جردة حساب ما بعد «الكيميائي»: من موسكو إلى الضاحية الجنوبية
كتب علي شهاب
انتهت معركة القصير في غضون ثمانية عشر يوما تقريبا. بدت معطيات الأميركيين حول حقيقة ما يجري هناك رهن تقارير «خفيفة» يرفعها إليهم البعض من بيروت حول تفاصيل تقنية تتعلق بحركة مقاتلي «حزب الله» إلى سوريا، لولا أن مهنية إسرائيل في دراسة عدوّها اللدود عند الحدود الشمالية، فتحت الباب على مصراعيه أمام خطورة معركة القصير، ليس على الصعيد السوري فحسب، بل أيضا بما يعني من تأكيد لقدرة المقاومة على اقتحام «الجليل» في أية مواجهة مقبلة.
ظهر إلى العيان حجم تأثير قرار «حزب الله» التاريخي بالدخول في معركة سوريا، ليس في القصير وحسب، بل بتأثيرها المعنوي على الجيش السوري. تبين لاحقا أن الأميركيين ليسوا وحدهم من فوجئ بنتائج معركة القصير. الروس لم يخفوا اندهاشهم، وهم الباحثون عن كل متر إضافي في الميدان لتعزيز موقفهم التفاوضي مع واشنطن.
وعندما أصبح التقهقر العسكري لدى المسلحين يهدد بإطاحة أوراق التفاوض الأميركية، قررت واشنطن إعادة خلق ورقة السلاح الكيميائي، لكنها هذه المرة بادرت إلى رد الضربة التي تلقاها حلفاؤها في القصير وما بعدها بتحريك أسطولها، في خطوة تمهد لاستنزاف طويل الأمد ومن شأنها أن تشكل أزمة حقيقية للمحور المقابل، كون إمكاناته المادية (المالية تحديدا) لن تضاهي حجم ما ينفقه حلفاء واشنطن لكسب المعركة السورية.
لم يكن الرئيس الأميركي باراك أوباما ينوي فتح حرب جديدة. ثمة رغبة أميركية بحراك عسكري في أيلول يقلب الموازين من دون أن يلامس حدود فتح مواجهة شاملة. تلقفت طهران الفرصة (عدم رغبة الأميركيين في الذهاب إلى مواجهة شاملة) لتلوح في رسائلها عبر القنوات المختلفة بأن الجبهة هذه المرة ستكون واحدة. لم يكن مفاجئا للأميركيين أن يركز الإيرانيون على استهداف إسرائيل، وكانت لافتة للانتباه الإشارات التي أرسلتها فصائل عراقية وفلسطينية ويمنية بأنها لن تسكت عن استهداف سوريا، معطوفة على إجراءات ميدانية. أما المفاجأة الثانية، فقد تبين أن إسرائيل تخشى صمت الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله كما تخشى كلامه. وهكذا انهالت الوفود على لبنان للحصول على إجابة واحدة لسؤال واحد «ماذا سيفعل حزب الله إن ضُربت سوريا؟».
بعد نحو عشرة أيام من لعبة شد الأعصاب، تقاطعت التقديرات المرفوعة إلى واشنطن بأن «حزب الله» يعتبر سوريا معركته الوجودية الآن، وبالتالي فهو يستعد لأسوأ السيناريوهات وهو جاد في الدفاع عن ظهره مهما كلف الأمر.
في هذه المعادلة، بدا أن السياسيين اللبنانيين في عالم آخر، باستثناء النائب وليد جنبلاط الذي يُكتب له مرة جديدة قدرته على قراءة المشهد الدولي. كانت التصريحات اليومية التي يتقاذفها ساسة لبنان أبعد ما يكون عن التبدل الحاصل في التركيبة الإستراتيجية للمنطقة. لم يفهم بعدُ هؤلاء أن «حزب الله» في مرحلة ولادة جديدة لمواكبة التهديدات المحيطة به، وهو في أقصى مستويات الجهوزية والاستنفار، وبالتالي فإن الكلام عن أمن ذاتي هنا أو خط سلكي هناك لم يعد أصلا في حسابات التبرير لدى قيادة المقاومة وجمهورها.
هذا المشهد في «الجبهة اللبنانية» انعكس ارتياحا في طهران، فلم يترك المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية مناسبة علنية وداخلية إلا وأعلن فيها أن محور المقاومة سينتصر في سوريا وأن الأميركيين سيُمنون بهزيمة (وهو يشير تحديدا إلى التسوية المقبلة مهما طالت الأزمة)، من دون أن يعني ذلك بالضرورة بقاء السلطة في سوريا على ما هي عليه عند وقوع التسوية، خاصة أن العارف بالعقل الإيراني يعلم تماما أنه ينتظر الفرصة المناسبة للضغط بهدف إجراء تغييرات جذرية في النظام السوري تنهي الأزمة وتحقق فعلا المصالحة الوطنية المنشودة.
وبما أن صمت «حزب الله» فعل فعله، مرر الإيرانيون الكرة إلى موسكو بأن الوقت قد حان لإنزال أوباما عن الشجرة، فكان ما كان، وسدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضربته على هامش «قمة العشرين».
الكباش الحاصل الآن والمراوغة في تفسير الاتفاق (لا التسوية) الأميركي ـ الروسي على السلاح الكيميائي السوري هو أمر مفهوم وطبيعي، وسيأخذ مداه الزمني. لذا من المتوقع أيضا أن تُبقي واشنطن أسطولها في البحر المتوسط، ما دامت فاتورة هذا البقاء مدفوعة خليجيا.
لكن العنصر الأهم الذي اكتسبه المحور المقابل كان التنسيق الكامل من موسكو إلى طهران فضاحية بيروت الجنوبية، وهو أمرٌ باتت آلياته أوضح وأسهل وفق التجربة.
المرحلة المقبلة ستشهد دفعا جنونيا باتجاه مزيد من الدمار والقتل في سوريا من قبل الجماعات المسلحة، بعد الأنباء عن إعادة تزويدها بأسلحة نوعية، بهدف إعادة كسب أوراق إضافية تكون واشنطن قادرة على التفاوض عليها، خاصة أن بقاء الرئيس بشار الأسد لا يزال نقطة عالقة. لذا يراهن الجميع على الوقت. الأزمة طويلة وطويلة جدا، إلا إذا وقع حادث من خارج حسابات الجميع، وكان سببا لإعادة دفع التسوية الشاملة قدما أو الذهاب إلى المواجهة الأخيرة.
السفير اللبنانية
انتهت معركة القصير في غضون ثمانية عشر يوما تقريبا. بدت معطيات الأميركيين حول حقيقة ما يجري هناك رهن تقارير «خفيفة» يرفعها إليهم البعض من بيروت حول تفاصيل تقنية تتعلق بحركة مقاتلي «حزب الله» إلى سوريا، لولا أن مهنية إسرائيل في دراسة عدوّها اللدود عند الحدود الشمالية، فتحت الباب على مصراعيه أمام خطورة معركة القصير، ليس على الصعيد السوري فحسب، بل أيضا بما يعني من تأكيد لقدرة المقاومة على اقتحام «الجليل» في أية مواجهة مقبلة.
ظهر إلى العيان حجم تأثير قرار «حزب الله» التاريخي بالدخول في معركة سوريا، ليس في القصير وحسب، بل بتأثيرها المعنوي على الجيش السوري. تبين لاحقا أن الأميركيين ليسوا وحدهم من فوجئ بنتائج معركة القصير. الروس لم يخفوا اندهاشهم، وهم الباحثون عن كل متر إضافي في الميدان لتعزيز موقفهم التفاوضي مع واشنطن.
وعندما أصبح التقهقر العسكري لدى المسلحين يهدد بإطاحة أوراق التفاوض الأميركية، قررت واشنطن إعادة خلق ورقة السلاح الكيميائي، لكنها هذه المرة بادرت إلى رد الضربة التي تلقاها حلفاؤها في القصير وما بعدها بتحريك أسطولها، في خطوة تمهد لاستنزاف طويل الأمد ومن شأنها أن تشكل أزمة حقيقية للمحور المقابل، كون إمكاناته المادية (المالية تحديدا) لن تضاهي حجم ما ينفقه حلفاء واشنطن لكسب المعركة السورية.
لم يكن الرئيس الأميركي باراك أوباما ينوي فتح حرب جديدة. ثمة رغبة أميركية بحراك عسكري في أيلول يقلب الموازين من دون أن يلامس حدود فتح مواجهة شاملة. تلقفت طهران الفرصة (عدم رغبة الأميركيين في الذهاب إلى مواجهة شاملة) لتلوح في رسائلها عبر القنوات المختلفة بأن الجبهة هذه المرة ستكون واحدة. لم يكن مفاجئا للأميركيين أن يركز الإيرانيون على استهداف إسرائيل، وكانت لافتة للانتباه الإشارات التي أرسلتها فصائل عراقية وفلسطينية ويمنية بأنها لن تسكت عن استهداف سوريا، معطوفة على إجراءات ميدانية. أما المفاجأة الثانية، فقد تبين أن إسرائيل تخشى صمت الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله كما تخشى كلامه. وهكذا انهالت الوفود على لبنان للحصول على إجابة واحدة لسؤال واحد «ماذا سيفعل حزب الله إن ضُربت سوريا؟».
بعد نحو عشرة أيام من لعبة شد الأعصاب، تقاطعت التقديرات المرفوعة إلى واشنطن بأن «حزب الله» يعتبر سوريا معركته الوجودية الآن، وبالتالي فهو يستعد لأسوأ السيناريوهات وهو جاد في الدفاع عن ظهره مهما كلف الأمر.
في هذه المعادلة، بدا أن السياسيين اللبنانيين في عالم آخر، باستثناء النائب وليد جنبلاط الذي يُكتب له مرة جديدة قدرته على قراءة المشهد الدولي. كانت التصريحات اليومية التي يتقاذفها ساسة لبنان أبعد ما يكون عن التبدل الحاصل في التركيبة الإستراتيجية للمنطقة. لم يفهم بعدُ هؤلاء أن «حزب الله» في مرحلة ولادة جديدة لمواكبة التهديدات المحيطة به، وهو في أقصى مستويات الجهوزية والاستنفار، وبالتالي فإن الكلام عن أمن ذاتي هنا أو خط سلكي هناك لم يعد أصلا في حسابات التبرير لدى قيادة المقاومة وجمهورها.
هذا المشهد في «الجبهة اللبنانية» انعكس ارتياحا في طهران، فلم يترك المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية مناسبة علنية وداخلية إلا وأعلن فيها أن محور المقاومة سينتصر في سوريا وأن الأميركيين سيُمنون بهزيمة (وهو يشير تحديدا إلى التسوية المقبلة مهما طالت الأزمة)، من دون أن يعني ذلك بالضرورة بقاء السلطة في سوريا على ما هي عليه عند وقوع التسوية، خاصة أن العارف بالعقل الإيراني يعلم تماما أنه ينتظر الفرصة المناسبة للضغط بهدف إجراء تغييرات جذرية في النظام السوري تنهي الأزمة وتحقق فعلا المصالحة الوطنية المنشودة.
وبما أن صمت «حزب الله» فعل فعله، مرر الإيرانيون الكرة إلى موسكو بأن الوقت قد حان لإنزال أوباما عن الشجرة، فكان ما كان، وسدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضربته على هامش «قمة العشرين».
الكباش الحاصل الآن والمراوغة في تفسير الاتفاق (لا التسوية) الأميركي ـ الروسي على السلاح الكيميائي السوري هو أمر مفهوم وطبيعي، وسيأخذ مداه الزمني. لذا من المتوقع أيضا أن تُبقي واشنطن أسطولها في البحر المتوسط، ما دامت فاتورة هذا البقاء مدفوعة خليجيا.
لكن العنصر الأهم الذي اكتسبه المحور المقابل كان التنسيق الكامل من موسكو إلى طهران فضاحية بيروت الجنوبية، وهو أمرٌ باتت آلياته أوضح وأسهل وفق التجربة.
المرحلة المقبلة ستشهد دفعا جنونيا باتجاه مزيد من الدمار والقتل في سوريا من قبل الجماعات المسلحة، بعد الأنباء عن إعادة تزويدها بأسلحة نوعية، بهدف إعادة كسب أوراق إضافية تكون واشنطن قادرة على التفاوض عليها، خاصة أن بقاء الرئيس بشار الأسد لا يزال نقطة عالقة. لذا يراهن الجميع على الوقت. الأزمة طويلة وطويلة جدا، إلا إذا وقع حادث من خارج حسابات الجميع، وكان سببا لإعادة دفع التسوية الشاملة قدما أو الذهاب إلى المواجهة الأخيرة.
السفير اللبنانية
