متحدون من أجل فلسطين
يحيى العبادسة
انتشرت في ميدان الدعوة الإسلامية بعض المفاهيم التي حكمت المزاج العام للدعاة ردحاً من الزمن، والتي وُلدت من رحم المعاناة، وحملاتِ التعذيب والتنكيل التي صبتها أنظمة القهر والاستبداد التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، مما حفر في الوجدان الإسلامي أخاديد من الوجع، انعكست على مفاهيمهم وتصوراتهم، فسادت بعض المفاهيم التي زاغت عن اعتدالية الإسلام ووسطيته، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مفاهيم تكفير الحكام وتكفير، المجتمعات، ومفاهيم الاستعلاء الإيماني، والعزلة الشعورية، والتوسع في مفاهيم أستاذية العالم، والحاكمية، والبيعة، وإخراجها عن سياقات الوسطية والاعتدال.
وبعد سنوات من المحنة قامت فيها الحركات الإسلامية بمراجعات فكرية جادة، أدت إلى مغادرة المفاهيم القديمة، لصالح الانفتاح على المجتمعات، والبحث عن أدوار اجتماعية، وسياسية، وثقافية جديدة، من واقع شعورها بالثقة والعافية، وهذا الأمر أدى إلى تطور كبير في أداء الحركات الإسلامية ولكن ذلك ليس كافياً.
إننا بعد لم نتعافَ تماماً من سطوة المفاهيم القديمة؛ إذْ إن المفاهيم السائدة اليوم في أوساط العاملين في ميدان الدعوة لا زالت تخلط بين الحيز التنظيمي الخاص، والحيز المجتمعي العام، فيقدم بعضنا الحيز الخاص على الحيز العام، فالولاء يكون غالباً للخاص على العام؛ لتعارض المصالح، وتتقدم الأولويات والمصالح الخاصة التنظيمية عندهم على الأولويات الوطنية العامة.
ومن أبرز مظاهر ذلك أن استراتيجيات هذه التنظيمات تقوم على تعبئة المجتمع، وحشده، وتسخيره، من أجل تحقيق أهداف الجماعة التنظيمية، في عملية خلط بين أهداف الجماعة، وأهداف المجتمع، وفي كثير من الأحيان تكون الأهداف متباينة أو متعارضة، وهنا يلتبس الأمر على الحركات والتنظيمات التي تريد المجتمع خادماً لمصالحها، لا أن تكون الحركات هي خادمة للمجتمع، وعليها أن تصوب أوضاعها وأهدافها بما يتوافق مع أوضاع المجتمع، وأهدافه، ومصالحه، وعموم المواطنين.
إن بعض الحركات تقوم بتنظيم أفراد المجتمع، وتحشرهم داخل بناها التنظيمية، ليس من أجل، المجتمع وإنما من أجل الاستقواء بهم على المجتمع، وامتلاك أكبر قوة لخدمة أهداف هذه الحركات الحزبية، وضمان مصالحها ومكانتها.
إنني أدعو إلى القيام بمراجعات جديدة على طريق السمو والتفوق الأخلاقي والقيمي، بحيث تقدم هذه الجماعات خطوات أكثر على طريق تقديم المثل والنموذج للقوى والأحزاب الفلسطينية الأخرى؛ انطلاقاً من الموقع المتقدم الذي تشغله في حمل فكرة الإيمان والحق والعدل، وأن تدور مع مصالح العباد؛ لقول الأصوليين: "حيث كانت مصالح العباد، فَثَمَّ شرع الله" وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس"، فصلاح المجتمعات وتزكيتها ورفعتها هو الهدف، وهو الغاية عند الله عز وجل.
وهذا يتطلب الانفتاح على المجتمع وعموم الجماعة الوطنية، والدخول في شراكة حقيقية معهم من أجل تحقيق مصالح العباد، وتحقيق مقاصد الشريعة وغاياتها، وبسط قيم التدين والأخلاق، فنحن بحاجة إلى إعادة تربية العاملين في الحقل الدعوي الإسلامي وتثقيفهم؛ كي يمتلكوا مهارات التواصل الايجابي، والانفتاح على المجتمع؛ بحيث تقوم العلاقات بينهم وبين المحيط السياسي والاجتماعي على الثقة وحسن الظن بالناس، وينطلق من مفهوم "أذلةٍ على المؤمنين"، ومفهوم الرحمة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، لا ترى في أفراد الجماعة التنظيمية أنهم في منزلة أعلى من الناس أو خير منهم، ولا تنظر إلى الناس نظرة دونية، وتعطي أولويتها للبحث عن مواطن الخير والعمل الصالح، وتنقب عن مواطن الاتفاق، تبحث عن المساحات المشتركة، وميادين التعاون، وخدمة الصالح العام، بحيث تتحول الجماعة التنظيمية إلى خادم للمجتمع في إطار من الاحترام والتقدير، والتفاعل الإيجابي، والقابلية للحوار المستمر، وانفتاح يستوعب الجميع، ويحقق لكل مواطن، وكل جماعة سياسية أو اجتماعية مكانة تُشعرهم بالرضا أو الطمأنينة، وتضمن ولاءهم، وتدفعهم لتحمل مسؤولياتهم، وواجباتهم، بحيث توسع من دائرة العمل الجماعي؛ ليحقق كل فريق ذاته داخل هذه الدائرة الواسعة، المحكومة بالاحترام والثقة والتعاون.
إنه انفتاح يحرص على الانتفاع بوسْع الناس، وعدم تحميلهم أكثر من طاقتهم، ولا يحرص على تلقينهم واجباتهم، أو الإملاء عليهم بما يتوجب أن يفعلوا أو لا يفعلوا، فلا أحد يمتلك الصواب المطلق، ولا أحد ينفرد بتقدير الصالح العام دون غيره.
وحينها سنجد أبناء فلسطين مُوَحَّدِينَ يشعرون بسعادة غامرة، وهم يرفعون علم فلسطين بدلاً من راياتهم الحزبية، ويقدمون الصالح العام، فيتجمهرون بأعدادٍ أكبرَ عندما يدعوهم الوطن لنصرة قضية اللاجئين أو الأسرى أو المسرى، وستجدهم أكثر حماسة في إحياء المناسبات الوطنية من حماستهم في ذكرى انطلاقة فصائلهم وجماعاتهم التي ينتمون إليها، ويصبح انتماؤهم لفلسطين "الأرض والشعب" مقدماً على انتماءاتهم الفصائلية.
كم نحن في حاجة لإعادة تعبئة الصف بهذه المعاني الإسلامية الأصيلة، وتثقيفهم بها وأن نعيد بناء العقل والوجدان؛ حتى نكون جماعة وطنية جامعة تحت شعار "متحدون من أجل فلسطين".
انتشرت في ميدان الدعوة الإسلامية بعض المفاهيم التي حكمت المزاج العام للدعاة ردحاً من الزمن، والتي وُلدت من رحم المعاناة، وحملاتِ التعذيب والتنكيل التي صبتها أنظمة القهر والاستبداد التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، مما حفر في الوجدان الإسلامي أخاديد من الوجع، انعكست على مفاهيمهم وتصوراتهم، فسادت بعض المفاهيم التي زاغت عن اعتدالية الإسلام ووسطيته، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مفاهيم تكفير الحكام وتكفير، المجتمعات، ومفاهيم الاستعلاء الإيماني، والعزلة الشعورية، والتوسع في مفاهيم أستاذية العالم، والحاكمية، والبيعة، وإخراجها عن سياقات الوسطية والاعتدال.
وبعد سنوات من المحنة قامت فيها الحركات الإسلامية بمراجعات فكرية جادة، أدت إلى مغادرة المفاهيم القديمة، لصالح الانفتاح على المجتمعات، والبحث عن أدوار اجتماعية، وسياسية، وثقافية جديدة، من واقع شعورها بالثقة والعافية، وهذا الأمر أدى إلى تطور كبير في أداء الحركات الإسلامية ولكن ذلك ليس كافياً.
إننا بعد لم نتعافَ تماماً من سطوة المفاهيم القديمة؛ إذْ إن المفاهيم السائدة اليوم في أوساط العاملين في ميدان الدعوة لا زالت تخلط بين الحيز التنظيمي الخاص، والحيز المجتمعي العام، فيقدم بعضنا الحيز الخاص على الحيز العام، فالولاء يكون غالباً للخاص على العام؛ لتعارض المصالح، وتتقدم الأولويات والمصالح الخاصة التنظيمية عندهم على الأولويات الوطنية العامة.
ومن أبرز مظاهر ذلك أن استراتيجيات هذه التنظيمات تقوم على تعبئة المجتمع، وحشده، وتسخيره، من أجل تحقيق أهداف الجماعة التنظيمية، في عملية خلط بين أهداف الجماعة، وأهداف المجتمع، وفي كثير من الأحيان تكون الأهداف متباينة أو متعارضة، وهنا يلتبس الأمر على الحركات والتنظيمات التي تريد المجتمع خادماً لمصالحها، لا أن تكون الحركات هي خادمة للمجتمع، وعليها أن تصوب أوضاعها وأهدافها بما يتوافق مع أوضاع المجتمع، وأهدافه، ومصالحه، وعموم المواطنين.
إن بعض الحركات تقوم بتنظيم أفراد المجتمع، وتحشرهم داخل بناها التنظيمية، ليس من أجل، المجتمع وإنما من أجل الاستقواء بهم على المجتمع، وامتلاك أكبر قوة لخدمة أهداف هذه الحركات الحزبية، وضمان مصالحها ومكانتها.
إنني أدعو إلى القيام بمراجعات جديدة على طريق السمو والتفوق الأخلاقي والقيمي، بحيث تقدم هذه الجماعات خطوات أكثر على طريق تقديم المثل والنموذج للقوى والأحزاب الفلسطينية الأخرى؛ انطلاقاً من الموقع المتقدم الذي تشغله في حمل فكرة الإيمان والحق والعدل، وأن تدور مع مصالح العباد؛ لقول الأصوليين: "حيث كانت مصالح العباد، فَثَمَّ شرع الله" وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس"، فصلاح المجتمعات وتزكيتها ورفعتها هو الهدف، وهو الغاية عند الله عز وجل.
وهذا يتطلب الانفتاح على المجتمع وعموم الجماعة الوطنية، والدخول في شراكة حقيقية معهم من أجل تحقيق مصالح العباد، وتحقيق مقاصد الشريعة وغاياتها، وبسط قيم التدين والأخلاق، فنحن بحاجة إلى إعادة تربية العاملين في الحقل الدعوي الإسلامي وتثقيفهم؛ كي يمتلكوا مهارات التواصل الايجابي، والانفتاح على المجتمع؛ بحيث تقوم العلاقات بينهم وبين المحيط السياسي والاجتماعي على الثقة وحسن الظن بالناس، وينطلق من مفهوم "أذلةٍ على المؤمنين"، ومفهوم الرحمة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، لا ترى في أفراد الجماعة التنظيمية أنهم في منزلة أعلى من الناس أو خير منهم، ولا تنظر إلى الناس نظرة دونية، وتعطي أولويتها للبحث عن مواطن الخير والعمل الصالح، وتنقب عن مواطن الاتفاق، تبحث عن المساحات المشتركة، وميادين التعاون، وخدمة الصالح العام، بحيث تتحول الجماعة التنظيمية إلى خادم للمجتمع في إطار من الاحترام والتقدير، والتفاعل الإيجابي، والقابلية للحوار المستمر، وانفتاح يستوعب الجميع، ويحقق لكل مواطن، وكل جماعة سياسية أو اجتماعية مكانة تُشعرهم بالرضا أو الطمأنينة، وتضمن ولاءهم، وتدفعهم لتحمل مسؤولياتهم، وواجباتهم، بحيث توسع من دائرة العمل الجماعي؛ ليحقق كل فريق ذاته داخل هذه الدائرة الواسعة، المحكومة بالاحترام والثقة والتعاون.
إنه انفتاح يحرص على الانتفاع بوسْع الناس، وعدم تحميلهم أكثر من طاقتهم، ولا يحرص على تلقينهم واجباتهم، أو الإملاء عليهم بما يتوجب أن يفعلوا أو لا يفعلوا، فلا أحد يمتلك الصواب المطلق، ولا أحد ينفرد بتقدير الصالح العام دون غيره.
وحينها سنجد أبناء فلسطين مُوَحَّدِينَ يشعرون بسعادة غامرة، وهم يرفعون علم فلسطين بدلاً من راياتهم الحزبية، ويقدمون الصالح العام، فيتجمهرون بأعدادٍ أكبرَ عندما يدعوهم الوطن لنصرة قضية اللاجئين أو الأسرى أو المسرى، وستجدهم أكثر حماسة في إحياء المناسبات الوطنية من حماستهم في ذكرى انطلاقة فصائلهم وجماعاتهم التي ينتمون إليها، ويصبح انتماؤهم لفلسطين "الأرض والشعب" مقدماً على انتماءاتهم الفصائلية.
كم نحن في حاجة لإعادة تعبئة الصف بهذه المعاني الإسلامية الأصيلة، وتثقيفهم بها وأن نعيد بناء العقل والوجدان؛ حتى نكون جماعة وطنية جامعة تحت شعار "متحدون من أجل فلسطين".
