لجان العمل الصحي حضور مكثف في المناطق المهمشة والمحرومة

الخليل - دنيا الوطن
مسافر يطا عبارة عن مجموعة من التجمعات البدوية الفلسطينية التي ألف أهلها العيش في منطقة أقل ما يقال عنها بأنها خشنة فهي إمتداد لصحراء النقب، ولكن من يسكنوها منذ مئات السنين إمتلكوا الخبرة في تطويعها والتعايش معها وجعلوا من كهوفها مساكن لهم ولأغنامهم مصدر رزقهم الأساسي.

بقي حالهم ومعيشتهم على هذا المنوال حتى احتلال الضفة الغربية عام 1967 وبدء المستوطنات بالزحف على أراضي السكان منتصف السبعينات ما جعل حياتهم الصعبة أصلاً تزداد صعوبة مع تزايد هجمات المستوطنين عليهم وسلبهم أراضيهم ومنعهم من الرعي في المكان، وزاد الأمر تعقيداً إعتبار جيش الاحتلال المنطقة منطقة تدريبات عسكرية لكافة قطاعاته الحربية.

وقد تختصر الحكاية، حكاية المعاناة في تجمع الفخيت البدوي الذي يقاوم أهله بكل السبل للبقاء والصمود وتحدي هجمات الترحيل المتوالية عن المكان.

الفخيت هدمتها قوات الاحتلال غير مرة وصادرت جرارات المزارعين فيها وأحتجزتها في مستوطنة كريات أربع ولكن دون جدوى فالسكان أصروا على البقاء ودخلوا مع جيش الاحتلال في لعبة الكر والفر كما تحب أن تسميها المسنة السبعينية فاطمة خليل" بدأت معاناتنا مع خروج الأردن من هنا وتفاقمت مؤخراً بعد إنتفاضة الأقصى فبات الجيش يداهم بيوتنا كل ليل ويهدم خيامنا وكهوفنا ويصادر حتى فراش النوم ولكن نحن كنا نغادر المكان في النهار ونعود إليه في الليل لنجمع أمتعتنا معبزوغ الفجر ونهرب في الجبال الصحراوية لنراقب الجيش من بعيد بإنتظار مغادرته لنعود من جديد".

وتضيف" حتى الغنم صادروها يريدون طردنا ونحن على هذه الحال منذ الاحتلال ولكن في الخمسة عشر سنة الأخيرة زاد الأمر حيث بدأوا بهدم آبارالمياه والكهوف وفي المرة الأخيرة إضطررنا للعيش تحت الأرض ثمانية أيام حتى لا يجدونا ويرحلونا، أما المستوطنين فهم مشكلة أخرى حيث يضربون الرعاة ويعتدون على المواشي".

وعن واقع الحال في الفخيت قالت خليل: الماء شحيح والأسعار في غلاء والأعلاف باهظة الثمن وأراضينا تتقلص فنحن كان لنا 50 دونماً طردنا منها ومنحت لمستوطنة سوسيا ولا يوجد طرق توصل لتجمعنا وكلما فتحنا طريق ترابي هدمها الجيش.

جارتها الحاجة وضحة أبو صبحة التي كانت بجوارها في خيمة مخصصة لتقديم الخدمات الصحية مرةً في الأسبوع بمبادرة من العيادة المتنقلة التابعة لمؤسسة لجان العمل الصحي وبدعم من مؤسسة كير منذ سنوات تدخلت وقالت: ينقصنا كل شيء ونحن نتقدم بالشكر لطاقم الأطباء هنا على جهودهم ونحن ننتظر أسبوع كامل حتى نتلقى العلاجات قمأساتنا مع نقص الخدمات الصحية كبيرة، "زوجي توفي ولم نستطع أخذه للمشفى أو الدكتور حيث أصيب بجلطة في المساء وبقي حتى الصباح فمات لأن أقرب مركز خدمات صحي في يطا وهي بعيدة أكثر من 60 كيلو متر وعند الصباح أخذناه في عربة جرار ولما وصلنا يطا قالوا لنا إنه ميت فعدنا به ودفناه".

وينقل السكان مرضاهم نحو بلدة يطا على ظهور الدواب أو الجرارات الزراعية عبر طرق وعرة أملاً في الشفاء الذي قد يعيقه عاملان الاحتلال في الطريق والوقت الذي قد لا يكون في صالح المريض.

ومن مشاهد الذعر اليومي في الفخيت للأطفال والنساء المطاردات الساخنة التي ينفذها جنود الاحتلال والمروحيات العسكرية في المكان للعمال المتسللين نحو بئر السبع وتل عراد القريبتين من المكان.

أكرم ساري رب أسرة تعتاش من تربية المواشي يصف الحال بالقول: " لا يريدوننا هنا، يريدون بلاد بلا عباد، يخنقوننا في معيشتنا بينما يوفرون لمستوطن غريب عن المكان كل سبل الراحة ونحن لا أحد يسأل عنا إلا عندما يحدث أمر كبير في التجمع فيأتي المسؤولون للحديث لوسائل الإعلام وبعدها لا نراهم".

وبحسب ساري فقد جرت مصادرة 25 جراراً زراعياً دفعةً واحدة في موسم الحصاد لدفع السكان على الرحيل ولكنهم رفضوا ذلك، وطالب السلطة الفلسطينية والمؤسسات المعنية بتوفير عوامل الدعم والصمود للمواطنينهناك حتى لا تضيع منطقة شاسعة بأكملها.

لجان العمل الصحي تلبي النداء

مؤسسة لجان العمل الصحي عاينت معاناة مسافر يطا وقررت التخفيف من آلامهم منذ سنوات عديدة فسيرت طاقماً صحياً يضم طبيباً وأخصائية نسائية وعدد من الموظفات والعاملات الصحيات والممرضات بالإضافة إلى سائق سيارة العيادة المتنقلة.

وتنطلق العيادة المتنقلة يوم في الأسبوع من مركز حلحول الصحي محملة بالأدوية والوصفات الطبية التي يكون الطاقم وصفها للمرضى في الزيارات السابقة عند ساعات الصباح الأولى لتقطع قرابة المئتي كيلومتر ذهاباً وأياباً وسط الطرق الوعرة غير المعبدة والتي غالباً ما تكون صعبة للغاية خاصةً في فصل الشتاء إذ تكون السيول قد جرفتها.

ولا تقف حدود الطاقم المتسلح بفلسفة ورؤية المؤسسة في الوصول للفئات المهمشة والفقيرة عند هذا الحد كما يؤكد سائق سيارة العيادة المتنقلة إسماعيل نوفل: "في كثير من الأحيان يحتجزنا جيش الاحتلال في هذه المنطقة النائية وفي مرات عدة أجبرنا على العودة أدراجنا عدا عن تهديداته لنا وإعتراض طريق السيارة بالجيبات العسكرية والمدرعات لدفعنا على صعود الجبال وهو أمر قد يعني إنقلات السيارة وموت من فيها رغم أنها تحمل الشارة الطبية الدولية".

ويضيف: لقد إخترنا ولا زلنا في مؤسسة لجان العمل الصحي هذه المنطقة كونه لا يوجد فيها خدمات صحية نهائيا ً ويتعرض سكانها للعديد من المضايقات بهدف ترحيلهم عن المكان. وفي كل زيارة نعالج ما بين 40 إلى 50 حالة من مختلف الفئات العمرية ومن الجنسين وفي طريق العودة نعالج كل مرة حوالي 15 مواطناً على الطريق كونه لا يقدم هذه الخدمة سوى لجان العمل الصحي في المنطقة.

أما الدكتور غاندي التميمي طبيب العيادة المتنقلة فيقول إن السكان هنا يعانون عدا عن المشاكل الصحية من الإحباط  والمشاكل النفسية لكثرة الوعود التي سمعوها دون تنفيذ، وعلى صعيد الأمراض فغالباً ما نشخص الإصابات بالسكري وضعط الدم والكسور واللدغات والإلتهابات في الجهازين الهضمي والتنفسي  والدوسنطاريا والإسهال والديدان المعوية والمغص بكثرة.

وأشار كذلك لأمراض فقر الدم وسوء التغذية مطالباً يضرورة إجراء أبحاث علمية على سكان المنطقة لمعرفة حقيقة معاناتهم اليومية الناجمة عن الاحتلال وسياساته ما ينعكس سلباً على صحتهم ومستقبلهم.

وحذر التميمي من خطورة الحال وقال: إذ كنا نحن الأطقم الطبية نعاني من الاحتلال والمستوطنين فما بالكم بهؤلاء السكان فأي مريض منهم يحتاج إلى الرعاية الصحية الثانوية في أي مشفى يجب عليه التواجد فيه عند السابعة صباحاً لذا عليه بدء المسير عند الرابعة فجراً وهو لا يستطيع التحرك ليلاً خوفاً من الجيش الإسرائيلي والمستوطنين وهو بالتالي قد يموت قبل بلوغ المشفى وهذا حصل مع كثيرين.

وأوضح أن طاقم العيادة المتنقلة يسعى جاهداً للتخفيف من معاناة الناس في هذه المنطقة مشيراً إلى أن الطاقم يضم طبيبة مختصة بصحة المرأة لمعالجة ومتابعة النساء والحوامل والمواليد.

جدير بالذكر أنه وبمعاينة المكان يلحظ بأن النساء في مسافر يطا الأكثر عرضةً للإنتهاكات والضغوطات النفسية والصحية بسبب حالة القلق الدائمة علة مصير الأسرة وأفرادها وهو ما تنعكس صورته صحياً على أبدانهن رغم أنهن يمثلن النموذج الأرقى والأقوى لتجذر الفلسطيني على أرضه فتجدهن دوماً في مواجهة حملات الهدم والترويع والاقتلاع التي ينفذها الاحتلال في أماكن سكنهن.

التعليقات