قصة الكلب والدب والسوفت وور

قصة الكلب والدب والسوفت وور
بقلم / توفيق أبو شومر

شبَّه المؤرخ أرنولد تونبي أمريكا بكلب ضخم، قال:

" أمريكا كلب ضخم رابض، كلما حرَّك ذيلَه، حطَّمَ شيئا حوله"

 أما الدُّب، فهو بالتأكيد روسيا، وهما بالإضافة إلى التنين الصيني أكثر الدول نفوذا في عالم اليوم.

ظلّ شرقنا الأوسط هو الساحة الوحيدة القادرة على فرز الأقوى ، لا لجغرافيتنا الواسعة، ولا لأننا نتوسط العالم؛ ولكن لأن شرقنا الأوسط يستحوذ على أبرز مفاعيل القوة بما يمكله من كنوز حضارية، تاريخية وتراثية وفنية، وللأسف فإن أهل الشرق الأوسط ظلوا خلال تاريخهم الطويل لا يستطيعون العثور على أسرار قوتهم المخبوءة، على الرغم من أن تاريخهم القديم كان زاخرا بهذه الثروات الأدبية والعلمية والتراثية والفنية.

وبلغت بنا الجهالة أننا انتظرنا وفود المستشرقين ليكتشفوا لنا وللآخرين عالمنا، ويقدموا لنا مفاتيح قوتنا، لا لنستفيد نحنُ منها، بل ليدرسوها هم ويقتبسوها لحضارتهم، لدرجة أن أكبر الشعراء الألمان (غوته) قال بعد أن اكتشف كنوز الشرق الأدبية:

( مَن لم يولِ وجهَه نحو الشرق، فإنه لا يستحقُّ الحياة)!!

  فترجموا كتبنا الطبية، ودرسوها، وترجموا رواياتنا التراثية كألف ليلية وليلة وشحنوا بها خيالهم، أما نحن فقد أصدرنا قرارا بمنع تداول كتاب ألف ليلة وليلة وحظرناه، فكان جزاء ذلك أن جفَّفنا آبار عواطفنا وإحساساتنا المسؤولة عن جينات الإبداع والابتكار.

وكان من نتائج ذلك أن أصبح شرقنا ضحية كل النزاعات والحروب، فهو ضحية هذا الجهل.

إن ما يجري على الساحة السورية ليس سوى انعكاسٍ لهذه الحالة المستمرة حتى اليوم؛ فما يجري في الواقع على الساحة السورية هو عرض من عروض المصارعة الحرة بين المصارعَيَْن الكبيرَيْن في العالم،الدبّ والكلب، أما جمهور المتفرجين فيتراوحون بين أتباع الدب والكلب، وبين أنصار التنين.

إن الدب والكلب الضخم هما مََن سيُقرران في نهاية الأمر الإجابة على سؤالٍ خطير:

ما مصير سوريا، فهل ستُقتل برصاصة في الرأس على شاكلة الرصاصة التي أُطلقت أمام الكاميرات على رأس العقيد معمر القذافي؟

 أم أنها ستشنق يوم العيد على المقصلة، كما شُنق الرئيس العراقي صدام حسين؟

أم أن مصيرها سيكون غامضا على شاكلة مصير زين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح وحسني مبارك؟

أم أنها ستقطع بسكينٍ سوداني إلى نصفين؟

يجب أن نلفت عناية إخوتنا وأهلنا المتابعين المتثائبين، ممن يجلسون على بلكونة العالم يتفرجون على ما يجري لهم في شرقنا الأوسط، يجلسون أمام الفضائيات يشاهدون دول العالم الطامحة التي دفنت منذ عقود الأيدلوجيات والالتزامات الأخلاقية، واستبدلتها بالتكنلوجيا والإبداعات، نتفرج عليها وهي تُقرِّرُ مصيرنا.

متى سنقتنع بأن مصطلحات الأخلاق والمبادئ والأصول والصداقة والحق والعدل لم تعد موجودة في قواميس الدول في الألفية الثالثة!ولم يعد في عالم اليوم سوى هذه التساؤلات:

مَن مِن المُصارعين سيحصلُ على ثمنٍ أكبر من الفريسة السورية؟

هل هو المصارع الروسي الذي يطمح للحصول على ما اندثر من مكاسبه السابقة في منظومة الاتحاد السوفيتي السابق، وأن يعوض خسارته السابقة، الدب الروسي الذي ندم على صمته المُطبق عندما انفردت أمريكا وأوروبا بخيرات العراق وليبيا وتونس واليمن والسودان ولبنان، ولم يحصل الدٌُبُّ على ثمن صمته عما جرى؟

 أم هل سيحصل بتصلبه في ملف الأسلحة الغازية السامة في سوريا على موافقة المصارع الأمريكي الأول في إعادة ما اغتصبه من سلطاته السابقة؟

وكذا الأمر بالنسبة للمصارع الآخر، فهل سيسمح المصارع الروسي للمصارع الأمريكي بأن يُحافظ على ماء وجهه أمام العالم بأن يكون هو القوة الأوحد، وأن يُرضي إسرائيل لأنها الدولة المستفيدة الأولى مما يجري في سوريا؟

هاهي إسرائيل تُخرج عن بُعد لسان استهزائها فرحةً بإنهاك الجيش السوري القوي، بعد أن أصبح سوريون يقومون هم بتدمير قواتهم وسلاحهم، ويذبحون أبناءهم وأهلهم!

إن تفكيك الأسلحة الغازية السامة سيظل ملفا قائما، دون أن يُنفذ تنفيذا حقيقيا، وربما تمكن المصارعان كحل وسط أن يقوما بعملية تجميلية، أي بتمثيلية لتفكيك هذا السلاح، مع المحافظة على نتيجة المباراة وهي التعادل في حلبة المصارعة الدولية، ليدخل العالم كله من جديد في طورٍ جديد من الحرب الباردة السهلة التي تجري على نار هادئة لا تضر إلا الضعفاء المعوقين فكريا، أو ما أسميه حرب (سوفت وور)!!