من أجل أن يخرج كثير من الفلسطينيين من محنتهم اليومية بدون أن يعلموا بأنه مثل أي إنسان عادي له مشاكله الخاصة ويتمني فى لحظة ما أن يقف أحد بجواره من أحبائه وأصدقائه. أسعد وأجمل وأغلي ما يملك الأخ صلاح في هذا الدنيا هم فقط أبنائه، الذي ناضل من أجل أن يوفقهم الله فى دراستهم وأن يجعل منهم فتيان على مستوي المسؤولية والافتخار. وقد وفقه الله في ذلك. الآن هم وزوجته الكريمة أكبر كنز له. هم ثروته الفعلية وليس هنالك ثروة مادية غيرها تفوقهم فى القيمة. تراه يتحدث عنهم بكبرياء وعزة لا يفوقه سوي ذلك عندما يتحدث عن باقي أهلة، مدينته ووطنه. هذا كل من يمكن قوله هنا وهو القليل. وما أخفي أكثر ولكن لا أزيد عملاً بواجب احترام الخصوصية. إن جمع هذا السيد ثروة فهي ما قدمه بتواضع من خدمات جلية لأبناء وطنه.
بالنسبة للأخ محمد عمرو، أقول نفس ما قلت عن الأخ صلاح. فقسوة حياة كلاهما تتشابه بشكل كبير. كل ما يملكه هذا الشخص نراه يومياً أمام أعيننا، ولم نسمع يوماً همزاً ولا غمزاً عليه من قبل أحد قط. ولكن بالنسبة للأخ محمد هنا أضيف بأنه فى أٌقل من خمس سنوات من العمل فى سفارة فلسطين في مدريد تمكن من ربح احترام وتقدير معظم أبناء الجالية الفلسطينية لما يقوم به من اعمال خير تساهم فى تسهيل أمورهم وحياتهم. ليس هنالك مناسبة اجتماعية إلا ووجدت الأخ محمد عمرو فى الصف الأول ومشجع الجميع في السفارة وخارج السفارة على المشاركة. لقد عملنا معاً فى أمور عدة تخص بعض اخواننا هنا وفي الخارج، وكان يلفت انتباهي مدي انخراطه فى واجبة المهني والإنساني. أذكر أن اهتمامه كان يفوق واجبه المهني ويتعدى الإنساني البحت. أذكر بأن هنالك من كان يتصل معي من مدريد ومن خارج هذه المدينة ليطلب مني ان احكي معه فى أي موضوع مستعجل، وكان دائماً جوابي، بأنكم لا تحتاجون لمن يعرفكم به فهو شخص بأخلاقه العالية ومهنتيه الفائقة يعرف نفسه بنفسه على أفضل وجه، لدرج انني كنت ومازلت اقول للجميع بأني وبحكم أني اصبحت له صديق، وهذا افتخاراً لي، فأنه يمكن أن يتبطء معي في عملة من منطلق ثقة الصداقة ويتسرع فى تلبية واجبه عندما لا يعرف الشخص الذي يطلب منه ذلك، مثل من يريد أن يثبت أنه يقوم بما يمليه عليه واجبه في خدم من لا يعرفه قبل من يعرف. فعلاً أنه يفعل ذلك على أفضل وجه، وخير دليل هو السمعة الطيبة والمكانة المميزة التى حصل عليها بين عامة أبناء الجالية.
سفارة فلسطين فى مدريد ليس وكر سري للمراقبة ولكتابة التقارير. مثل هذا الموضوع فقط يتم التحدث عنه بين بعض أبناء الجالية من أجل السخرية والتنكيت فقط فيما بينا. نحمد الله أننا خلقنا شعب لا نخاف سوي الله ولا يرعبنا مكانة ووظيفة أي شخص فى أي منصب ومكاناً كان. كنا ومازلنا وسوف نستمر في قول ما نريد وكيف نريد وأمتي ما نريد. أمثالنا يعلمون كيف يجب أن تعمل سفارة شعب مناضل ولسنا على استعداد ان نسكت أو نوافق على أن تكون غير ذلك، وكل ما يظهر من معلومة أو أي ملاحظة على شخص فتجد الجميع فوراً رافضاً ومستنكراً وشاجباً. من لهم علاقة ثابتة بالسفارة لا يرضون ولن يرضوا بأن يكون هنالك ما يشابه ذلك. وحقاً هنا فى سفارة مدريد ليس هنالك ما شابه ذلك. لكن كذلك هم مع واجب الحرص والحماية من كل ما يمكن أن يضر بالمصلحة الوطنية. دائماً نقول بأن سفارتنا واحة أمان مقارنه بما نسمعه عن سفارات أخري، وهنالك من لها بالمرصاد لتبقي بهذا الشكل. والأخ محمد عمرو، مثله مثل الأخ صلاح أبو قعود، شخص معروف بطيبة لسانه، حسن اسلوب تعامله مع الغير ودفاعه التام عن الحقوق الخاصة والعامة. ما غير ذلك من قول ليس سوي دعاية كاذبة لا تستند إلي معطيات حقيقة، لذلك حال سمعنا ما سمعنا وقرئنا من قرئنا أذهل كل من يعرف منا عمق الحقيقة عن قرب. فعلاً ما قيل ليس سوي دعاية مجحفة بحق السفارة عامة وبحق الأخ صلاح والأخ محمد معاً. وراء هذه الأكاذيب دوافع غير مفهومة وغير مقبولة بتاتاً، وقد قيلت من قبل من لا يعرف الحقيقة كثب، لذلك يؤلم أن يسكت عنها أوعدم البوح بها. هذه الدوافع لا تستند على وقائع فعلية ظاهرة. من أجل ذلك نقول ما نعرف والله على ذلك خير شهيد.
مدريد-إسبانيا.
بتاريخ 22 سبتمبر نشرت الصحيفة الالكترونية "عرب تايمز" وغيرها مقال حول سفارة فلسطين فى مدريد بعنوان "فضائح سفارة فلسطينية". كنت قد تعرفت على هذه الصحيفة بالتحديد عن طريق أشخاص يعشقون الروايات التي تمزج عالم السياسية بعالم المال، الجنس والخيانة. بالنسبة لهم الروايات التي تسردها هذه الصحيفة هي مرجعيتهم الأساسية. كل ما تنشر هو شيء مقدس، خاصة أن كان يتعلق بشخصيات عامة. حين تجلس معهم تراهم يسردون الحكايات بشكل تلقائي، كما وكأنهم عاشوا هذه الحكايات بشكل مباشر، أو أن لهم معرفة بحياة أصحابها. الاندفاع الذي كانوا يرددون به هذه الحكايات جذب انتباهي بشكل قوي. عندما تسألهم من أين جاءوا بهذه الروايات وبكل هذه الدقة، يردون فوراً من صحيفة "عرب تايمز". كأي شخص مهتم بالشأن السياسي بدأت اتصفح هذا الصحيفة كمن يريد أن يقرأ قصص لم يسردها احداً من قبل. ما لفت انتباهي فعلاً هو أنها صحيفة جيدة العرض وذات لغة تجذب القاري. قرأت مقال بعد مقال وبعد مقال. لا أعلم لماذا بعد قراءة كل مقال كنت اشعر بإرهاق ذهني غريب لم يحصل لي في قراءات سابقه. نتيجة ذلك تركت قرأتها على ميعاد أن أعود لها بعد فترة. وهذا ما حصل. لا أعرف لماذا نفس الشعور عاد وانتابني مرة أخري بعد تصفحها مرة ثالثة. لا اتذكر كل ما قرأت ولكن بعد قراءة كل مقال كنت أشعر بشيء من الكراهية، الحقد والإنكار لكل ما هو عربي أو فلسطيني. مثل هذا الشعور جبرني أن أقوم بعملية تحليل الصحيفة والشعور الغريب الذي يولده عندي قراءة مقالاتها. منذ ذلك الحين ومن أجل الحفاظ على نوع من التوازن الفكري، تركت تصفحها بشكل نهائي حتى يومنا هذا. ولست نادم على ذلك، فعالم الصحافة مليء بالمقالات التحليلية التي تساهم فى تنمية درجة الذكاء والمقدرة على الاقتراب ومعرفة الحقيقة.
على مستوي شخصي استنتجت بأنها تشوش القيم والأفكار عند قرائها. نوعية المقالات التي تنشرها، اللغة، فحواها، أساليب العرض والجذب، النفر، البغض والحقد، يفقد الإنسان حقاً المقدرة على تحديد ما هو صواب مما هو عكس ذلك. تيقنت فعلاً أنها صحيفة تهدف إلى تدمير مقدرة الإنسان العربي على التمييز والتفكير، وفقط تفرض عليه أن يردد أقاويلها والأخبار التي تريدها بدون أن يتعمق فى الأسباب الخفية التي تقف خلف ذلك. بعدها استغربت كيف صحيفة بهذا التواضع تملك هذا الكم الهائل من المعلومات. مستحيل. كيف لمن يعمل فيها، وهم قلة قليلة، أن يملكوا يعرف كل الخفايا المتعلقة بغرف النوم، الحسابات المالية، المشاجرات العائلية، سرقة الأموال، الدعارة، تجارة المخدرات، الاغتيالات السرية، مؤامرات القصور والملاهي وأسرار وخبايا الحكومات. لو جمعنا عدة أجهزة مخابرات في جهاز واحد لما كان بمقدرته التوصل لهذا الكم الهائل من المعلومات. مع أني من الذين لا يضعون فى الاعتبار فكرة المؤامرة عند تحليل أي خبر أو مقال، إلا أني هذه المرة قلت فى نفسي بأن مثل هذه الصحيفة لا يمكن أن تكتب سوي في قسم سري مخفي، قائم عليه خبراء فى علم النفس السياسي يريدون تجميد عقل ومقدرة الإنسان العربي على الفكر السليم، وأن من يتفحصها ما عليه سوي حفظ الدرس وإعادته كما يعيد الببغاء الجمل الملقنه. أنها صحيفة تعمل على التلذذ فى جلد الإنسان العربي لنفسه ولوطنه ولشعبه. من المؤكد بأن من يعمل فى هذا القسم وخلف هذه الصحيفة هم من خيرة الخبراء فى عالم الثقافة والسياسية العربية ذات التوجه السلبي. إن وجد هذا القسم حقاً، فأكيد يوجد فى أحد المبني التي لا يدخلها النور ولا الهواء الطلق. هذا القول ليس محض الصدفة، خاصة وأنه بعدما يقرأ الإنسان مقالاتها تنتابه غمامة تحجب الرؤية وتسبب ضيق فى النفس.
لقد وصلني بالأيميل مقال صادر عن هذه الصحيفة متعلق بفضائح سفارتنا في مدريد. وقد وجب على قراءة بتمعن. لا يختلف أثنين على أن كثير من سفارتنا فى الخارج ينقصها الكثير من الحرفية المهنية وأن فيها من ليس على مستوي القضية والمسؤولية. وأنها تستحق كل النقد اللازم والبناء الذي يساهم فى الرقي بها. لقد قمت بكتابة مقال فى شأن الدبلوماسية والدبلوماسي العربي مستوحيه من واقع السفارات العربية فى العالم، بما فيهم إسبانيا. ولي رسائل كثيرة موجه بشكل مباشر لسفارتنا تنتقد عن معرفة وتقدير تقصير هذه السفارة في بعض الأوجه. رغم موقفي الناقد لتصرفات الدبلوماسي العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص فأنا هنا رغم ذلك من أجل الدفاع عن سفارتنا هنا، وبالتحديد الدفاع عن ما يمكن الدفاع عنه. لأن على ألإنسان أن ينتقد حين يحق ذلك ويذكر بالخير حين الواجب. سوف اقف هنا مدافعاً عن شخصان تناولهم المقال بشكل مباشر، صلاح أبو القاعود (صلاح أبو قعود) ومحمد عمرو، مع تقدير واحترامي ومعرفتي بنزاهة باقي من ذكرت أسمائهم وكتب عندهم، لكن عدم معرفتي الشخصية التامة بباقي الأشخاص تمنعني من التطرق لهم بشكل مباشر. مع ذلك كل ما يقال عندهم هنا من ناحية النزاهة لا جدال ولا غبار علية. ولو كان هنالك عكس ذلك لقلت فيهم بدون أي تردد أو أدني شك.
بالتحديد بصلاح أبو قعود تربطني علاقة معرفة وصداقة تقارب الخمسة وعشرون عاماً، وبمحمد عمرو العلاقة تقارب الخمس سنوات. عرفت الأخ صلاح عندما كنت طالب فى الجامعة وكان لقائي به شبه دائم وفى معظم المناسبات السياسية والاجتماعية المتعلقة بكل ما هو فلسطيني. عرفته بشكل شخصي وعائلي، ما يعني أن أحواله الخاصة كانت ومازالت مكشوفة تماماً بالنسبة لي ولغيري. انطلاقاً من ذلك كل من يمكن قوله هو أنه افنى معظم عمره فى خدمة السفارة والقضية التى تمثلها. عمل بصبر وبحس وطني كل ما يمكن القيام به أو سمحت له حياته الخاصة، المليئة بالظروف الإنسانية الشاقة، أن يفعل. منذ معرفتى به وأنا وغيري نتمتع بسماحة اخلاقة وتواضعه وبساطة تعامل والمودة التي يكنها اتجاه الصديق القريب والبعيد. لقد كان يعطي جل اهتمامه لقضية وطنه على حساب اهتمامه ببيته وأهلة، ما جعل لاحقاً يدفع ثمن ذلك، ثمن لا يستحقه بأي شكلاً كان. كموظف فى سفارة فلسطين بمدريد، كان يعمل المستحيل من أجل إظهار الاكتفاء وعزة النفس بما يملك. منذ معرفتى به لم أشاهد عليه جشع أو تغيير في ظروف الحياة يلفت الانتباه، بل كل ما أعرفه وغيري من الأصدقاء عنه هو العفة والقناعة بما قسم الله له من رزق. كان بإمكانه ترك وظيفته الرسمية والدخول مجال الاعمال الخاصة ليتسع ثروة وثراء، ولكن التزم بمنصة وبالدفاع عن قضية شعبه ووضعها فوق كل الاعتبارات.
كما يقال دائماً هنا، صلاح أبو قعود هو مندوب غزه الدائم فى سفارة فلسطين فى مدريد، لأن كل غزاوي يتوجه إلي السفارة كان يطرق باب مكتبة للتعارف، التحادث والعمل معه. شخصياً كنت أوصي من يسألني أن يفعل ذلك. فعلاً لقد كان يقوم بواجبة وبتقديم المساعده لمن يستطيع. وحين لم يكن يتمكن يبحث عن البديل من خلال طلب المساعدة ممن هم من حوله من الاصدقاء ليقوموا بذلك بدلاً عنه وعن السفارة. يفعل كل ذلك اعتقاداً من أن ذلك واجبه ليس سوي، وليس مقابل كلمة شكر أو التباهي أمام الغير بما فعل وبما يقال عنه أنه فعل. لقد عمل الكثير من أجل أن يخرج كثير من الفلسطينيين من محنتهم اليومية بدون أن يعلموا بأنه مثل أي إنسان عادي له مشاكله الخاصة ويتمني فى لحظة ما أن يقف أحد بجواره من أحبائه وأصدقائه. أسعد وأجمل وأغلي ما يملك الأخ صلاح في هذا الدنيا هم فقط أبنائه، الذي ناضل من أجل أن يوفقهم الله فى دراستهم وأن يجعل منهم فتيان على مستوي المسؤولية والافتخار. وقد وفقه الله في ذلك. الآن هم وزوجته الكريمة أكبر كنز له. هم ثروته الفعلية وليس هنالك ثروة مادية غيرها تفوقهم فى القيمة. تراه يتحدث عنهم بكبرياء وعزة لا يفوقه سوي ذلك عندما يتحدث عن باقي أهلة، مدينته ووطنه. هذا كل من يمكن قوله هنا وهو القليل. وما أخفي أكثر ولكن لا أزيد عملاً بواجب احترام الخصوصية. إن جمع هذا السيد ثروة فهي ما قدمه بتواضع من خدمات جلية لأبناء وطنه.
بالنسبة للأخ محمد عمرو، أقول نفس ما قلت عن الأخ صلاح. فقسوة حياة كلاهما تتشابه بشكل كبير. كل ما يملكه هذا الشخص نراه يومياً أمام أعيننا، ولم نسمع يوماً همزاً ولا غمزاً عليه من قبل أحد قط. ولكن بالنسبة للأخ محمد هنا أضيف بأنه فى أٌقل من خمس سنوات من العمل فى سفارة فلسطين في مدريد تمكن من ربح احترام وتقدير معظم أبناء الجالية الفلسطينية لما يقوم به من اعمال خير تساهم فى تسهيل أمورهم وحياتهم. ليس هنالك مناسبة اجتماعية إلا ووجدت الأخ محمد عمرو فى الصف الأول ومشجع الجميع في السفارة وخارج السفارة على المشاركة. لقد عملنا معاً فى أمور عدة تخص بعض اخواننا هنا وفي الخارج، وكان يلفت انتباهي مدي انخراطه فى واجبة المهني والإنساني. أذكر أن اهتمامه كان يفوق واجبه المهني ويتعدى الإنساني البحت. أذكر بأن هنالك من كان يتصل معي من مدريد ومن خارج هذه المدينة ليطلب مني ان احكي معه فى أي موضوع مستعجل، وكان دائماً جوابي، بأنكم لا تحتاجون لمن يعرفكم به فهو شخص بأخلاقه العالية ومهنتيه الفائقة يعرف نفسه بنفسه على أفضل وجه، لدرج انني كنت ومازلت اقول للجميع بأني وبحكم أني اصبحت له صديق، وهذا افتخاراً لي، فأنه يمكن أن يتبطء معي في عملة من منطلق ثقة الصداقة ويتسرع فى تلبية واجبه عندما لا يعرف الشخص الذي يطلب منه ذلك، مثل من يريد أن يثبت أنه يقوم بما يمليه عليه واجبه في خدم من لا يعرفه قبل من يعرف. فعلاً أنه يفعل ذلك على أفضل وجه، وخير دليل هو السمعة الطيبة والمكانة المميزة التى حصل عليها بين عامة أبناء الجالية.
سفارة فلسطين فى مدريد ليس وكر سري للمراقبة ولكتابة التقارير. مثل هذا الموضوع فقط يتم التحدث عنه بين بعض أبناء الجالية من أجل السخرية والتنكيت فقط فيما بينا. نحمد الله أننا خلقنا شعب لا نخاف سوي الله ولا يرعبنا مكانة ووظيفة أي شخص فى أي منصب ومكاناً كان. كنا ومازلنا وسوف نستمر في قول ما نريد وكيف نريد وأمتي ما نريد. أمثالنا يعلمون كيف يجب أن تعمل سفارة شعب مناضل ولسنا على استعداد ان نسكت أو نوافق على أن تكون غير ذلك، وكل ما يظهر من معلومة أو أي ملاحظة على شخص فتجد الجميع فوراً رافضاً ومستنكراً وشاجباً. من لهم علاقة ثابتة بالسفارة لا يرضون ولن يرضوا بأن يكون هنالك ما يشابه ذلك. وحقاً هنا فى سفارة مدريد ليس هنالك ما شابه ذلك. لكن كذلك هم مع واجب الحرص والحماية من كل ما يمكن أن يضر بالمصلحة الوطنية. دائماً نقول بأن سفارتنا واحة أمان مقارنه بما نسمعه عن سفارات أخري، وهنالك من لها بالمرصاد لتبقي بهذا الشكل. والأخ محمد عمرو، مثله مثل الأخ صلاح أبو قعود، شخص معروف بطيبة لسانه، حسن اسلوب تعامله مع الغير ودفاعه التام عن الحقوق الخاصة والعامة. ما غير ذلك من قول ليس سوي دعاية كاذبة لا تستند إلي معطيات حقيقة، لذلك حال سمعنا ما سمعنا وقرئنا من قرئنا أذهل كل من يعرف منا عمق الحقيقة عن قرب. فعلاً ما قيل ليس سوي دعاية مجحفة بحق السفارة عامة وبحق الأخ صلاح والأخ محمد معاً. وراء هذه الأكاذيب دوافع غير مفهومة وغير مقبولة بتاتاً، وقد قيلت من قبل من لا يعرف الحقيقة كثب، لذلك يؤلم أن يسكت عنها أوعدم البوح بها. هذه الدوافع لا تستند على وقائع فعلية ظاهرة. من أجل ذلك نقول ما نعرف والله على ذلك خير شهيد.
مدريد-إسبانيا.
