بافتتاح قسم علوم البحار ... الجامعة الإسلامية بغزة تخطو صوب "اقتصاد أزرق"

رام الله - دنيا الوطن
"ماذا تعرف عن بحر غزة؟" سؤالٌ توجهت به "فلسطين" إلى عددٍ من الشباب، الذين بدأ حديث الواحد منهم بـ"لعثمة"، ثم مرّ بعدّة محاولات للرد انتهت باعترافٍ صريح هو: "في الحقيقة لا أعرف".

فراس شبير (32 عامًا) قال ضاحكًا: "هو مخزن هموم وأسرار"، أما عدي تنيرة (24 عامًا) فعلّق بحزن: "على مسافة 4 أميال من شاطئه استشهد والد صديقي الصّياد"، لتعقّب الطالبة في كلّية الآداب في جامعة الأقصى شوق سالم متهكّمة: "لم أصادف في حياتي كتابًا يحتوي على معلومات عن بحر غزة"، مضيفةً بمزاح: "كل ما أعرفه أن لونه أزرق، وأحيانًا يتحول إلى الأسود بفضل مياه الصرف الصحي التي تكبُّ فيه".

لشباب غزة عذرهم؛ فصحيح أن البحر هو متنفسهم الوحيد في ظلٍ حصارٍ حدودي خانق، إلا أن قرابة الأميال الثلاثة المتاح لهم التوغّل فيها ليست كافيةً أبدًا لإنشاء فرق بحثية خاصة، يمكنها جمع معلومات علمية عن بيئة البحر بمكنوناتها كافة، وهو الأمر الذي خلق حالة قريبة من "الأمية البحرية" في عقول أكثر من مليون ونصف مليون مواطن يقطنون قطاع غزة.

هذا الأمر هو نفسه الذي قرّرت الجامعة الإسلامية في قطاع غزة تحدّيه (مكانًا وزمانًا ومسافةً)، من خلال إنشاء كلية العلوم فيها قسمًا جديدًا يحمل اسم (علوم البحار)؛ لهدفٍ سامٍ هو تأهيل جيل قادر على التعاطي مع مشكلات البيئة البحرية والساحلية، وتنمية قطاعي المصايد البحرية والاستزراع المائي، وصياغة الخطط التي تسمح باستغلال الموارد البحرية على أسس مستدامة، تحت قاعدة أن "البحر" هو محقّق الأمن التنموي المستدام على الصعد كافة (غذائيًّا واقتصاديًّا وسياحيًّا وسياسيًّا أيضًا).

الموقع "الجيوإستراتيجي" لفلسطين يطل على ثلاثة بحار، إلا أن "الإسلامية" هي الجامعة الأولى على مستوى فلسطين حتى اللحظة التي كسبت قصب السبق في إنشاءٍ قسمٍ يعنى بعلوم البحار مطلع العام الدراسي 2013- 2014م.

هدف رائد


ويعد افتتاح قسم علوم البحار _تبعًا لما بينه الدكتور عبد الفتاح عبد ربه الأستاذ المشارك في العلوم البيئية (قسم علوم البحار)_ هدفًا إستراتيجيًّا وعلميًّا رائدًا؛ بسبب افتقار الجامعات الفلسطينية إلى هذا التخصص، الذي يمثل رافدًا مهمًّا للانطلاق صوب الاقتصاد الأزرق المستدام، الذي يمهد لاستثمار المصادر البحرية المتجددة، والحصول على أغذية نظيفة وآمنة، فضلًا عن الحصول على الأدوية الصحية، ودعم الصناعات، وخلق فرص العمل، وتحقيق التنمية المستدامة التي تنشدها جميع دول العالم حاليًّا، مؤكدًا رسالة القسم الأساسية التي تركز على رفد المجتمع الفلسطيني بكوادر علمية متخصصة في مجالات علوم البحار المختلفة؛ لمواكبة التطور الإقليمي والعالمي في هذا المجال، والتخفيف من حدة ما يعرض للبيئات البحرية والساحلية الفلسطينية من تحديات تهدد حمايتها وتنميتها على الدوام.

وقال عبد ربه: "ومن الأهداف أيضًا المساهمة في رفع مستوى التوعية البيئية البحرية لشرائح المجتمع الفلسطيني كافة، والمراقبة البيئية والبيولوجية للنظم البيئية البحرية والساحلية في فلسطين، إضافة إلى توفير المعلومات والبحوث العلمية المتعلقة بالبحار ومكنونها البيولوجي، وإجراء البحوث التنموية المتخصصة التي تخفف من حدة ما تعرض له البيئات البحرية والساحلية في فلسطين، فضلًا عن صوغ اتفاقيات التعاون الإقليمي والدولي بما يخدم البيئات البحرية والساحلية، وتنميتها المستدامة".

كفاءات متخصصة


ويعد مجال (إدارة وحماية البيئات البحرية والساحلية) من أهم المجالات العلمية لتخصص علوم البحار، إضافة إلى إدارة الموانئ ومرافئ الصيد البحري ومشروعات تحلية المياه، وستضم بيئة العمل المتاحة لخريجي القسم كلًّا من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة، كسلطة جودة البيئة ووزارة السياحة وإدارة الشواطئ والموانئ وغيرها، ومزارع الأحياء البحرية وشركات تصنيع الأعلاف، والمتاحف البحرية، والمراكز العلمية ومختبرات تحليل المياه والمكاتب الاستشارية.

وأضاف د.عبد ربه: "يعتمد القسم على العديد من الكفاءات العلمية المتخصصة من حملة درجتي (الدكتوراة) و(الماجستير)، وسيضم العديد من المختبرات العلمية الحديثة التي تخدم الجوانب العملية، كمتحف المحنطات البحرية، والمتحف الحي الذي يحتوي على أحواض زجاجية شفافة للعديد من الكائنات البحرية، إضافة إلى مزارع لتفريخ الأحياء البحرية، ومراكب خاصة لبحوث البحار والمصايد البحرية، بالتعاون مع الإدارة العامة للثروة السمكية في وزارة الزراعة".

وبين أن الأنشطة التي سيتبناها القسم تتخلص في عقد دورات وزيارات ومشاركات علمية متخصصة لطلبة القسم داخل فلسطين وخارجها، والمساهمة بالخبرة الاستشارية في المشاريع العلمية والإنتاجية المحلية والدولية ذات الصلة، ومنها توفير التحليلات المخبرية، وإجراء دراسات لتقويم الأثر البيئي للمشروعات ذات الصلة بالبحار والبيئات الساحلية، إضافة إلى الاشتراك في البرامج الإقليمية والدولية للمساهمة في المسح العلمي للموارد الطبيعية البحرية؛ بغرض الحفاظ عليها واستدامتها.

وعقّب: "حتى لو كانت المساحة البحرية المتاحة أمام هذا القسم ضئيلة بسبب سياسات الاحتلال التعسفية؛ فإن هذا لن يحدّ قدرة القسم على تعريف طلبته بكلّ ما يتعلق بعلم البحار، وعلى قدر الاستطاعة"، مضيفًا وقد ابتسم: "حتى إننا أقررنا مساق تعلم السباحة والغوص (وهو مساق اختياري)، وسننفذه في حدود المساحة المتاحة، حتى يأتي اليوم ذلك اليوم الذي سنبحر فيه إلى مسافة ما بعد 20 ميلًا، إن شاء الله".

التعليقات